
من الاستحياء إلى الإلحاح.. كيف رأى أئمة الإسلام أهمية الدعاء؟
وتشكل هذه الأفكار والأسئلة التي تدور في أذهان الكثيرين محور تأمل عميق يكشف أن الدعاء أكثر بكثير من مجرد قائمة طلبات تُرفع إلى السماء.
وتناول برنامج "قال الحكيم" -في الحلقة التي يمكن متابعتها من هذا الرابط- مفهوم الدعاء من زوايا فلسفية وروحية متعددة، جامعاً بين حكمة التراث الإسلامي ورؤى مفكرين غربيين في رحلة تأملية، تعيد اكتشاف هذا الفعل البسيط في ظاهره والعميق في جوهره.
يبدأ التأمل من مفارقة صاغها العالم الزاهد سلمة بن دينار بعبارة مذهلة؛ إذ أبدى خشيته من أن يُحرم الدعاء لا من أن يُحرم الإجابة، كأن الدعاء ذاته نعمة يخاف سلبها.
وهذا قلب للمعادلة المألوفة؛ فكثيرون يخشون ألا تُستجاب دعواتهم، لكن سلمة يرى في مجرد القدرة على الدعاء منحةً إلهية لا تُقدَّر.
وفي الاتجاه ذاته، ربط الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي بين الدعاء والتربية، مؤكداً أن كل دعاء صادق يمنح صاحبه شجاعةً جديدة ومعنىً جديداً.
وتوضح الكاتبة الأمريكية جويس ماير المقصود بهذه الشجاعة، إذ ترى أن الدعاء هو المكان الذي نُعبّر فيه عن مخاوفنا، فما إن ننتهي منه حتى نشعر بأن خالق الكون معنا فتتبدد المخاوف.
تعريف التربية
أما تعريف التربية فيجيب عنه الفيلسوف الدانماركي سورين كيركغور بأن دور الدعاء لا يكمن في أثره عند الله، بل في تغيير طبيعة الداعي نفسه؛ إذ يجبره على الاعتراف بضعفه وتقصيره وحاجته إلى تصحيح المسار.
بيد أن السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى معلقاً: لماذا ندعو وكل شيء مكتوب؟ يجيب شيخ الإسلام أبو حامد الغزالي بأن رد البلاء بالدعاء هو نفسه جزء من القضاء، فالدعاء سبب كسائر الأسباب، وليس متعارضا مع القَدَر بل تفاعلاً معه.
وأعمق من ذلك كله ما رآه شيخ الإسلام ابن تيمية من علاقة جوهرية بين الدعاء والحرية؛ فكلما قوي طمع العبد في فضل الله قوي استغناؤه عن المخلوقين جميعاً، وكلما تعلق بالناس استُعبد لهم، وهكذا يصبح الدعاء طريقاً إلى نوع فريد من الحرية لا يعرفه إلا من جرّبه.
وتتكامل هذه الصورة بنصيحة العالم المتصوف أبي الحسن السري الذي دعا إلى الإلحاح على الله كإلحاح الطفل على والديه، وبقول التابعي وهب بن منبه الذي تعجّب ممن يأتي من يغلق بابه ويواري غناه، ويترك من يفتح بابه في كل وقت ويُعلن غناه ويدعو عبده إليه.
اما العالم المتصوف جلال الدين الرومي فقد حوّل الضعف من نقيصة إلى إشارة ربانية: "العجز هو أجمل إشارة من الله للإنسان بأن وقت الدعاء قد حان"، فمن يشعر بالعجز فليعلم أنه لم يكن يوماً أقرب إلى الله تعالى مما هو عليه الآن.