برامج متفرقة

"منطق القوة" يحكم النظام الدولي.. هل أصبحت الجمعية العامة منبرا بلا أنياب؟

انعقدت دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة الـ81 في ظل أزمات وتحديات متزايدة، امتدت من الحرب في غزة وتداعياتها، وأزمة هرمز والتصعيد الأمني مع إيران، وصولا إلى أزمات المناخ والديون والذكاء الاصطناعي.

 

وفي الوقت الذي يحتاج فيه العالم إلى عمل متعدد الأطراف، وقفت المنظمة الدولية عاجزة عن اتخاذ قرارات ملزمة، مما سلط الضوء على عمق الفجوة بين الأهداف التأسيسية للميثاق الأممي وواقع هيمنة "منطق القوة" والواقعية السياسية على المشهد الدولي.

"منطق القوة" وأفول التعددية الدولية

ويوضح مروان قبلان، مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أن الأمم المتحدة تمثل آخر محاولة تاريخية لإنشاء نظام أمن جماعي يمنع العدوان، إلا أن النظام الدولي الحالي بات يكشف عن غلبة "منطق الغاب" وتهميش القانون الدولي والمواثيق.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ووفق حديث قبلان لبرنامج "محاولة فهم" تتجلى المفارقة في أن القوة -التي أسست النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية (الولايات المتحدة)- هي التي تقوده اليوم نحو التقويض، عبر إضعاف المنظمات الدولية، ووقف المساعدات (كإيقاف تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية) والانسحاب من الاتفاقيات، وفرض الرسوم الجمركية.

وتتكرس هذه الواقعية -حسب المتحدث- في تصريحات مسؤولين أمريكيين تؤكد أن الدول التي لا تستطيع الدفاع عن أرضها لا تستحق امتلاكها، مما يعني تقديم منطق الغلبة العسكرية على السيادة القانونية.

ومن جانبه، يرى أستاذ تسوية النزاعات الدولية والدبلوماسية محمد الشرقاوي أن المنظومة الدولية انحرفت عن التصور الفلسفي الذي أرساه الرئيس الأمريكي الـ28 وودرو ويلسون، والقائم على منظومة القيم والأمن الجماعي والتجارة المفتوحة، لتتحول إلى ساحة تتجاوز فيها القوى الكبرى (مثل أمريكا وروسيا) السور الأممي دون شرعية أو سند قانوني.

ويظهر ذلك في القراءة الداخلية للأمم المتحدة، حيث لا تُدار الأمور كـ"حكومة عالمية" بل تخضع لتراتبية صارمة يتصدرها مجلس الأمن والدول الخمس دائمة العضوية، لتصبح إرادة المنظمة مجرد انعكاس لإرادة الأعضاء النافذين، حسب الشرقاوي.

epa13261348 Taoiseach of Ireland Micheal Martin speaks during the General Debate of the 81st session of the United Nations General Assembly at United Nations Headquarters in New York, New York, USA, 24 September 2026. EPA/SARAH YENESEL
الدورة رقم 81 لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيوريورك (الأوروبية)

دبلوماسية "الكواليس"

ومقابل الخطابات الرسمية على منصة الجمعية العامة، يرى المحللون أن الثقل الحقيقي للاجتماعات يكمن في "دبلوماسية الغرف المغلقة" واللقاءات الجانبية التي تُعقد في الفنادق ومقرات البعثات لحسم الصفقات السياسية والاقتصادية.

ويشير الشرقاوي إلى أن أهمية الجمعية العامة دفعت طهران لتوحيد خطابها السياسي بين التيار الدبلوماسي (الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي) والحرس الثوري، لاستثمار فرصة نيويورك وفتح مسار مفاوضات مع واشنطن بوساطة قطرية.

لكن الصعود المتزايد لما يُعرف بـ"التعددية المصغرة" -أي اتفاق الدول الكبرى في أطر ضيقة بعيدا عن مظلة الـ193 دولة- يحمل مخاوف جديّة من تهميش باقي العالم وقضاياه المصيرية، كما يؤكد قبلان.

NEW YORK, NEW YORK - SEPTEMBER 23: Iranian President Masoud Pezeshkian holds up a picture of a school that was bombed during Israeli and American airstrikes while the leader speaks during the 81st session of the United Nations (U.N.) General Assembly at U.N. Headquarters on September 23, 2026 in New York City. World leaders have gathered in New York for the annual session of the United Nations General Assembly, with this year's global issues ranging from the threat of artificial intelligence to the continued wars in Ukraine and Gaza. Spencer Platt/Getty Images/AFP (Photo by SPENCER PLATT / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP)
الرئيس الإيراني بزشكيان في مشاركته باعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (الفرنسية)

الازدواجية والمأزق العربي

وتنعكس الواقعية السياسية أيضا في "النفاق المنظم" للسيادة وسلاح التأشيرات، إذ سمحت واشنطن بدخول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإيراني بزشكيان لحاجتها للتفاوض أو دعم حلفائها، بينما منعت التأشيرة عن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان، في خرق صريح لاتفاقية المقر.

وعلى الصعيد العربي، يشير المستشار في العلاقات الدولية والتعاون الدولي عبد الفتاح محمد سعد إلى وجود حراك دبلوماسي عربي في الدورة الحالية للتعامل مع أزمات هرمز وغزة ولبنان، والوساطات القائمة.

وفي المقابل، يؤكد قبلان والشرقاوي أن الفاعلية العربية تراجعت مقارنة بفترتي الخمسينيات والسبعينيات نتيجة التشرذم الداخلي، وغياب الرؤية المشتركة، وتشتت القضايا المركزية، مما يفقد المجموعة العربية قدرتها على الحشد التأثيري داخل الجمعية العامة.

Some attendees and delegation members walk out as Israel's Prime Minister Benjamin Netanyahu arrives to speak during the 81st United Nations General Assembly at the United Nations Headquarters in New York, on September 24, 2026. (Photo by TIMOTHY A. CLARY / AFP)
نتنياهو ألقى كلمته بالجمعية العامة للأمم المتحدة أمام مقاعد شبه فارغة بعد انسحاب معظم الوفود (الفرنسية)

أزمة التمويل والرهان الأخير

ولم تتوقف أزمات المنظمة عند الجانب السياسي، بل امتدت للجانب التنموي والمالي، إذ يوضح عبد الفتاح سعد أن أهداف التنمية المستدامة (عام 2030) لم يتحقق منها سوى أقل من 30%، مع تفاقم أزمة الديون على أكثر من 3 مليارات إنسان بالدول النامية، وتراجع تمويل المنح. وقد دفع هذا الانهيار المالي أمين عام الأمم المتحدة للحديث عن مرحلة تقشف وإعادة هيكلة للعمل الإنساني.

ورغم هذه الاختلالات الكبيرة، يخلص الخبراء إلى أن تمسك الدول -خاصة الصغرى والضعيفة- بالأمم المتحدة يظل خيارا وجوديا، كون المنظمة ملجأ أخيرا للحفاظ على القواعد والقوانين الدولية والتصدي للانزلاق الكامل نحو فوضى "قانون القوة".

المصدر: الجزيرة