
"صراع العمالقة".. عندما تهز الصين عرش الصناعة العالمية
منذ أكثر من عقدين، اعتاد المستهلكون حول العالم رؤية عبارة "صنع في الصين" ملصقة على المنسوجات والألعاب والإلكترونيات منخفضة الكلفة، غير أن المشهد التجاري العالمي يشهد اليوم تحولا أعمق وأكثر إثارة للقلق، مع صعود سلع صينية جديدة عالية التقنية تهيمن على الأسواق الدولية، في مقدمتها المركبات الكهربائية، والألواح الشمسية، وبطاريات الليثيوم أيون.
هذا التحول، الذي يتناوله فيلم "صراع العمالقة" الذي بثته قناة الجزيرة اليوم الجمعة (2-1-2026) فجّر نقاشا عالميا محتدما حول مفهوم "القدرة الإنتاجية الفائضة"، وحدود المنافسة، ومستقبل الصناعات في الولايات المتحدة وأوروبا وبقية العالم.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsوزيرة الخزانة الأميركية السابقة جانيت يلين لخصت المخاوف الغربية بقولها إن الصين "أصبحت ببساطة أكبر بكثير من أن يستوعب بقية العالم قدرتها الهائلة"، محذرة من أن السياسات الصناعية الصينية قادرة على تغيير الأسعار العالمية، وإغراق الأسواق بمنتجات منخفضة السعر، بما يهدد بقاء الشركات الأميركية وغيرها من الشركات الأجنبية.
هذا الطرح الأميركي قوبل برفض صيني حاد، إذ اعتبر محللون ومسؤولون في بكين أن الحديث عن "قدرة فائضة" ما هو إلا ذريعة سياسية تعكس عدم تقبل الغرب لتفوق الصين الصناعي والتكنولوجي، مؤكدين أن توازن العرض والطلب مسألة نسبية، وأن تسييس المفاهيم الاقتصادية يتعارض مع القوانين الأساسية للسوق.
وفي أوروبا، بدا القلق واضحا على لسان المستشار الألماني أولاف شولتس، الذي وصف المرحلة بأنها "لحظة حرجة بين الحمائية الأميركية وخطر وصول المنتجات الصينية إلى السوق الأوروبية بأسعار متدنية".
شولتس حذر صراحة من تداعيات تفوق شركات مثل "بي واي دي" الصينية على عمالقة أوروبيين كـ"بي إم دبليو"، معتبرا أن ذلك قد يخلق توترا في العلاقات الصينية الألمانية.
الاتحاد الأوروبي، من جهته، أطلق تحقيقات رسمية لمكافحة الدعم، لا سيما في قطاع السيارات الكهربائية، حيث أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الأسواق الأوروبية تتعرض لـ"تشويه" بفعل سيارات كهربائية صينية منخفضة السعر، مدعومة بإعانات حكومية ضخمة.
صدام تجاري مبكر
ويستعرض الفيلم الصدام التجاري المبكر بين الصين ودول العالم، فلم تقتصر مواجهة بكين مع دول العالم على التكنولوجيا النظيفة، ففي أميركا اللاتينية، تظاهر عمال الصلب في تشيلي في أبريل/نيسان 2024 احتجاجا على تدفق الصلب الصيني الرخيص، الذي سجل واردات قياسية بلغت 10 ملايين طن في عام 2023، بزيادة 44% عن العام السابق، وبأسعار تقل بنحو 40% عن المنتج المحلي.
هذه الضغوط أدت إلى إعلان أكبر شركة صلب في تشيلي إغلاق أبوابها، وسط مخاوف اجتماعية حادة مع فقدان آلاف العمال لمصادر رزقهم.
الولايات المتحدة جعلت من الصلب قضية سياسية بامتياز، حيث اتهم الرئيس السابق جو بايدن بكين بإغراق الأسواق العالمية بمنتجات مدعومة، في حين ردت الصين بالتأكيد أن صادراتها لا تتجاوز 5% من إنتاجها، متهمة واشنطن بتقديم مئات المليارات من الدولارات كإعانات تمييزية لصناعاتها.
صدمات الصين
يربط الفيلم هذا الجدل بما يسميه اقتصاديون "صدمة الصين الأولى"، التي بدأت منذ انضمام بكين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، حين انتقلت الصناعات التقليدية كثيفة العمالة إلى الصين، ما أسهم في فقدان نحو 5 ملايين وظيفة تصنيع في الولايات المتحدة. اليوم، يخشى قادة غربيون من "صدمة صينية ثانية" أشد تأثيرا، هذه المرة في الصناعات المتقدمة.
ويرى محللون أن الصين تجمع حاليا مزيجا غير مسبوق من أربعة عوامل:
- حصة ضخمة من التصنيع العالمي تقارب 30%
- أجور لا تزال منخفضة نسبيا
- قدرات تكنولوجية متقدمة
- دعم حكومي هائل ومستمر
هذا المزيج، بحسب خبراء، قد يضع ضغوطا غير مسبوقة على أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة.
السيارات الكهربائية
يخصص الفيلم مساحة واسعة لصناعة السيارات الكهربائية، التي أصبحت رمزا للتفوق الصناعي الصيني. فقد تجاوزت شركة "بي واي دي" منافستها الأميركية "تسلا" لتصبح أكبر بائع للمركبات الكهربائية في العالم عام 2023، ما دفع تسلا إلى خفض أسعارها عالميا.
ويعود هذا النجاح، وفق خبراء، إلى تخطيط طويل الأمد بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، حين رأت الصين في السيارات الكهربائية فرصة لتجاوز الغرب في صناعة لم تتفوق فيها تقليديا. لعبت الدولة دورا محوريا عبر القروض الرخيصة، وتوفير الأراضي، وفرض قيود على المنافسين، ودعم الابتكار، كما في حالة شركة "إكس بنغ" التي انتقلت من إنتاج السيارات إلى تطوير مركبات كهربائية طائرة.
في المقابل، تواجه أوروبا كلفة اجتماعية واقتصادية متزايدة. قطاع السيارات وحده يوظف نحو 13 مليون شخص، أي 6% من إجمالي العمالة في الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، أعلنت شركات كبرى مثل فورد، وفولكس فاغن، وميشلان، وأوتوليف عن آلاف الوظائف الملغاة وإغلاق مصانع، ما يعمق المخاوف من تآكل أحد أعمدة الاقتصاد الأوروبي.
الطاقة الشمسية
في قطاع الطاقة الشمسية، تبرز الصين كقوة مهيمنة بلا منازع. ففي عام 2023 وحده، ركبت الصين ألواحا شمسية بقدرة إنتاجية بلغت 217 غيغاواط، متجاوزة مجمل ما بنته الولايات المتحدة عبر تاريخها. ووفق وكالة الطاقة الدولية، استحوذت الشركات الصينية على أكثر من 80% من السوق العالمية في عام 2021، في وقت أعلنت فيه مئات الشركات الأميركية والأوروبية إفلاسها.
ورغم ذلك، يرى بعض الفاعلين في السوق أن الواردات الصينية الرخيصة ساهمت في تسريع التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة، حتى وإن جاءت على حساب الصناعات المحلية.
أما الهيمنة الثالثة، فتتجسد في بطاريات الليثيوم أيون، حيث تنتج الصين أكثر من 3 أرباع بطاريات العالم، مدعومة باستثمارات ضخمة في المناجم الأفريقية والأميركية الجنوبية، وسيطرتها على معالجة الليثيوم والنيكل. شركات مثل "كاتل" و"بي واي دي" أصبحت لاعبين محوريين في هذه الصناعة، في ظل تخطيط حكومي دقيق يربط التعدين الخارجي بسلاسل توريد محلية متكاملة.
نزاعات تجارية
يخلص فيلم "صراع العمالقة" إلى أن العالم يقف عند بداية مرحلة جديدة من الاحتكاك التجاري. ففي حين ترى الصين أن ما يحدث تطبيقا طبيعيا لمبدأ الميزة النسبية، ترى الولايات المتحدة وأوروبا أن المنافسة باتت غير عادلة ومهددة لاقتصاداتها ومجتمعاتها.
وبحسب محللين، فإن "الصدمة التجارية الصينية الثانية" قد بدأت فعليا، مع تغير مفاهيم التجارة العالمية، وإعادة توجيه سلاسل التوريد، وارتفاع وتيرة النزاعات التجارية، في مشهد يعكس صراعا مفتوحا بين نماذج اقتصادية متباينة، ستكون له تداعيات عميقة على الاقتصاد العالمي في السنوات المقبلة.