برامج متفرقة

غزة التي لا تعرفونها.. مدينة الحضارة والثقافة وقصور المماليك

ليست غزة مجرد شريط محاصر يعلوه دخان وتغمره أنقاض، فخلف صور الدمار تختبئ مدينة نابضة بالتاريخ امتدت جذورها لآلاف السنين وتحولت إلى واحدة من أقدم الحواضر المتوسطية التي لم تفقد روحها رغم المحن.

وفي حلقة جديدة من برنامج "بودكاست البلاد" يعيد الأكاديمي الفلسطيني أباهر السقا اكتشاف ملامح هذه المدينة المنسية، مستعرضا تاريخها العريق، ومحللا بنيتها الاجتماعية، ومبرزا كيف أسهمت التحولات العمرانية والاقتصادية والسياسية في صياغة هوية غزة الفريدة وقدرتها المدهشة على الصمود.

وقد عرفت غزة منذ فجر التاريخ بأنها مدينة حدودية بين المشرق والمغرب، عند التقاء الصحراء بالبحر. وهي نقطة العبور التي تنافست عليها القوى الكبرى من الفراعنة إلى العثمانيين، وقد جعلها هذا الموقع مدينة إستراتيجية، مفتوحة على كل الثقافات، متخمة بالتحولات التي حفرت في جدرانها ملامح التعدد والاختلاط.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

ويروي السقا أن غزة لم تكن هامشا حضريا كما يتصور كثيرون اليوم، بل كانت ذات يوم مركزا متقدما في العمران والاقتصاد والإدارة، إذ امتدت عمرانا من شواطئ البحر حتى تخوم بئر السبع، واحتضنت حركة تجارية نشطة تربط بين آسيا وأفريقيا عبر طرق القوافل القديمة.

ومع بدايات القرن العشرين، كانت هذه المدينة العريقة تستقبل خطوطا حديثة للسكك الحديدية تربطها بميناء يافا جنوبا وبالعريش شرقا، مما جعلها عقدة مواصلات حيوية في فلسطين.

وحتى خمسينيات القرن الماضي، كانت غزة تمتلك مطارا مدنيا يربطها بالقاهرة وبيروت، وميناء نشطا منذ العصور القديمة، وهو ما أكسبها سمعة "بوابة فلسطين على العالم".

وجه غزة المثير

لكن الوجه الأكثر إثارة في رواية السقا هو ذاك المتعلق بالحياة المدنية الحديثة في غزة. فقبل عقود من الحروب، كانت المدينة تنبض بثقافة حضرية مزدهرة: فشوارعها المعبدة بالبازلت، ومقاهيها القديمة، وصالات السينما التي كانت تعرض الأفلام المصرية والفرنسية، قبل أن تتحول اليوم إلى أطلال تروي ذاكرة جيل لم يعرف من السينما سوى شاشات انطفأت إلى الأبد.

وفي شارع عمر المختار، الذي كان القلب التجاري والثقافي للمدينة، وُلدت مظاهر الحداثة الأولى. وهناك تأسست بلدية غزة، وانتشرت الأسواق والمسارح والمكتبات، وتجاورت المباني الحجرية مع الطراز العثماني والمملوكي في مشهد معماري متداخل يعبّر عن هوية المدينة المركّبة.

ويرى الأكاديمي الفلسطيني أن هذا التمازج العمراني والاجتماعي ليس مجرد تفصيل جمالي، بل هو انعكاسٌ لتاريخ طويل من التنوع الطبقي والسكاني.

فغزة -التي تضم اليوم أكثر من مليوني نسمة- في جوهرها مدينة تشكّلت من موجات بشرية متعاقبة، من أهلها الأصليين، إلى العائلات التي نزحت إليها من يافا والرملة والمجدل وبئر السبع بعد نكبة 1948.

وقد أفرزت تلك الهجرات -كما يشرح السقا- مجتمعا مركبا جمع بين الريف والمدينة، بين اللاجئ والمقيم، فصار النسيج الغزّي انعكاسا مصغرا لفلسطين كلها.

ومن مخيم الشاطئ إلى حي الرمال، ومن أزقة الزيتون في جباليا إلى الأسواق القديمة في النصيرات، تتداخل الحكايات العائلية لتكوّن سردية جماعية تصعب قراءتها بمعزل عن التاريخ السياسي.

لم تفقد ذاكرتها

ورغم أن الحروب المتعاقبة دمّرت كثيرا من ملامح المدينة القديمة، فإن غزة لم تفقد ذاكرتها، ففي أحيائها ما زالت تقف قصور مملوكية وأخرى عثمانية شاهدة على العصور التي عبرتها، من بينها قصر السقا الذي يعود بناؤه إلى أكثر من 3 قرون، وتحوّل اليوم إلى رمز للذاكرة المعمارية الفلسطينية المهددة بالاندثار.

ويقول السقا إن استهداف هذه المباني في الحروب لا يعني فقط تدمير الحجر، بل محو السردية التي ترويها الجدران، فالقصر الذي كان مقرا لعائلات علمية وتجارية بارزة صار شاهدا على تحولات الهوية العمرانية لمدينة تتقاطع فيها الأسطورة بالتاريخ.

ويضيف أن ما يميّز غزة عن غيرها من المدن الفلسطينية هو قدرتها على إعادة إنتاج ذاتها كل مرة، رغم فقدانها لمقومات الحياة الطبيعية.

فحين دُمّر ميناؤها ومطارها، تحولت الأنفاق إلى شرايين حياة جديدة. وحين أُغلقت حدودها، ازدهرت التجارة الداخلية، لتُثبت المدينة مرة تلو أخرى أن البقاء في غزة ليس مجرد صمود، بل فعل وجود واع ومتجذر.

ويشير الأكاديمي الفلسطيني إلى أن الوعي الجمعي في غزة يرتكز على فكرة "الحياة رغم الموت" وهي الفكرة التي تُعيد تعريف المقاومة اليومية بمعناها الواسع. فالسكان الذين يبنون بيوتهم للمرة الرابعة أو الخامسة لا يفعلون ذلك بوصفه تحديا فقط، بل هو استمرار طبيعي لتاريخ طويل من التجدّد.

دور الغزاوية

وفي قراءته الاجتماعية، يرى السقا أن المرأة الغزية لعبت دورا محوريا في تثبيت هذا التوازن، فهي الحارسة الأولى للبيت والذاكرة، وتحمل عبء الفقد وتعيد إنتاج الأمل في سياق سياسي مغلق، وبذلك تتحول أدوار النساء إلى ما يشبه العمود الفقري للمجتمع الغزّي في مواجهة الانكسارات المتكررة.

أما في الجانب الاقتصادي، فقد كانت غزة عبر تاريخها مركزا للتبادل السلعي، ومنطقة زراعية خصبة اشتهرت بزيت الزيتون والحمضيات، قبل أن يبدّد الحصار جزءا كبيرا من قدراتها الإنتاجية. ومع ذلك، لا تزال أسواقها تضج بالحياة، وتُعيد تعريف مفهوم الاكتفاء الذاتي في ظل عزلة شبه تامة.

ويرى الأكاديمي الفلسطيني أن هذه الحيوية الاقتصادية والاجتماعية هي التي تجعل من غزة نموذجا فريدا للتماسك الحضري، إذ لا يمكن فهم صمودها دون إدراك العمق الاجتماعي الذي يربط بين سكانها مهما اختلفت أصولهم، فمن العائلات الثرية إلى سكان المخيمات، تتشكل المدينة كجسد واحد متنوع الملامح.

ولا يخفي السقا أن غزة -رغم تاريخها المجيد- عاشت على الدوام في قلب التناقض بين الجغرافيا والسياسة. فهي مدينة متحضرة محاصرة، تطمح للانفتاح لكنها تُغلق عليها الأسوار. ومع ذلك، ظلّت تحافظ على صورتها كرمز للحياة التي لا تُهزم، ومختبر دائم لإرادة الفلسطيني في البقاء.

ويدعو السقا للنظر إلى غزة بوصفها أكثر من جغرافيا حرب، فهي مدينة الحضارة والثقافة وقصور المماليك، ومهد الحكايات التي تمتد من البحر إلى الرمال، ففهم غزة -كما يقول- لا يكون برؤية الدمار فحسب، بل قراءة التاريخ الذي يسكن تحت الركام.

ففي كل زاوية من المدينة حكايةٌ تروى، وفي كل بيت ظلٌّ لذاكرة أعمق من الحصار. وتلك هي غزة التي لا تعرفونها.. مدينةٌ قديمةٌ بقدر ما هي حاضرة، ومكانٌ يعيد تعريف معنى البقاء في وجه الفناء.

المصدر: الجزيرة