
هل نصنع جيلا عربيا بلا هوية؟
وتناولت الحلقة –التي تجدونها في هذا الرابط– تأثير ضياع الهوية على المجتمعات العربية، وتطرقت إلى علاقة الهوية بالعمارة العربية والأزياء التي اختلفت اليوم بقدر كبير عن السابق.
ووفق إحصاءات وردت في الحلقة، للباحثة في فلسفة التعليم بجامعة هارفارد مايا الكاتب الشامي، فإن الفجوة التعليمية تتسع كلما اختلفت لغة المدرسة عن لغة البيت، محذرة من وهم "التعلم التلقائي" للغة الأم في المنزل.
وأشارت إلى أن الأسر العربية تفضل إدخال أبنائها مدارس دولية تعتمد اللغة الإنجليزية لغة أساسية، في حين تغفل عن الاهتمام باللغة العربية في جوانب الحياة المختلفة الأخرى. فهناك أكثر من 13 ألفا و600 مدرسة دولية في العالم تستحوذ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على النصيب الأكبر فيها، حيث يدرس بها نحو 7 ملايين طالب، وفق الحلقة.
ويؤدي التوجه نحو "الفرنجة" التعليمية إلى خلق جيل يجد نفسه غريبا عن ثقافة أجداده وعاجزا عن فهم تراثه، ومرتبطا عاطفيا بنماذج لغوية مستنسخة من اللغة الإنجليزية.
وأوردت الحلقة إحصائية لافتة لمنظمة "الإسكوا" لعام 2019 تفيد بأن المحتوى العربي الرقمي لا يتجاوز 3% من مجموع المحتوى العالمي، مما يضع الأجيال الجديدة في خانة المستهلك لثقافة الآخر، لا المنتج لثقافته.
الثقافة الطاغية
وتتعلق الهوية بكل صورها بالثقافة والهوية الطاغية والمسيطرة، إذ إن سبب اندثار هوية ما وتطور أخرى هو الاستعمار الأجنبي المباشر، الذي محا ارتباط المجتمع بماضيه، والذي جعل الأجيال الجديدة غير مرتبطة بالماضي الذي يحمل إرثا تاريخيا من العادات والتقاليد وشكل الهوية التي ينتمي لها.
كما كان للقوى الناعمة (الإعلام والسينما) دورا في خسارة الشعوب العربية الهوية الخاصة بها، وقد برزت تلك الظاهرة في تناول الإعلام الغربي للرجل العربي وصورة الإسلام التي تمثل الإرهاب، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، التي كانت بمنزلة نقطة تحول في تصوير العرب والإسلام بصورة نمطية منفرة.
هذه الصورة السلبية التي ارتبطت بالإسلام والعرب منذ تلك الهجمات حتى الآن جعلت جيلا كاملا منفصلا عن الصورة الحقيقية للعرب والمسلمين، وهو ما فسره المفكر والكاتب الجزائري مالك بن نبي بمفهوم "القابلية للاستعمار" لبعض المجتمعات التي غيرت من جلدها لتتأقلم مع القوى أو الثقافة المهيمنة في الفترة الحالية.
الهوية والعمارة
الزاوية الأخرى لأزمة الهوية تظهر أيضا في "الغابة الإسمنتية" التي تكتسي بها المدن العربية اليوم، ففي الماضي، كانت العمارة الإسلامية تعبيرا عن "منظومة أخلاقية"، فالنافورة وسط البيت لم تكن للزينة فقط، بل لستر أصوات الغرف، والنوافذ المرتفعة كانت تنظم علاقة الجوار.
أما اليوم، فقد تحولت المدن إلى نسخ كربونية من نماذج عالمية باردة، حيث يغيب مفهوم "الحي" وتذوب "العصبية" (بمفهوم بن خلدون) لصالح عمارات مزدحمة لا يعرف فيها الجار جاره.
ووفقا للمفكر جميل أكبر في كتابه "عمارة الأرض في الإسلام"، فإن العمارة كانت بمنزلة "نظم تحكم" اجتماعية ودينية، بينما تحولت اليوم إلى مجرد استنساخ لذوق الطبقة "البرجوازية العالمية" التي تفرض الألوان المحايدة والتصاميم الموحدة كدليل على الرقي، هاربة من هوية الألوان والزخارف التي وصمها الاستعمار يوما بأنها "للبسطاء".
وفي الختام، دعت الحلقة إلى تحويل الهوية من "محل دفاع ورد فعل" إلى "مشروع عملي" ينطلق من التخصص، بحيث يعبر كل مختص عن هويته، فالكاتب بلغة سليمة، والمعماري بتصميم يلبي الاحتياجات الثقافية، ومصمم الأزياء بما يناسب الهوية المحلية.
وترى الحلقة أن التزام المجتمع كله باستعادة الهوية من بناء "مشروع حضاري أصيل"، سيكون السبيل الوحيد لإخراج الإنسان العربي من دوامة الاستنساخ والاغتراب.