حماة المنسية تعود إلى الواجهة.. ترميم المعالم يوقظ ذاكرة المدينة

حفظ

شهدت حماة، وسط سوريا، عقودا من التهميش بعد أحداث عام 1982 الدامية، حين ارتكبت قوات حافظ الأسد مجزرة راح ضحيتها عشرات الآلاف من سكان المدينة.

ومع الإهمال المتعمد الذي طال كافة جوانب الحياة في عهد الأسدين، تراجعت مكانة المدينة على الخريطة السياحية، رغم تاريخها الغني وما تضمه من آثار عريقة حجبتها الإشغالات والاستثمارات المحدودة.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد، بدأت الحركة تعود إلى حماة، مع توافد سوريين وزوار من الخارج للتعرّف على المدينة ومعالمها. حتى إن بعض أبناء حماة تحدثوا عن اكتشافهم حديثا مواقع أثرية ودينية تقع في قلب مدينتهم، لكنها ظلت لسنوات بعيدة عن أنظارهم، بسبب الإشغالات والتغييب، بحسب الحاج أبي محمد، الرجل السبعيني من مدينة حماة.

قصر الأرناؤوط

دعما لإنعاش السياحة وإحياء تاريخ حماة الإسلامي العريق، عمل مجلس المدينة على الاهتمام بتلك المعالم، عبر مشاريع بدأت تعيد للمدينة أصالتها وروايتها التاريخية، خصوصا ما يرتبط منها بتاريخ المدينة في العصرين الأيوبي والمملوكي.

ومن أهم تلك المعالم، قصر الأرناؤوط، الواقع وسط حماة، والذي طُرح مؤخرا للاستثمار تمهيدا لإعادة إحيائه. ويُعد القصر من المعالم الأثرية البارزة في المدينة، لكنه تعرض للإهمال على مدى عقود، وظل بعيدا عن أنظار كثير من أهالي المدينة، بينما تحولت أجزاء منه ومحيطه إلى مكان لتراكم النفايات.

بُني القصر في العصر العثماني في القرن السابع عشر، على يد محمد باشا الأرناؤوط، والي حماة آنذاك. وتختلف المصادر بشأن التاريخ الدقيق لبنائه؛ إذ لا توجد دراسة تاريخية معمّقة وموثقة تحدد تاريخ تشييده ومراحل بنائه بدقة.

يتحدث محمد سويدان، الآثاري في حماة، للجزيرة نت عن تاريخ هذا المعلم: "بُني هذا القصر على يد محمد باشا الأرناؤوط، ابن حماة، بعد ولايته للمدينة، على الضفة اليمنى لنهر العاصي، وتوجد أعلى مدخل القصر لوحة رخامية مستطيلة مؤرخة بعام 1306هـ". وقد كُتب هذا النص في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ويحتوي على ثلاث جمل مُنفَّذة بالنحت السنبلي.

إعلان

ويضيف سويدان: "لا توجد أي دراسة تاريخية معمقة وموثقة للقصر، لكن كتب عنه بعض الرحّالة، منهم الرحالة أوليا جلبي، الذي تحدث في كتاب رحلاته عن زيارته لقصر والي حماة الأرناؤوط". وذكر أوليا جلبي في كتاب رحلاته أن القصر كان يحتوي على 300 غرفة، منها للسكن وأخرى لقاعات الحكم.

قصر الأرناؤوط في مدينة حماة: شاهدٌ حجري على سلطة الوالي وعبقرية العمارة العثمانية @hamahplus.net
قصر الأرناؤوط في مدينة حماة شاهد حجري على سلطة الوالي وعبقرية العمارة العثمانية (حماة بلس)

من مقر للولاة إلى سجن للثوار

بحسب سويدان، مر بناء القصر بثلاث مراحل تاريخية؛ تعود المرحلة الأولى والأساسية إلى زمن محمد باشا الأرناؤوط، بينما جاءت المرحلة الثانية خلال العهد العثماني المتأخر في ثمانينيات القرن التاسع عشر، أما النقش الموجود أعلى مدخل القصر فيعود إلى عام 1306هـ (1888-1889م)، في حين شهدت المرحلة الثالثة إنشاء القسم الجنوبي من القصر خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا.

ويضيف سويدان: "يجاور القصر معلمان أثريان بارزان، هما مسجد العبيسي وحمام العبيسي، ويرتبط الموقع بنسيج عمراني تاريخي تعاقبت عليه مراحل مختلفة من تاريخ مدينة حماة. وقد يشير وجود منشآت أقدم في محيط القصر إلى أن الموقع شهد نشاطا عمرانيا قبل تشييد قصر الأرناؤوط في العهد العثماني، إلا أن تحديد تاريخ الموقع ومراحل تطوره بدقة يحتاج إلى أعمال سبر وتنقيب أثري ودراسات توثيقية إضافية".

ولم يبقَ القصر مقرا للوالي؛ إذ تحول إلى مقر للسرايا الحكومية خلال مراحل متأخرة من العهد العثماني، ثم استُخدم مبنى لمديرية النفوس خلال فترة الانتداب الفرنسي، قبل أن يتحول لاحقا إلى سجن مركزي احتُجز فيه عدد من أبناء حماة المشاركين في مقاومة الانتداب، وأُخلي المبنى عام 1982، وظل بعد ذلك فارغا ومغلقا لعقود.

بوابة المدرسة العصرونية الشافعية @صفحة فيسبوك - ‎‎مدينتي حماة
بوابة المدرسة العصرونية الشافعية (صفحة مدينتي حماة)

المدرسة العصرونية

ومن المعالم التاريخية في حماة دار التوتان، وهي دار للقرآن ارتبطت تاريخيا بما يُعرَف بالمدرسة العصرونية في المدينة، وتقع في منطقة باب حمص القديمة، بالقرب من نهر العاصي.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن الأمير نجم الدين التوتان بن ياروق أنشأ الدار ومسجدها عام 584هـ. وفي مرحلة لاحقة، أصبحت دارا لتعليم القرآن الكريم؛ إذ يشير نقش مؤرخ بعام 715هـ إلى تخصيصها لإقامة طلاب القرآن وتعليمهم، مع أوقاف للإنفاق عليهم، وتحديد مدة إقامة الطالب فيها بخمس سنوات.

ويوضّح الآثاري محمد سويدان للجزيرة نت أن الموقع ظل لعقود محجوبا خلف حديقة وإشغالات مختلفة، قبل أن تشغل أجزاء من محيطه منشآت ومقهى شعبي، مما أسهم في إخفاء معالمه عن كثير من أهالي المدينة.

وأُعيد إبراز الموقع مؤخرا بعد إزالة الإشغالات والأشجار التي كانت تحجبه، ليظهر مجددا بوصفه أحد المعالم التاريخية في وسط المدينة.

ويشير سويدان إلى أن "للدار وقفا من الأراضي والعقارات في حماة امتد حتى مدينة شيزر في ريف المحافظة، وهو ما وثقه الباحث كامل شحادة في مقالاته المنشورة بمجلة الحوليات الأثرية السورية".

وبحسب المعلومات المتوافرة لدى دائرة الآثار، كُشف عن الموقع خلال ستينيات القرن الماضي، وأُجريت عليه آنذاك أعمال توثيق وترميم.

إعادة صيانة وتأهيل نواعير حماة
إعادة صيانة وتأهيل نواعير حماة (الجزيرة)

اهتمام حكومي

يرى سويدان أن إعادة إبراز هذه المعالم، إلى جانب الكشف عن مواقع أثرية جديدة، لا تسهم فقط في توثيق جوانب اندثرت من تاريخ حماة، بل تمهد أيضا لعودة المدينة إلى خريطة السياحة السورية، خاصة أن الزوار الأجانب يولون اهتماما كبيرا بالمواقع الأثرية، وهو ما تزخر به حماة.

إعلان

وفي إطار جهود إحياء المعالم التاريخية، تتواصل أعمال تأهيل مطعم الأربع نواعير تمهيدا لإعادة افتتاحه. ويُعَد المطعم من أقدم المطاعم الشعبية المطلة على نهر العاصي، ويقع بالقرب من ناعورة البشريات التاريخية.

وترتبط بالمطعم رواية متداولة بين أهالي حماة تنسب إنشاءه إلى فترة الوحدة بين سوريا ومصر (1958-1961)، في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، إلا أن هذه الرواية تحتاج إلى توثيق تاريخي يحسم تاريخ إنشائه والجهة التي أمرت ببنائه.

من جانبه، يقول رئيس دائرة آثار حماة، الآثاري مروان الجربان، للجزيرة نت: "نعمل اليوم على صون تراث مدينة حماة وريفها عبر مشاريع الترميم والتوثيق، لإعادة إحياء المعالم المنسية وإتاحتها أمام الزوار، بما يسهم في تنشيط الحركة السياحية، خاصة أن المدينة أصبحت، بعد سقوط الأسد، وجهة يقصدها الزائرون على نحو لم تشهده مسبقا".

بدوره، يكشف مدير منطقة حماة، حافظ طيفور، للجزيرة نت، عن تنفيذ مشاريع متواصلة لإعادة تأهيل المعالم الأثرية بعد عقود من الإهمال، تشمل تنظيف القناطر التاريخية وإنارتها، وصيانة النواعير وإعادة تأهيل عدد منها. وبحسب طيفور، تراجع عددها من 25 إلى 15 ناعورة بسبب الإهمال والسرقة. وتشمل المشاريع أيضا ترميم حي الطوافرة الأثري وقصر العظم، وإزالة الإشغالات التي تحجب هذه المواقع التاريخية في وسط المدينة.

ويضيف أن المحافظة بدأت أيضا تنفيذ مشاريع لتأهيل الحدائق والشوارع العامة، مثل البرناوي والصابونية والبياض، في إطار خطة تهدف إلى تنشيط الحركة في مختلف أحياء المدينة وإعادة الحياة إلى فضاءاتها العامة.

ساحة العاصي في مدينة حماة
ساحة العاصي في مدينة حماة (الجزيرة)

حماة تستعيد مكانتها على الخريطة السياحية

ويبدو أن جهود إعادة إحياء المعالم التاريخية بدأت تنعكس على الحركة السياحية في المدينة.

يقول حافظ طيفور إن صيف عام 2026 شهد "توافدا كبيرا للسياح من داخل سوريا وخارجها للتعرف على المدينة ومعالمها"، معتبرا أن حجم الإقبال خلال هذا الموسم هو الأكبر الذي تشهده المدينة منذ 45 عاما.

ويشير طيفور إلى أن الازدحام الذي شهدته شوارع حماة، وامتلاء المطاعم والمقاهي الشعبية والأماكن العامة، يمثل انعكاسا ملموسا للمشاريع التي تنفذها المحافظة بالتعاون مع المجتمع المحلي لإعادة إحياء المدينة.

من جهتها، تؤكد مديرة سياحة حماة، المهندسة مي البكري، وجود تحول ملحوظ في القطاع السياحي مقارنة بالعام السابق، مشيرة إلى ارتفاع نسبة إشغال الفنادق من 17% خلال النصف الأول من عام 2025 إلى 33% خلال الفترة نفسها من عام 2026.

وتضيف أن فنادق المدينة شهدت مع بداية يونيو/حزيران، في صيف 2026، حجوزات كاملة بنسبة 100%، بينما ارتفعت أعداد السياح الأجانب بنسبة 216% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، معتبرة ذلك مؤشرا على بدء عودة حماة إلى الواجهة السياحية السورية.

وأعلنت البكري عن إعداد مسارات سياحية مخصصة للزوار العرب والأجانب، تجمع بين المعالم الأثرية والمواقع الطبيعية في المحافظة، مع ربطها بخرائط غوغل لتسهيل الوصول إليها.

ويرى الحاج أبو خالد، أحد سكان حماة، أن إعادة الكشف عن هذه المعالم لا تجذب السياح فقط، بل تصل أيضا الأجيال الجديدة بتاريخ مدينتهم. ويقول إن كثيرا من هذه المواقع "نُسيت مع مرور الزمن"، لكنّ استعادتها اليوم يعزز ارتباط الأهالي بتراثهم، ويحوّل المدينة إلى وجهة للزوار بعد عقود من الغياب.

المصدر: الجزيرة

إعلان