سافر إلى طنجة.. ملتقى البحرين وجسر المغرب إلى أوروبا

طنجة- عندما تزور مدينة طنجة عروس شمال المغرب وعاصمتها الدبلوماسية في فترة سابقة، ستحظى حتما بسفر عبر الزمن، حيث الشواطئ ممتدة على واجهتين بحريتين (المحيط الأطلسي والبحر المتوسط) والساحات والمساجد العتيقة، والحدائق الشاسعة التي تنهل من عبق التاريخ والطبيعة، والمقاهي الثقافية والأسواق التقليدية النابضة بالحياة، والمتاحف التي تحكي كل واحدة منها ألف حكاية.
وتعتبر طنجة أقدم مدينة مغربية بعمر يناهز 3 آلاف عام، كما يبرز ذلك عاشق المدينة ومثقفها الأكاديمي أحمد الطلحي للجزيرة نت، حيث إنها المدينة المغربية الوحيدة التي عرفت جميع المراحل التاريخية التي مر منها المغرب، وهناك مواقع أركيولوجية ترجع إلى فترة ما قبل التاريخ.

وما أن تطأ قدمك أرض المدينة جوا عبر مطارها الذي يحمل اسم الرحالة الكبير ابن بطوطة أو بحرا عبر ميناء طنجة المتوسطي أو ميناء طنجة المدينة، تشعر بترحاب ونخوة أهل شمال المغرب، وتسابق الناس لخدمة زوارها بكل فرح وفخر.
وتتميز طنجة بمناخ معتدل على مدار العام، مع انخفاض بسيط للحرارة خلال فصلي الخريف والشتاء، مما يجعلها ملاذاً مثالياً للباحثين عن الراحة والاستجمام، لكن الربيع هو أفضل أوقات الزيارة حين تبدو السماء أكثر رزقة وصفاء، كما خلد ذلك الرسام الفرنسي هنري ماتيس أشهر لوحاته عن طنجة.

جسر المغرب
لك أن تسأل كيف تبدأ مغامرتك في جسر المغرب إلى أوروبا وملتقى البحرين.
وفي يومك الأول انطلق في رحلة مع جمعية الرحالة لهواة المشي بطنجة، واستكشف المدينة العتيقة بصحبة هواة الاستكشاف، فزيارة المدينة العتيقة تقودك حتما إلى متاحفها الرائعة، مثل متحف دار البارود، ومتحف الرحالة ابن بطوطة ببرج النعام، حيث ستكتشف عبقرية هذا الرحالة المغربي العالمي، وتتعرف على مغامراته الشائقة في أرجاء العالم.
واستمر في رحلتك عبر الأزقة الضيقة حيث الشرفات مزينة بالزهور والورود، وتوقف عند القبور الرومانية والإنجليزية، وعند المعبد اليهودي الصياغ، وكنيسة سانت أندريو المميزة بهندستها وزخارفها الإسلامية المشابهة للمساجد المغربية، ثم عند البنايات الدبلوماسية التاريخية مثل دار الفنان ودار النيابة السعيدة، والتي تحولت إلى متاحف فنية بهندسة معمارية مميزة، والفنادق التاريخية مثل فندق دي فرانس وكونتننتال، لتجد نفسك في عالم آخر، عالم الفن والثقافة والتاريخ.

ولا تفوت فرصة الاستمتاع بإطلالة ساحرة على البحر المتوسط من أحد أبواب المدينة العتيقة، كباب البحر أو باب المرسى، وسترى كيف يتلاقى البحر والسماء في لوحة فنية خلابة، وكيف يضفي الميناء بجماله على المدينة رونقاً خاصاً.
وبعد كل هذا السير في أزقة المدينة، استرح في مقهى الحافة أو مقهى حنفطة الشهيرين، وتذوق أشهى المأكولات التقليدية، وجرب الطاجين اللذيذ سيد مائدة المدينة، أو حساء الفول الشهير بالكمون وزيت الزيتون (البيصار) أو شطائر دقيق الحمص الممزوج بالزيت (كالينطي) أو ساندويش "البوكاديوس" اللذيذ، المحشو بالطماطم والبصل والزيتون مع قليل من الكفتة أو البيض، وستكتشف أن المطبخ الطنجاوي مزيج فريد من النكهات والألوان، كما يبرز ذلك الباحث المغربي في السياحة عبد الرزاق بن عطية في تصريح للجزيرة نت.

شواطئ وحدائق
في يومك الثاني يمكن أن يكون وادي تهدارت نقطة انطلاق مثالية، كما ينصح بذلك نادي الرحالة لهواة المشي في طنجة، وستستمتع بالسباحة في مياه الوادي والمحيط الأطلسي، وبالطبيعة الخلابة، وبعد ذلك يمكنك التوجه إلى نادي الرماية، الذي يوفر أجواء عائلية ومجموعة متنوعة من الأنشطة، وتذوق الأطباق اللذيذة.
ولا تنس أن تكتشف الساحل الشمالي لطنجة، بدءا من مارينا المدينة وصولا إلى شاطئ الدالية، مروراً بعدد من الشواطئ الخلابة مثل المنار والديكي والقصر الصغير، وستكون قادراً على ممارسة جميع أنواع الرياضات المائية، والتمتع برحلة غوص ممتعة خلال جولة بحرية مميزة.

وفي يومك الثالث، ستشعر بروح المدينة تنبض في عروقك، وتدعوك حدائقها الساحرة، المطلة على البحر، لتستمتع بلحظات من الهدوء والجمال، وتتجول في حافلة كلاسيكية ذات طابقين، كأنك تسافر عبر الزمن، تتوقف عند كل معلم لتكتشف روعة التاريخ.
ويمكن أن تخصص بعض الوقت في كورنيش طنجة، فهو قبلة لأهل المدينة وزوارها، ويمتد على طول ساحل المدينة ويوفر إطلالات جميلة على البحر المتوسط ومضيق جبل طارق. وخلال جولة في الكورنيش يمكنك التنزه والمشي، أو الاستجمام في الشاطئ الفسيح للمدينة، أو تناول الطعام في المقاهي والمطاعم المنتشرة هناك، فضلا عن الاستمتاع بمنظر غروب الشمس.

مغارة ومنارة
خصص يومك الرابع لزيارة مغارة هرقل التي ترجع إلى عصر البرونز (5 آلاف سنة قبل الميلاد) وهي مغارة مشهورة عالميا خصوصا نافذتها على البحر التي تجسد خريطة القارة الأفريقية معكوسة.
وصورة المغارة هي الرمز الرسمي للمدينة، وتقع ضمن مناطق للمغارات تسمى مغارات أشقار، وتم اكتشافها سنة 1878، وأصبحت مزارا سياحيا منذ 1920.
وتتجه خطواتك نحو موقع كوطا الروماني المشهور بتمليح الأسماك وإنتاج الصلصة الرومانية، ثم إلى منطقة رأس سبارطيل، حيث يلتقي الأزرق السماوي بزرقة البحر في لوحة فنية ساحرة، وتصعد إلى المنارة، وتقف شامخا تتأمل الأفق البعيد، فتشعر بأنك جزء من هذا المشهد البديع.

وقد شُيدت هذه المنارة الإستراتيجية سنة 1864 على ارتفاع 250 مترا فوق سطح البحر، وذلك عقب توقيع اتفاقية دولية ضمت كبرى الدول آنذاك، وذلك لوضع حد لحوادث الغرق المتكررة في المنطقة التي عُرفت بـ"مقبرة السفن".
وتتواصل رحلتك في يومك الخامس لتكتشف كنوزا معمارية أخرى لا يمكن حصرها كما يتابع الأكاديمي الطلحي، مثل فيلا القصر الإيطالي، فيلا جوزيفين، كنيسة سانت أندريو، وكل مبنى يحمل في طياته قصة، ويعكس تلاقح الحضارات. وتنتهي جولتك بفيلا هاريس، تلك التحفة المعمارية الفريدة التي تقع وسط حدائق غناء، لتتخيل صاحبها الكاتب الشهير جالسا في شرفته، يكتب عن جمال طنجة وسحرها.

ميزانية وتسوق
تصنف طنجة من بين الوجهات السياحية ذات التكلفة المتوسطة، ولكن ذلك لا يمنع من أن تحجز مقر إقامتك مسبقا، فالأسعار المعروضة على الإنترنت تبقى معقولة مقارنة بالخدمات المقدمة، حيث تكون تكلفة إقامة لمدة أسبوع حسب المواسم وحسب تصنيف الفنادق ودور الضيافة والشقق الفندقية.
وتوفر المدينة كما يشير الباحث ابن عطية إقامة آمنة عبر شبكة فنادق عصرية، ودور ضيافة تقليدية بأثمان مناسبة وخدمات ذات جودة عالية ما بين 50 و100 دولار يوميا في المتوسط.
وفي المدينة وسائل شتى للنقل العمومي، منها الحافلات وسيارة الأجرة الصغيرة والكبيرة (دولار واحد إلى دولارين للجولة) ولكن يمكنك استعمال الحافلات السياحية ذات الطابقين (10 دولارات للجولة في الأماكن المشهورة) بتذكرة واحدة طيلة اليوم.

وقبل وداعك لطنجة، فكر في شراء هدايا وتذكارات، حيث طنجة تقدم نفسها سوقا مفتوحا لتلبية رغبات عشاق الحرف التقليدية والمنتجات التراثية، من ملابس وحدائق وأحذية جلدية، والزرابي والأواني الخزفية، والأعشاب الطبية والعطور النباتية.
وفي أسواق المدينة العتيقة، خفض الثمن المقدم إليك إلى النصف أو أقل، فلن يجد الباعة حرجا في ذلك، بل يستمتعون معك في حوار مليء بروح الدعابة.
وتتميز المدينة أيضا بأسواقها الحديثة، التي تضم مجموعة متنوعة من الأنشطة الترفيهية والمقاهي والمطاعم العصرية، مثل مول ابن بطوطة وسيتي سنتر وسوقو آلطو، ويمكنك التوقف للاستراحة بسور المعاكيز حيث المدافع العتيقة.

وفي ليالي عروس الشمال، تتحول طنجة إلى وجهة مثالية لعشاق السهر بفضل إضاءتها وأجوائها الحيوية، وفي الصباح الباكر تبقى المدينة واحة للسكينة والهدوء، فيمكنك الاستمتاع بجمال شاطئها الهادئ، ومشاهدة الصيادين يمارسون مهنتهم التقليدية.
