بعد أن خذلهم فيسبوك.. كيف استخدم المقدسيون تيك توك في هبة باب العامود؟
امتلأت مجموعات الدردشة على واتساب (WhatsApp) بفيديوهات عن مواجهات الأقصى خلال الفترة الماضية والتي تكللت أخيرا بإزالة الحواجز التي منعت المصلين من التوجه للمسجد الأقصى أو حتى الوجود على درج منطقة باب العامود.
ومع توجه فيسبوك (Facebook) المعروف بإجراءاته المتحفظة تجاه المحتوى الخاص بقضية فلسطين والقدس، وجد المقدسيون طريقة أخرى لحشد المساندين لهم في قضيتهم.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsلن تحسم قبل خروج ترامب من البيت الأبيض.. واشنطن تواصل سعيها لفرض قيود على تيك توك
الإعلانات المستترة والمحتوى الضار بالأطفال يضعان تيك توك في مواجهة الاتحاد الأوروبي
بدعم من الدولة.. تيك توك تختبر أداة لتجاوز إجراءات آبل للحفاظ على خصوصية مستخدمي آيفون
تطبيق المراهقين والرقص
يعرف معظم الناس تطبيق تيك توك (TikTok) بأنه تطبيق ترفيهي يقوم على تدفق لا نهاية له من مقاطع الفيديو القصيرة السريعة التي تجعلهم يبتسمون بعد يوم طويل.
كما يرقص الأطفال والمراهقون على الأغاني والموسيقى التي تبث عبر هذا التطبيق، خصوصا تلك المرتبطة بألعاب الفيديو، وهناك العديد من الشخصيات التي اشتهرت فقط بسبب نشرها فيديو لطيفا أو ضاحكا على هذا التطبيق دون أن يكون لهم علاقة بالشهرة أو حتى قاعدة من الأصدقاء أو المتابعين كما هو الحادث في جميع وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى.
طبعا هذه الاستخدامات معروفة لهذا التطبيق في المجتمعات الغربية والعربية التي تنعم بالاستقرار، ولكن الأمر مختلف في القدس.
شباب القدس يحوّلون التطبيق لمكبر مسجد
نشر أحد المغردين على منصة تويتر (Twitter) تحليلا دقيقا لكيفية استخدام شباب القدس تطبيق تيك توك كمكبرات الصوت في المساجد في أيام الخلافة الإسلامية وحتى أيام الاستعمار لدعوة الناس للتجمع في مواجهة خطر ما أو الدفاع عن المقدسات.
يقول المغرد "إبراهيم أبو عرفة "وهو مهندس برمجيات في سلسلة من التغريدات إن خوارزمية تيك توك كان لها دور في تسارع وتيرة أحداث القدس، ويمكن ملاحظة ذلك في أغلب الفيديوهات المنشورة على الشبكة.
فبخلاف فيسبوك الذي يقدم منشورات الأصدقاء، وإنستغرام (Instagram) الذي يظهر الأصدقاء بالإضافة إلى ترشيحات معتمدة على تجربة المستخدم، فهناك ميزة رئيسية في خوارزمية تيك توك وهي التركيز المستمر على المتداول جغرافيا.
ويضيف إبراهيم في تغريدة أخرى "لعب هذا الترشيح المستمر والسريع لما هو متداول قرب المستخدم دور المذياع المردد للإشارة حول منطقة باب العامود تحديدا لسائر أحياء القدس، مع عامل الفيديو القادر على إيصال الرسالة بتأثير عال وجاذب وشرح تفصيلي سريع لما يجري".
نعم كان لخوارزمية تيك توك دور في وتيرة أحداث #القدس ويمكن ملاحظة ذلك من خلال أغلب الفيديوهات المتداولة على الشبكة أو حتى من سماع بعض الشبان في المواجهات. أما ما وراء ذلك فإن هذا الدور له أسبابه وإن هذه الخوارزمية تقوم فعلا بتقديم إضافة وحلول في آلية التواصل:
— Ibَrahim إِبراهيم (@IbrahimAbAr) April 23, 2021
ويقول إبراهيم إن هذا كان يتم دون الحاجة لدعوة الأصدقاء بشكل مباشر وذكر أسماء، بل يكفي بث الفيديو والدعوة من خلال فيديو.
أما الميزة المهمة الأخرى التي يرى إبراهيم أن تيك توك يمتلكها، فهي قدرة التطبيق على إيصال المحتوى لجميع المستخدمين الموجودين في المحيط الجغرافي نفسه دون عناء بسبب خاصية الفلترة أو "التوصيات" المباشرة والتي تعتبر أحد عوامل قوة هذا التطبيق.
وأكد إبراهيم للجزيرة نت استخدام فئة الشباب في القدس تطبيق تيك توك لإيصال فيديوهاتهم ومناشداتهم لأكبر عدد من سكان محيط القدس حتى ينضموا لهم في المواجهات عند منطقة باب العامود.
ويلخص إبراهيم الأمر في أن انتشار التطبيق ضمن الفئة العمرية لشبان القدس، بالإضافة لطريقة عمل الخوارزمية التي تزيد من ترشيح المتداول ضمن المنطقة الجغرافية ذاتها وترشيح الفيديوهات المشابهة لما يشاهده الشبان ويتفاعلون معه، هي عوامل ساهمت في الترويج لما يجري في منطقة باب العامود وتشجيع الآخرين.
خوارزمية تخيف الغرب
وأصبح تطبيق تيك توك مؤخرا ضحية نزاع سياسي بين الصين والعديد من أكبر الديمقراطيات في العالم، وأبرزها الولايات المتحدة والهند، وهو ما جعل البلدين يحظران التطبيق المملوك لشركة "بايت دانس" (ByteDance) التي يوجد مقرها بالصين، مما دفع الأخيرة إلى اتهامهما بانتهاك قواعد منظمة التجارة العالمية.
ويعكس الصراع الأخير مع تيك توك عدم ثقة العالم المتزايد في طموحات بكين العالمية. ولكن الأهم هو أنه يكشف عن علاقة الديمقراطيات غير المستقرة بنظام جديد من خوارزميات الوسائط الاجتماعية التي من المحتمل أن تعيد تشكيل كيفية استهلاكنا للمعلومات وتصفحها والتفاعل معها.
وهنا يجب الاعتراف بأن تيك توك بمثابة أعجوبة تقنية في حد ذاتها. فقلة من بين فريق المهندسين الذين قاموا ببنائها عاشوا خارج الصين. ولكن في غضون 3 سنوات فقط، اجتذب التطبيق مليار مستخدم في 154 دولة، ليصبح التطبيق الأكثر تنزيلا بالعالم في عام 2020 ويستوعب في المتوسط ما يقرب من ساعة من يوم كل مستخدم. كما أنه جعل بايت دانس الشركة الناشئة الأكثر قيمة في العالم، حيث تجاوزت شركة "أوبر" (Uber) بتقييم ضخم بلغ 75 مليار دولار.
خوارزمية نظام توصية تيك توك لا يشبه الأنظمة المتبعة في يوتيوب (YouTube) وفيسبوك وإنستغرام التي تعتمد فقط على سلوكياتنا النشطة عبر الإنترنت (على سبيل المثال: المتابعة أو الصداقة أو الاشتراك أو الإعجاب أو النقر) لقياس تفضيلاتنا.
فتيك توك يلتقط حتى أنماطنا السلوكية السلبية والخفية لتعليم خوارزمياته عنا في الوقت الفعلي ونحن نستهلك مقاطع الفيديو. وتتضمن هذه الأنماط عدد المرات التي نسمح فيها بتكرار الفيديو، ومدى سرعة التمرير عبر محتوى معين، وما إذا كنا منجذبين إلى فئة معينة من التأثيرات والأصوات.
طبعا الغرض من نظام التوصيات هذا هو استمرار المستخدمين في متابعة كل ما يجذبهم، وبغض النظر عن التفضيلات السابقة. مع الاستمرار في تغذيته لمصادر محتوى جذابة ومخصصة بشكل أسرع بكثير من الأنظمة الأساسية الأخرى.
المهم أن نظام التوصية لم يعد يعتمد على الشبكات الاجتماعية للأشخاص للتوصية بالمحتوى الجذاب، مما يجعل وصول المحتوى أسهل لكل من مستهلكي المحتوى والمبدعين، وهذا يخفف على المستخدمين وصناع المحتوى عبء تكديس الأصدقاء وتنمية قاعدة المتابعين وبناء الجمهور.
فبمجرد دخول مقطع فيديو إلى محرك توصيات تيك توك، لا يزال من الممكن أن ينتشر حتى لو كان صاحبه ليس لديه قاعدة متابعين طالما أنه يتفاعل بشكل كافٍ ويمتلك العوامل الجاذبة كالموضوع والمنطقة الجغرافية والخلفية والصوت، دون النظر لعدد المشاهدات والإعجاب التي يمكن أن تكون مختلقة خصوصا مع كثرة ظاهرة الذباب الإلكتروني.
أدى ظهور تيك توك إلى إعادة تعريف دور وسائل التواصل الاجتماعي في نظام نشر المعلومات اليوم. فلم يعد من الضروري أن تهدف إلى جمع المزيد من الأفراد. بدلاً من ذلك، يمكن لتيك توك مطابقة الأفراد مباشرةً مع اهتماماتهم.
وبغض النظر عما سينتهي به الأمر في صراع تيك توك مع الولايات المتحدة، فقد حان الوقت لدراسة الطرق التي يتفاعل بها تيك توك مع المعلومات في الدول الديمقراطية، وكيف يمكننا تكييف القوة الخوارزمية للمنصة نحو التغيير الاجتماعي الإيجابي بدلاً من تدهور المعايير الديمقراطية؟