ما الإيمان؟ عن غزة وصلاة الاستسقاء في الصيف

الطوفان والنبوءة
لقد أصبح من الجليّ أن مفهوم الإيمان لا يمكن فهمه وقياسه خارج سياق التضحية ودفع الكلفة (الجزيرة)

لعقد من الزمان، شغلني كباحث في علمي النفس والاجتماع الديني، السؤال عن الإيمان: ما هو؟ وكيف يمكن قياسه وقياس أثره؟

طيلة السنوات العشر الماضية، بدت هذه التساؤلات لكثير ممن أطلعتهم على اهتمامي البحثي، أسئلة بسيطة وجلية، حتى جاء يوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. من وقتها، وعلى إثر صمود الناس العجيب أمام أهوال الإبادة الجماعية في قطاع غزة، تحوّل سؤالي البحثي إلى سؤال شخصي لملايين العرب والمسلمين، بل وغير المسلمين!

امتلأت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي بالتساؤل: ما هذا الإيمان الذي يظهره كثير من الغزيين في وجه القصف المدمر، وزلزلت الدبابات، والجوع، والقتل، وأشلاء أحبتهم، وجثثهم المتحللة، وهدم البيوت، وانعدام المأوى؟! وإذا كان هذا هو الإيمان، فهل نحن حقًا مؤمنون؟

الغرب.. دين بلا تدين

قبل معركة "طوفان الأقصى" بثلاثة عشر عاماً، ألقى عالم الاجتماع الديني الأمريكي مارك شافيز خطاب توليه الرئاسة لجمعية الدراسات العلمية للدين (The Society for the Scientific Study of Religion). كان متوقعًا من خطاب شافيز أن يكون بمثابة بوصلة تحدد مسارات البحث في علم الاجتماع الديني في السنوات القادمة، إذ جرت العادة أن يوجه المتأهلون لهذا المنصب مسارات البحث العلمي في هذا المجال البحثي. لكن المفارقة كانت في تمحور خطاب شافيز حول نقطة رئيسة، وهي أن عدم الاتساق بين الإيمان والسلوك ليس حالة استثنائية، بل هو الحالة الأصلية في سلوك المتدينين، وقد أطلق على هذه الظاهرة اسم "عدم التطابق الديني" (Religious incongruence).

Mark Chaves عالم الاجتماع الديني الأمريكي مارك شافيز المصدر: duke divinity school
عالم الاجتماع الديني الأمريكي مارك شافيز (المصدر: duke divinity school)

من وجهة نظر شافيز، فإن الاتساق بين الإيمان والسلوك أمر نادر. ودعماً لأطروحته هذه، أخذ في خطابه باستعراض العديد من الحجج. وخلال ذلك، استشهد شافيز بمجموعة واسعة من الدراسات المنجزة ضمن تخصصات متنوعة في العلوم الإنسانية، تشمل السياسة، والاقتصاد، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا. وكانت نتائج تلك الدراسات، متسقة بشكل لافت في دعمها لأساس فكرته، إذ تؤكد أن العوامل البيئية والظروف (الموقف) تلعب دورًا أكبر في تشكيل سلوك الإنسان من الأفكار أو المعتقدات الذاتية.

وبناء على هذه النتائج، يخلص شافيز إلى: أن الدين ليس استثناء في ذلك، بل هو أيضاً تنطبق عليه القاعدة، وأن السلوك البشري بما فيه سلوك المتدينين، من الممكن فهمه والتنبؤ به من خلال فهم السياق أو الموقف، وليس من خلال فهم المعتقدات التي يحملها الأفراد. وبهذا، يلخص شافيز أطروحته قائلاً: "أخبرني بالموقف الذي واجهته لأخبرك كيف تصرفت"، مفندًا الافتراض القائل بأن "معتقداتك تحدد سلوكك".

تذهب أطروحة شافيز إلى ما هو أبعد من الفهم السائد في العلوم الإنسانية بخصوص التحيز للرغبة الاجتماعية (Social-Desirability Bias)، وهو تحيز إدراكي يدفع الأفراد إلى الانسجام مع الآراء السائدة أو المقبولة اجتماعيًا، فشافيز يبرز في أطروحته كيف أن الأفراد، في كثير من الحالات، قد يظهرون سلوكيات لا تتماشى حتى مع المعتقدات التي قبلوها تحت ضغط التأثيرات الاجتماعية. بعبارة أخرى، تدفعنا رؤية شافيز إلى إعادة النظر في الطريقة التي تتفاعل بها المعتقدات والقيم مع السلوك، إذ تشير إلى ظاهرة أكثر تعقيدًا، تنطوي على أن تفاعل الأفراد مع المواقف نادرًا ما يتسق مع المعتقدات المعلنة.

تطرح أطروحة عدم الاتساق بين الإيمان والسلوك مجموعة كبيرة من الإشكاليات، من بينها تلك التي تتعلق بقياس الظاهرة الدينية. فإذا كانت تصريحات الأفراد التي تُجمع بواسطة المسوحات الميدانية والاستبيانات والمقاييس السيكومترية أو المقابلات النقاشية، نادرًا ما تتسق مع أفعالهم، فكيف لنا أن ندرس ونفهم ونتوقع أثر وتأثير الظاهرة الدينية في المجتمعات الإنسانية؟

مؤخراً، وفي السياق ذاته، لفت الباحثون الانتباه إلى ظاهرة قد تلعب دوراً محورياً في رصد السلوك الديني، ألا وهي ظاهرة "المبالغة في الإبلاغ" (Overreporting) عن الممارسات الدينية.

إذ وجد الباحثون أن معدلات حضور الكنائس في الولايات المتحدة، كانت أقل بشكل ملحوظ من تلك المذكورة من قبل المشاركين في الاستطلاعات التي أجريت في تلك الولايات. وقد جرى التأكد من هذا الاختلاف باستخدام تقنيات متنوعة، بما في ذلك تحليل صور الأقمار الصناعية التي تظهر أعداد السيارات في مواقف الكنائس في يوم الأحد، والتي كانت أقل بكثير من النسب المُعلنة في الاستطلاعات.

أسفرت هذه المقارنات عن نتيجة مهمة، وهي أن معدل الحضور الحقيقي ربما كان نصف المعدل المبلغ عنه في الاستطلاعات؛ وهو ما لوحظ لدى أتباع الكنائس الأمريكية المختلفة، من الكنيسة الكاثوليكية إلى الكنيسة الإنجيلية.

أما الباحثون، فقد فسّروا هذه النتائج من خلال "نظرية الهوية" (Stryker’s Identity Theory)، مقترحين أن المشاركين لم يقصدوا الكذب حين أفادوا بحضورهم إلى الكنيسة؛ بل أجابوا بما يتوافق مع هويتهم، إذ يشكل الدين مكوناً رئيساً في الهوية الأمريكية، مما أدى إلى تلك المبالغة.

وللتحقق من هذه الفرضية، أُجريت دراسات تتبعية طُلب فيها من المشاركين تسجيل مدى التزامهم بحضور الكنيسة وكتابة يومياتهم لمدة أسبوع، مع ذكر الأنشطة التي قاموا بها في كل ساعة.

وجاءت النتائج، لتكشف أيضاً عن تناقض واضح بين الاستبيانات ومحتوى اليوميات، فيظهر الحضور إلى الكنيسة في الاستبيان، ولكنه يغيب عن نشاطات يوم الأحد المُسجلة في تلك اليوميات.

يؤكد هذا، أن الدافع وراء إجابات المشاركين لم يكن الكذب بقدر ما كان التعبير عن هويتهم. كما ويؤكد هذا التفسير، دراسات أخرى وجدت أن المجتمعات الأوروبية، التي لا تُعتبر فيها الديانة جزءًا مهمًا من الهوية، لم تُلاحظ فيها ظاهرة المبالغة في الإبلاغ.

أكثر المجتمعات تديّناً

تؤكد البيانات المستفادة من كثير من المسوحات التي تتبع إجراءات متقنة ورصينة، بأن المجتمعات الإسلامية من أكثر شعوب العالم تدينا.

تشير بيانات "المسح العالمي للقيم" (World Values Survey WVS) إلى أن المجتمعات الإسلامية من أكثر المجتمعات إيمانًا بوجود الله، والحياة الآخرة، والجنة والنار، وهو ما يظهر في الجدول أدناه، الذي يعرض  من حيث عدد السكان، نتائج مؤشرات التدين للمجتمعات الإسلامية الأكبر.

انفوغراف مؤشرات التدين

وعند النظر إلى بيانات المجتمع التركي، وهو المجتمع الذي حُكم بنظام علماني عسكري (معادي للدين) لمدة مئة عام تقريباً، ويعتبر من أقل المجتمعات الإسلامية تديناً، نجد أن 94% من العينة التركية تؤمن بوجود الله، كما تؤمن أكثر من 90% من العينة بالحياة الآخرة والجنة والنار، ويعتبر 60% من العينة الدين مهمًا جداً في حياتهم، و40% يعتبرون تعليم الدين لأولادهم أمرًا مهمًا جداً، ويرى 34% من العينة أن الدين على حق حتى لو تعارض مع العلم، كما يعتقد 43% من العينة أن الدين الوحيد المقبول هو دينه، ويعتبر 66% من العينة نفسه شخصًا متدينًا، ويؤدي 41% من العينة الصلاة عدة مرات في اليوم.

تشير هذه البيانات إلى مستوى عالي من التدين في المجتمع التركي، على الرغم من عقود الحكم العسكري العلماني. ويلاحظ من الجدول أيضاً، أن المجتمع المصري؛ المجتمع العربي الأكبر من حيث عدد السكان، لديه مستويات تدين عالية جداً، تفوق المجتمع التركي.

وتتضح دلالة هذه البيانات أكثر عند مقارنتها مع المجتمعات الأخرى، فنتائج الموجة الأخيرة من المسح العالمي للقيم، والتي شملت تسعون دولة، تشير إلى أن المجتمع الأندونيسي؛ المجتمع الإسلامي الأكبر من حيث عدد السكان، هو أكثر المجتمعات العالمية التي ترى بأن الدين أمرًا مهمًا جداً في الحياة (98%)، يليه المجتمع الليبي (97.9%)، ثم المجتمع المصري (97.3%).

ومن الملاحظ كذلك، أن الدول العشر الأولى جميعها دول إسلامية، باستثناء أثيوبيا. وقد خلت قائمة آخر ثلاثين دولة في مقياس أهمية الدين من أية دولة إسلامية، بينما شملت دول مثل: كندا، وفنلندا، وبريطانيا، وتايوان، واليابان، والصين.

خلاصة ذلك، أن المجتمعات الإسلامية ليست متدينة فحسب، بل من أكثر مجتمعات العالم تدينًا. وهو ما تدعمه بيانات المؤشر العربي الصادرة حديثاً (2022)، والتي جُمعت من أربعة عشر دولة عربية، هي: موريتانيا، والمغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، ومصر، والسودان، وفلسطين، ولبنان، والأردن، والعراق، والسعودية، والكويت، وقطر.

إذ تشير بيانات المؤشر إلى أن 61% من الأفراد في عينة الدراسة، يعتبرون أنفسهم متدينين إلى حد ما، بينما يعتبر 24% من أفراد العينة نفسهم متدينين جداً. فهل تعكس هذه البيانات واقع السلوك الديني في المجتمعات العربية والإسلامية؟

لكن، هل ينعكس التدين على السلوك؟

منذ عام 2014، والباحث حسن العسكري، أستاذ إدارة الأعمال والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، وآخرون معه، يعملون على إجابة هذا التساؤل. في البداية، استخلصوا القيم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يدعو لها الإسلام، من خلال استقراء نصوص القرآن والحديث النبوي، فتبين معهم أن الأفكار الإسلامية تعزز من الحرية السياسية، وسيادة القانون، ومساءلة الحكام والحكومات، وكذلك العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

ثمّ قرن الباحثون القيم الإسلامية التي استخلصوها من النصوص الإسلامية، مع مقياس يشتمل على ما يزيد عن أربعين مؤشرًا عالميًا، تقيس جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة، مثل: الفرص الاقتصادية والحرية الاقتصادية، والمساواة في الحصول على التعليم والرعاية الصحية، وخلق فرص العمل والمساواة في الحصول على العمل، وحقوق الملكية واحترام العقود، ومكافحة الفساد، وتوفير الاحتياجات الإنسانية والمعونة للفقراء، وعدالة الضرائب والرعاية الاجتماعية، وتوفر النظام المالي الداعم للتنمية، والالتزام بالتمويل الإسلامي، والعدالة الاقتصادية، ونزاهة القضاء، وسلطة القانون، وجودة الإدارة الحكومية، وجودة إدارة الموارد الطبيعية والموارد المستنفدة، والاستقرار السياسي وغياب العنف، ومستوى الثقة في الحكومة الوطنية، وجهود القضاء على الفقر، والتنمية البشرية، والحقوق المدنية والسياسية، وحقوق المرأة. وأطلق الباحثون على المقياس اسم "مؤشر الإسلامية" (Islamicity Index).

من الجلي أن عمل حسن العسكري وزملاؤه لا يركز على المتطلبات الشخصية للمسلم، مثل: الالتزام بالعقيدة، والصلاة اليومية، والصوم، والحج. بدلاً من ذلك، يستند مؤشر الإسلامية على الأهداف القرآنية لمجتمع مسلم ناجح، ومدى التزامه بتوصيات الإسلام المؤسسية للحكم الرشيد.

وبالتالي، فإن المؤشر من المفترض أن يعكس مدى التزام المجتمعات العربية والإسلامية المتدينة بتوصيات الدين الإسلامي.

هكذا، جمع الباحثون بيانات تقيس القيم الإسلامية من 151 دولة، منها 40 دولة إسلامية (أعضاء في "منظمة التعاون الإسلامي")، فجاءت النتيجة: أفضل 15 دولة في مؤشر الإسلامية ليس بينها دولة إسلامية واحدة! ليس ذلك فحسب، بل ولم تصنّف أي دولة إسلامية بين أعلى أربعين دولة في المؤشر. بينما في قائمة أسوأ 15 دولة في المؤشر، حضرت ثمان دول إسلامية.

وبشيء من التفصيل في النتائج؛ فإن الدولة الإسلامية الأعلى في مؤشر الإسلامية كانت ماليزيا، والتي جاءت في المرتبة 43، بينما أندونيسيا -الدولة الإسلامية الأكبر من حيث عدد السكان- جاءت في المرتبة 62، ومصر -الدولة العربية الأكبر من حيث عدد السكان- جاءت في المرتبة 128، وجاءت المملكة العربية السعودية في المرتبة 93، وإيران في المرتبة 132، وكانت أدنى دول العالم في المؤشر هي السودان وأفغانستان، وأخيراً سوريا!

الإيمان والتدين إيمان
المجتمعات الإسلامية ليست متدينة فحسب، بل من أكثر مجتمعات العالم تدينًا (الجزيرة)

في الواقع، هناك بيانات عديدة تدعم النتيجة التي توصل إليها العسكري وفريقه البحثي، إذ تشير نتائج دراسات مستندة إلى مسوحات رصينة ودقيقة إلى أن المجتمعات الإسلامية تعاني من مستويات منخفضة من النزاهة، ومستويات متدنية من سلطة القانون. وبالتالي، تُظهر الدول الإسلامية أداءً حكوميًا متدنيًا، وثقة عامة منخفضة.

كما أن المجتمعات الإسلامية، خاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لديها مستويات منخفضة من ضبط النفس، والذي يعتبر عاملًا هامًا للانضباط الأخلاقي.

وعند ملاحظة مؤشر الفساد (CPI) لعام 2021، والذي يرتب دول العالم تصاعديًا من الأقل إلى الأكثر فسادًا، لا نجد دولة إسلامية بين الخمسين دولة في تصنيف الأقل فسادًا، باستثناء دولتين صغيرتين منتجتين للنفط: قطر والإمارات العربية المتحدة.

أما البلدان الإسلامية ذات الكثافة السكانية العالية، فتحتل مرتبةً عالية في مؤشر الفساد. على سبيل المثال؛ احتلت إندونيسيا المرتبة 96، واحتلت مصر المرتبة 117.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه حتى البلدان الإسلامية التي تديرها حكومات إسلامية لديها مستويات عالية من الفساد، فمثلاً؛ تحتل إيران المرتبة 150، وتحتل المملكة العربية السعودية المرتبة 52.

كما تشير دراسة استقصائية، شارك في تنظيمها معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية ومكتب البحوث والدعم العربي في أربع دول عربية، إلى أن الفساد هو أهم مصدر قلق للشباب العربي فيما يتعلق بالمستقبل.

وقد شمل الاستطلاع شبابًا من دول غنية بالموارد، مثل ليبيا. ووجد الباحثون أن الشباب قلقون أيضًا بشأن الرعاية الصحية – وهو أمر نادر في هذه الفئة العمرية –، ويعود سبب قلقهم إلى أنه حتى المؤسسات الصحية في بلدانهم تعاني من ممارسات فاسدة.

من ناحية أخرى، هناك دراسات تشير إلى أنه حتى النظام المصرفي الإسلامي، والذي أنشئ كبديل للنظام المصرفي التقليدي لتجنب الربا، مرتبط بمستوى الفساد المرتفع الذي تعاني منه العديد من البلدان الإسلامية! هذه النتائج مدهشة بالنظر إلى أن الدول الإسلامية من أكثر الدول تدينًا، وأن التعاليم الدينية الإسلامية لها موقف صارم من الفساد، وتعتبره خطيئة شنيعة، فيتوعّد النظام الإسلامي السارق والمرتشي بالعقاب في الدنيا والآخرة.

توضّح المعطيات السابقة، أن المجتمعات الإسلامية تظهر مستويات عالية من التدين، ولكن في الوقت نفسه تعاني من مستويات متزايدة من السلوكيات التي تتعارض مع قيم الدين الإسلامي. هذه المعطيات تمثل صورة واضحة لظاهرة عدم التطابق الديني.

لماذا عدم التطابق الديني في المجتمعات الإسلامية؟

يقترح بعض الباحثين تفسير هذه الفجوة الواسعة بين تدين المجتمعات العربية والإسلامية وواقع حياتها اليومي البعيد عن قيم الإسلام الأصيلة، من خلال عزوها لأسباب خارجية، كالاستعمار والنفوذ الأجنبي الخارجي. والحقيقة أن هذا التفسير يدعم تمامًا أطروحة شافيز، التي تؤكد أن الظروف والمواقف وليس المعتقدات، هي العامل المؤثر والأهم في تحديد السلوك اليومي للأفراد، بما في ذلك الأفراد المتدينين.

بيد أنه هناك دراسات أجريت في المجتمعات الإسلامية، تؤكد أن ظاهرة المبالغة في الإبلاغ عن السلوك الديني، منتشرة أيضًا في هذه المجتمعات. فوجدت إحدى الدراسات التي أجريت في كل من باكستان وتركيا وفلسطين، باستخدام منهجية كتابة اليوميات التي سبق الإشارة إليها، إلى وجود مبالغة في الإبلاغ عن الالتزام بالصلاة تتراوح نسبتها بين 15 إلى 40%.

ويبدو من المعقول جدًا في ضوء هذه النتائج، التوقّع بأن المبالغة في الإبلاغ وقعت أيضًا في مؤشرات الإيمان والاعتقادات الأخرى، خصوصًا وأن الإيمان بهذه المعتقدات حالة نفسية عقلية يصعب التحقق منها حتى من قبل الفرد نفسه، خلافًا للمواظبة على الصلاة التي هي سلوك واضح جلي يمكن ملاحظته ورصده.

ومؤخرًا، قام باحثون من معهد الدراسات الاجتماعية في جامعة بوترا الماليزية، بالتحقق من شيوع ظاهرة عدم التطابق الديني باستخدام منهجية مختلفة. تركزت دراستهم على ملاحظة الأثر السلوكي للإيمان بالحياة الآخرة وعقاب جهنم. ومن المعروف أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن المجتمعات العربية والإسلامية هي من أكثر المجتمعات إيمانًا بالحياة الآخرة وثواب الجنة وعقاب جهنم، وتتميز المجتمعات الإسلامية بأنها تؤمن بكل من الجنة والنار بالمستوى نفسه، على عكس كثير من المجتمعات الأخرى التي يفوق فيها الإيمان بالجنة الإيمان بجهنم.

وعلة هذه المستويات العالية من الإيمان بالآخرة والعقاب والثواب الأخروي في المجتمعات الإسلامية، هو الخطاب القرآني؛ النص المؤسس للدين الإسلامي. ولشدة اهتمام القرآن بموضوع الحياة الآخرة، وصفه أحد الباحثين الغربيين المختصين بالدراسات القرآنية بأنه "كتاب يتنفس أخرويات".

هذه المقولة، تدعمها الدراسات التي استخدمت الذكاء الصناعي لتحليل النصوص (Natural Language Processing) وقارنت النص القرآني بعدد كبير من الكتب المقدسة، منها: كتاب المورمون، والتوراة، والجامعة المقدسة الكبرى، والعهد الجديد، والعهد القديم، والبوبول فوه (Popol Vuh)، وريج فيدا (Rig Veda)، والتاو تي تشينغ (Tao Te Ching)، والدهامابادا (Dhammapada)، والبهاجواد جيتا (Bhagwad Gita)، والجورو جرانث صاحب (Guru Granth Sahib)، والأغاما (Agama)، والسارباشان (Sarbachan). وقد وجدت هذه الدراسات أن عقاب الآخرة أكثر الأنماط بروزا في القرآن، مقارنة بالنصوص الدينية الأخرى، إذ يحتوي على عدد أكبر من الإشارات إلى الجحيم والبشرى والنذر.

"لماذا لا ينتج عن هذه المستويات العالية من الإيمان بجهنم الذي تمتاز به المجتمعات الإسلامية سلوك اجتماعي إيجابي يضاهي هذه المستويات العالية من الإيمان؟"؛ هذا هو السؤال الأساس الذي حاول الباحثون الإجابة عنه، إذ يقيس مدى حضور توقع العقاب والثواب الأخروي في الحياة اليومية، وذلك بدلاً من استخدام السؤال التقليدي، الذي غالباً ما تستخدمه استطلاعات الرأي: "هل تؤمن بجهنم؟".

وقد أظهرت النتائج أن حضور توقع العقاب الأخروي قليل بشكل جوهري مقارنة مع توقع الثواب الأخروي، وهي حالة يطلق عليها علماء العقائد الإسلامية "حالة الأمن والغرور"، وهي غالبًا ما ترتبط بالتفلت من الالتزام الديني. كما أثبتت الدراسات اللاحقة التي أجراها هذا الفريق البحثي، أن نسبة كبيرة من المشاركين تؤمن بعقاب أخروي مؤقت، وأن هذا المعتقد يثبط مستويات ضبط النفس، ويزيد القابلية لاختراق القانون، ويقلل النزاهة!

إضافة إلى ذلك، فهناك أدلة أخرى تؤكد شيوع ظاهرة عدم التطابق الديني في المجتمعات الإسلامية. ففي نهاية خطابه، قدم شافيز عدة اقتراحات ذات قيمة، من الممكن أن تعزز من قدرة الباحثين على فهم وتحليل الظواهر الدينية بشكل أعمق وأكثر دقة.

أحد أبرز هذه الاقتراحات، يتمثل في تطبيق أساليب لقياس الحالات العقلية اللاواعية (Unconscious Mental States)، تشير إلى المعتقدات العميقة المستقرة في أعماق العقل، والتي يحتمل بشكل كبير أن تؤثر على سلوك الفرد بفعل قوة رسوخها.

ومن بين الأساليب المقترحة لقياس الحالات العقلية اللاواعية، يبرز مقياس "التداعي الحر" كأداة فعالة، إذ يُطلب من المشاركين كتابة أول خمس كلمات تتبادر إلى ذهنهم فور سماعهم لكلمة معينة. هذا الأسلوب يتيح للباحثين دراسة ترتيب وتكرار الكلمات التي يقدمها المشاركين، ما قد يوفر بصيرة على العقائد الأساسية للأفراد.

ومؤخرًا، أجرى "مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية" في جامعة قطر، دراسة استخدمت هذا المقياس على عينة من المشاركين، من خلال عرض كلمة "دين" عليهم. نتائج الدراسة كشفت بشكل مثير للانتباه أن الكلمة "تقوى"، على الرغم من أهميتها البارزة في الإسلام والنص القرآني، ظهرت بندرة بين الاستجابات، مما يلقي الضوء على التعقيدات الكامنة في العلاقة بين الدين كمفهوم وتجسيده في وعي الأفراد ومن ثم سلوكهم اليومي.

ولعل من أهم الدراسات التي كشفت عن حالة من عدم التطابق الديني الصارخ في المجتمعات الإسلامية، هي الدراسة التي أجرتها ادمكزيك وزملاؤها (2021). استخدمت الدراسة بيانات "جوجل تريندز" (Google Trends) كمصدر جديد للبيانات الدينية، إذ توفر هذه الخاصية إمكانية معرفة أهم عمليات البحث التي أجريت على متصفح جوجل في منطقة جغرافية معينة خلال فترة زمنية معينة.

حللت الدراسة البيانات التي جمعت بين عامي 2012 و2018، ومن المثير للدهشة، أن الدراسة وجدت أن الدول التي فيها نسبة أعلى من المسلمين، أو فيها عمليات بحث أكثر عن شهر رمضان، سكانها أكثر عرضة للبحث عن المواد الإباحية، على الرغم من الموقف الصارم للإسلام من ذلك.

السؤال الكاشف

يطور الباحثون الاجتماعيون أفكار وآليات تسمح لهم برصد الواقع الديني للمجتمعات على حقيقته، وبتجنب التشويش الذي ينتج عن ظاهرة عدم التطابق الديني، ما يمكنهم من التوصل إلى نماذج إحصائية تتنبأ بالسلوكيات المستقبلية لهذه المجتمعات.

في هذا المقطع الأخير من المقال، سنستعرض مثالين لدراستين طبقتا تقنية "السؤال الكاشف" للتأكد من دقة المعلومات التي قدمها المشاركون في الدراسة. فالمسوحات التي تجريها بعض المؤسسات السياسية والأمنية الغربية في الوطن العربي، تحتوي على بعض الأسئلة التي من شأنها أن تكشف فجوة عدم التطابق الديني.

المثال الأول؛ هو الدراسة التي أجرتها مجموعة من الجامعات الألمانية، بالإضافة إلى مركز الدراسات الأمنية في برلين. الدراسة أُجريت عام 2016، وشملت 9000 شاب، تتراوح أعمارهم بين 16-30 عامًا، في ثمانية دول عربية هي: البحرين، مصر، الأردن، لبنان، المغرب، فلسطين، تونس، اليمن، وكذلك الشباب السوريون اللاجئون الذين يعيشون في لبنان.

وقد تمكنت هذه الدراسة من إبراز فجوة التطابق الديني لدى الشباب العربي، إذ طُلب من المفحوصين تحديد مدى أهمية مجموعة من القيم بالنسبة لهم، وكما هو متوقع، فقد جاءت قيمة الإيمان بالله في المرتبة الأولى، إلا أن قيمة نشر الإسلام جاءت في المرتبة التاسعة عشر! تسبقها قيم أخرى تتعلق بالنجاح المالي والاجتماعي كالوظيفة والزوجة والبيت.

في هذه الدراسة كان السؤال الكاشف هو القيمة التي يعطيها المشاركون لنشر الإسلام، موضحة الفجوة بعدم التطابق الديني، بين قيمة الإيمان بالله وقيمة نشر الإسلام.

المثال الثاني؛ هو المسح الذي أجراه "معهد الدراسات الاجتماعية التطبيقية النرويجي" في فلسطين المحتلة عام 1992، علماً بأن هذا المعهد لعب دوراً محورياً في هندسة وإنجاز "اتفاق أوسلو". احتوى المسح الضخم والمتقن، والذي نشرت نتائجه في تقرير يزيد حجمه عن أربعمئة صفحة، على سؤال حول شكل الدولة الفلسطينية التي يرغب بها المفحوصين في حالة الاستقلال، وكان على المفحوصين الاختيار بين دولة علمانية، أو قومية، أو إسلامية، أو ديمقراطية. وقد مالت نسبة كبيرة من المفحوصين إلى خيار الدولة الإسلامية

إلا أن سؤالاً آخر حول لمن تقدم تضحيتك الأولى؟ أظهر وجود الفجوة السلوكية، إذ مالت نسبة كبيرة لتقديمها العائلة على الإسلام؛ الأمر الذي يبرز مدى جدية المفحوصين في رغبتهم في تأسيس دولة إسلامية. واللافت هنا، أن المشاركين من مخيمات الضفة وغزة كانت لديهم أعلى نسبة لتقديم التضحية الأولى للإسلام، ولعل هذا يفسر لماذا كانت هذه المناطق هي بؤرة الفعل المقاوم والجهادي في انتفاضة الأقصى عام 2000 وطوفانه عام 2023.

غزّة وصلاة الاستسقاء في الصيف

قبل السابع من أكتوبر، كان المعني بظاهرة عدم التطابق الديني مجموعة من الباحثين الأكاديميين، أما الآن، فقد أصبح تساؤل يشغل الحوارات العامة، بل وحوارات الأفراد مع أنفسهم. فبطولات الشعب والمقاومة في غزة، أظهرت المعنى الحقيقي للإيمان، وذلك حين يتسق الفكر والسلوك في سياق موقف يناقض هذا الاتساق بشكل تام ولا يسمح به.

لقد أصبح من الجليّ أن مفهوم الإيمان لا يمكن فهمه وقياسه خارج سياق التضحية ودفع الكلفة. وهذا المعنى انتشر بشكل واسع جدا على مواقع التواصل الاجتماعي، وأحد طرق التعبير عنه كان الانتشار الواسع للآيات القرآنية التي تؤكد هذا المعنى، كقوله تعالى: "مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ"، وكذلك قوله تعالى: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ".

لم يكن مقصود مارك شافيز من أطروحته نفي تأثير الإيمان على السلوك، بل أراد التأكيد على أن هذا الأمر نادر الحدوث، وأن الأمر الأكثر شيوعا في المجتمعات هو أن الظروف والمواقف هي الأكثر تأثيرا في سلوك الأفراد.

غير أن أحداث السابع من أكتوبر، علمتنا أن الإيمان المتسق مع السلوك، رغم هول الموقف، له تأثير يشبه فعل المعجزات. لقد اختار مارك شافيز عنوانا مجازيا لورقته البحثية، يمكن أن نترجمه للغة العربية على هذه الصيغة: "لا أحد يصلي صلاة الاستسقاء في الصيف". ولعل ما يصنعه الغزيون، مقاومة وشعبا، منذ السابع من أكتوبر، يؤكد على أن غزة تصلي صلاة الاستسقاء في الصيف. فيا مغيث أغثنا.

المصدر : الجزيرة