هل الجنود بلا ضمير؟ وهل يستطيعون النوم بعد قتل الآخرين؟

لعلّك قد مَررت أثناء تصفّحك لمواقع التواصل الاجتماعي بأحد المقاطع التي تُظهر مدنيين يُعذَّبون ويُعتَدى عليهم وتُنتهَك حقوقهم عبر التعذيب والإهانة، خاصة في مناطق الحروب والنزاع والثورات حيث السحل والتنكيل والإذلال وخروج الأمور عن السيطرة. كان آخرها مقاطع عديدة تداولها ناشطون على حسابات التواصل الاجتماعي حول إقدام بعض الميليشيات على تعذيب وإهانة مدنيين في أوكرانيا خلال الحرب الروسية-الأوكرانية الأخيرة.

 

وغالبًا ما تتناول الدراسات والمقالات جانب الضحايا أنفسهم، الأبعاد النفسية والاجتماعية المترتّبة على الاعتداء عليهم وانتهاك حقوقهم، لكن قليلة هي المصادر التي تبحث في الجُناة أنفسهم وفي المجرمين، أليس لهم ضمير؟ ألا يشعرون بالأسى والندم والذنب على ما فعلوا؟ هل يُقْدِم النّاس على الاعتداءات دون أن يشعروا بأي تناقض؟ هل ينامون جيدًا ويُمارسون حياتهم وكأنّ شيئًا لَم يكن؟

 

في مؤتمر الأبحاث الاجتماعية في الصحة النفسية في أمريكا اللاتينية، والذي أُقيم في جامعة لندن عام 2018، قدّم أحد الباحثين وصفًا لحالة مراهق من جنوب أمريكا يُعاني من الاكتئاب، كان هذا المراهق قد شارك بأعمال عنف تجاه المدنيين أثناء الاحتجاجات عام 2017 في فنزويلا. في إحدى المرات، هاجم المراهق مع أصحابه بيتًا لسيدة عجوز وقاموا بتقييدها ونهب منزلها، يستذكر المراهق هذه الحادثة بكونها نقطة فاصلة في تاريخه المَرَضي، حيث إن نظرات الذعر في عيون "الجدّة" -كما وصفها- قد أثارت الهلع في نفسه من سوء فعلته، وقد أخذ يتخيّل أن أحدًا يمكن أن يقوم بالفعل نفسه مع أحد أقاربه وهو ما لا يتمناه أبدًا.

 

تُشكّل لحظة التحوّل هذه بداية لتشخيص نشأ في عيادات الطب النفسي العسكري يُعرَف باسم "الجراح الأخلاقية (Moral Injuries)"، ورغم أن هذا التشخيص لم يُضَف إلى كُتيِّب الأمراض النفسية الأمريكي "DSM-5″، فإنه أسهم في معرفة جذور الاعتلالات النفسية عند الجنود، كالاكتئاب والاضطراب التالي للصدمة، وأسهم أيضًا في تبني خطط علاجية جديدة لأمراض نفسية لم تنفع معها العلاجات التقليدية. فما هذه الجراح أو الإصابات؟ وكيف نشأت؟ وما علاقتها بالمشاعر والأمراض النفسية؟ كل هذه الأسئلة ستكون محور جولتنا القادمة في ملف الطب النفسي العسكريّ.

نفسية الجنود

 

عندما يخون الإنسان ضميره: خيانة أخلاقية

قبل الحديث عن هذا التشخيص ونشأته، لا بدّ من الالتفات إلى الجَذر اللُّغوي له القادم من الكلمة الإنجليزية "Moral" أو كما يمكن ترجمتها إلى اللغة العربية بمصطلح "الأخلاق الجمعية"، والتي يمكن تعريفها بأنها الشيفرة الأخلاقية التي يتبناها الشخص وتكون متناسقة مع ثقافة وأخلاقيات الجماعة التي ينتمي إليها ابتداءً من العائلة وانتهاءً بالمجتمع، وتكون هذه الأخلاقيات متفقًا عليها بشكل ضمني أو صريح مثل المواد القانونية، ويتوقع من الفرد أن يتصرف طبقًا لهذه الشيفرة الأخلاقية(1). أما مصطلح الجراح الأخلاقية فهو مرتبط بالطبيب النفسي الأمريكي "جوهانثان شاي"، والذي استخدمه لأول مرة في كتاباته عام 1994 كوصف لتجاربه مع الجنود الأمريكان خصوصا في مرحلة حرب الفيتنام في عيادته في بوسطن التابعة لبرنامج تأهيل الجنود، حيث لاحظ استمرار بعض الأمراض النفسية لديهم لعشرات السنين، ومقاومتها لطرق العلاج التقليدية. ويرى الدكتور شاي أن هذا التشخيص يجب أن يكون منفصلًا عن تشخيص الاضطراب التالي للصدمة على الرغم من تزامنهما في معظم الحالات(2).

 

ويجب تحقق ثلاثة شروط حتى نستطيع وصف حالة ما بهذا التشخيص بحسب الطبيب شاي: أولا أن تكون هناك خيانة أخلاقية عن طريق انتهاك الفرد لمنظومة المبادئ والقيم الأخلاقية التي يُؤمن بها، وثانيًا أن تصدر هذه الخيانة الأخلاقية من شخص يملك سلطة الاختيار، وثالثًا أن تحدث الخيانة الأخلاقية ضمن مواقف عالية الخطورة(2,3). ويرى باحثون آخرون أن مصدر الاعتلال هو الذات وليس السلطة أو الفاعلية الأخلاقية، أي أن الإنسان في أي موقع قد تلحق به مثل هذه الجراح في حال تعرّض لموقف شكّل له صدمة ناجمة عن تصرفه بعكس ما تملي عليه أخلاقه(2,3). إلا أنه في كلا الحالتين تتسبب المواقف بنقص ثقة المصاب في نفسه وفي المؤسسة التابع لها، وتزيد من فرص انتحاره ويأسه وتبنيه مواقف عنيفة(2).

 

لماذا صار من الشائع إصابة الجنود بالجراح الأخلاقية؟

 

تحوّل العالم بشكل جذري بعد الحرب العالمية الثانية، وشمل هذا التحول اختلافًا في القيم العسكرية وتغيرات في تقدير قيم كالشجاعة والتضحية والإقدام إلى تقدير فكرة الضحية لحروب بلا مُبرّرات. فإذا كانت أوروبا قد قاتلت في الحربين العالميتين للدفاع عن الأرض، فقد أصبحت الحروب بعد الحرب العالمية الثانية تُفتعَل لأهداف غير مبررة وفقًا لمناخ فكري جديد فرضه صعود ثقافة عالمية ضد الاستعمار والقوى المستعمرة.

 

يرجّح الباحثون أن هذه التحولات في شكل الحروب الجديدة وبروز حركات مدنيّة رافضة للحروب والتدخلات العسكرية منذ حرب الفيتنام، لها دور أساسي في ظهور تشخيصات مثل المتلازمة التالية للصدمة أو تشخيص مثل الجراح الأخلاقية. وإن كان الطب النفسي لا يزال لا يعترف بمثل التشخيص الأخير لكونه متعلقًا بمنظومة أخلاقية خارج حقل دراسة الطب، إلا أن بروز مصطلح الجراح الأخلاقية بعد حرب الفيتنام واجتياح العراق وأفغانستان، كان له ارتباط وثيق بطبيعة هذه الحروب من جهة، وتشخيصات لأمراض نفسية من جهة أخرى.

يرى الباحث الأمريكي "بريت ليتز" وزملاؤه -والذي اشتُهِر بأبحاثه في مجال الجراح الأخلاقية لدى الجنود الأمريكان- أن هناك عواملَ مشتركةً بين الحروب المذكورة آنفًا أسهمت في توليد تساؤلات أخلاقية لدى الجنود، أهمها: غياب وجود عدو واضح أو جيش مقابل، ومهاجمة المدنيين في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى أساليب وأسلحة القتال المبالغ في عنفها وشدتها(1). وعلى الرغم من أن هؤلاء الجنود مدرَّبون على العنف والهجوم دون التفكير بأي أسئلة أخلاقية، وأن العنف والقتل هو جزء مبرر بالنسبة إلى طبيعة عملهم، بالإضافة للبيئة والثقافة القتالية التي ينشؤون عليها وتأثرهم بسلوك الجماعة العسكرية والقائد؛ فإن انفصالهم اللاحق بعد انتهاء المهمة وعودتهم إلى حياتهم الطبيعية يُفقد كل هذه العوامل قدرتها على تحييد السؤال الأخلاقي، ويواجهونه مجردين، ما يقود لاحقًا لأمراض نفسية طويلة الأمد(1).

 

إن أثر الجراح الأخلاقية لم يدرس بشكل مباشر، إلا أن كثيرًا من الدراسات أشارت إليه عن طريق دراسة المتلازمة التالية للصدمة عند الجنود. فعلى سبيل المثال، تعد نسبة الجنود الذين شُخّصوا بالمتلازمة ممن ارتكبوا فظائع في الحرب خصوصا كالقتل بوسائل مفرطة بالعنف، أكبر من نسبة الجنود الذين شاهدوا فظائع الحرب دون المشاركة فيها بشكل مباشر(1). وقد وُجد ارتباط بين هذه الحوادث وأعراض متلازمة التالية للصدمة المتعلقة بإعادة اختبار الحدث والتجنب، وليس أعراض التأهب المرتبطة عادة بمناطق الخوف في الدماغ والتعرض لتجربة كادت أن تودي بحياة الشخص، بمعنى كون المصاب هو المرتكب للعنف، أي إنّ هناك فرقًا بين الصدمة النفسية التي يتعرّض لها الإنسان حين يكون هو الضحية، وبين الصدمة النفسية التي يتعرّض لها الإنسان حين يكون هو المُجرِم أو المُرتكِب للعنف(1). وما زالت الدراسات قائمة لدراسة العلاقة بين ارتكاب الفظائع، والتوتر الدائم وفقدان الإيمان والعنف المنزلي والرغبة في الانتحار أو ارتكاب جرائم أخرى بعد العودة إلى المجتمع المدني.

 

تجدر بنا الإشارة إلى أن ثمة وظائف أخرى قد تؤدي إلى جراح أخلاقية، مثل وظائف خط الاستجابة الأوّل كالمسعفين والصحفيين في الحروب الذين قد يواجهون مواقفَ يحتاج فيها جريح أو شخص في وضع خطر إلى مساعدة ولا يستطيعون ذلك، بالإضافة لوظائف أخرى كالعمل في أجهزة الشرطة واستخدام العنف المفرط أو القتل تجاه المدنيين، أو مثلا المعلمين الذين لا يستطيعون حماية التلاميذ في حالات الهجوم على المدارس، أو الممرضين الذين يقومون بالقتل الرحيم -في الدول التي تسمح بذلك- لأسباب هم غير مقتنعين بها(4). ويبدو أن العامل المشترك بين جميع هذه الوظائف هي إما وجود سلطة ما يتبع لها الإنسان ويفقد إيمانه بها لتجاوزاتها الأخلاقية، وإما مواجهة موقف تكون فيه حياة شخص آخر في خطر ولا يستطيع حمايته، ومن ثَمّ يدخل في دوامة من الأعراض النفسية بسبب الجرح الأخلاقي مثل الشعور بالذنب أو الاكتئاب وغيرها.

 

كيف يُفسِّر الطب النفسي الجراح الأخلاقية؟

بحسب الباحث ليتز وزملائه فإنه بإمكاننا فهم الجراح الأخلاقية من خلال مقاربتها مع النظريات التي تفسّر المتلازمة التالية للصدمة، فمثلا تفسّر النظرية الاجتماعية الإدراكية حدوث المتلازمة بسبب حصول خلل في المنظومة التي تحدد نظرة الإنسان لنفسه والعالم بعد تعرضه لصدمة ما(1). تتمثل هذه الاعتقادات بخيرية العالم ووجود المعنى واستحقاق النفس البشرية للكرامة والتقدير، وفي حال عدم قدرة الإنسان على تجاوز الانتهاك الأخلاقي الذي ارتكبه وفي حال انعدام وجود الخبرات الكافية لديه لإيجاد معنًى بديل من الحدث وعجزه عن تبريره، فإنّه حينها يطوّر أعراض المتلازمة التالية للصدمة، ويفقد الثقة بنفسه وبالناس، ما يُعرّض حياته وعمله وعلاقاته للتعطيل والمشكلات(1).

 

كذلك الأمر بالنسبة إلى الجراح الأخلاقية، عندما لا يستطيع الإنسان تجاوز حادثة ما أثّرت في منظومته الأخلاقية ولا يستطيع التعامل معها وتبريرها ضمن سياقه الأخلاقي، حينها تسيطر عليه مشاعر الذنب والعار، وقد تتطور بعدها لأمراض نفسية أخرى كالقلق الدائم، كما يمكن فهم الجرح الأخلاقي بوصفه استبدالًا لمشاعر الخوف والقلق من إمكانية أن يتكرّر معنا هذا، بالشعور بالخزي أو العار(1).

 

وقد حاول الباحثون تفسير هذه الإصابات بشكل آخر من خلال مقارنة الأشخاص الذين شُخّصوا بما يُعرف بالجراح الأخلاقية في مقابل الأشخاص الذين تعرضوا للظروف نفسها ولم يصابوا بذلك، فوجدوا أربعة عوامل أساسية تُسهم في حصول المرض: أولًا يختلف النّاس في نمط العزو التفسيري للأحداث، فبعض النّاس يرون أن ما قد حدث لهم سببه عوامل خارج عن إرادتهم وسيطرتهم، وبعضهم يرون أنّ ما جرى سببه عوامل ذاتية هُم أنفسهم مسؤولون عنها، وهؤلاء يشعرون بالذنب والعار. ثانيًا يختلف النّاس في مدى استمرارية التفكير بالمشاعر السلبية، حيث يستطيع بعض الأفراد السيطرة على أفكارهم، فيما يعجز آخرون عن إيقاف الأفكار المتولدة عن الاعتداء الذي ارتكبوه، وهؤلاء يُعانون أكثر من الجرح الأخلاقي. وثالثًا التوجّس والحساسية تجاه الأحداث المقلقة، والتفكير فيها قبل حدوثها. وأخيرًا قدرة الفرد أو عجزه عن التأقلم مع الظروف المباغتة والتجارب السيئة.

 

ما الذي يجعل الأخطاء البشرية جراحًا أخلاقية وليست هفوة عادية؟

كيف يمكننا معرفة الحكم الأخلاقي من غيره أو تعريفه؟ لطالما تساءل الفلاسفة والباحثون في العلوم الإنسانية عن ذلك، ولكن بشكل مقتضب يتناسب مع مجال المقالة يمكننا تلخيص بعض آراء الباحثين بأن الحكم الأخلاقي هو ما تتفق عليه جماعة ما بكونه خيارًا يستحق الثواب، والحكم غير الأخلاقي هو الخيار الذي يستحق العقاب(5). ويمكن كذلك التفريق بين ما هو أخلاقي مما هو غير أخلاقي من خلال المشاعر التي ترتبط بخيار ما، ومن هنا يمكننا الالتفات إلى أهم الادعاءات البحثية التي تحاول دراسة علاقة المشاعر بالحكم الأخلاقي وغير الأخلاقي. قدّم الباحثان "يانا أفراموفا" و"يويل إنبار" في ورقة بحثية(5) تلخيصًا لثلاثة ادعاءات رئيسية تربط الأخلاق بالمشاعر، تتلخص بالآتي:

 

  • أوّلًا، هناك مشاعر تتبع الحكم الأخلاقي: يتلخص هذا الادعاء بأن إقدامك على فعل ما، تترتب عليه مشاعر تشير إلى طبيعة الخيار بكونه أخلاقيًّا أو غير أخلاقي، فمثلًا مشاعر مثل الغضب والازدراء والاشمئزاز تتبع عادة الأفعال والأحكام غير الأخلاقية، بينما مشاعر مثل الرهبة والامتنان والسمو تتبع الأحكام الأخلاقية. وفي الحقيقة، ما زالت الدراسات السلوكية قائمة لمحاولة معرفة إذا ما كانت المشاعر هي نتيجةَ إدراكنا لموقف ما على أنه أخلاقي، أو أنها بذاتها هي المحدد لما هو أخلاقي(5).

 

  • ثانيًا، هناك مشاعر تضخّم الحكم الأخلاقي، ونلاحظ ذلك بشكل أساسي في الأحكام أو الأفعال غير الأخلاقية، والتي تعني كسر قاعدة من شيفرة الأخلاق الجمعية، لنجد أن المشاعر تفاقم سوء الفعل وتجعله يبدو أكثر سوءا مما هو عليه. ويمكن كذلك فهم هذا الادعاء من خلال معضلة عربة القطار المشهورة، فعند سؤال الناس عنها ودراسة المناطق المتحفزة في الدماغ نجد أن الأشخاص يرفضون حل رمي رجل من على الجسر ليوقف القطار عوضا عن دهس خمسة أشخاص يقفون في طريق العربة، لكن في المقابل يقبلون برمي مقود يعطي القدرة للسائق لتحويل طريقه ودهس رجل واحد في سكة أخرى لإنقاذ خمسة أشخاص. وترى بعض الدراسات أن سبب ذلك هو تحفيز مناطق مختلفة في الدماغ عند طرح الموقفين، ما يحفّز مشاعر مختلفة تجعل أحد الأحكام أكثر أخلاقية من غيرها على الرغم من الوصول إلى النتيجة نفسها بقتل رجل واحد للحفاظ على خمسة أرواح(5).

 

  • ثالثًا، هناك مشاعر تجعل ما هو غير أخلاقي أخلاقيًّا، بمعنى آخر: المشاعر لا تضخم فقط من حكمنا تجاه فعل ما، بل قد تكون سببًا في تحويل حكمنا لفعل ما من كونه غير أخلاقي إلى أخلاقي(5).

 

ما دور المشاعر والانفعالات في الأخلاق؟

بعد دراسة هذه العلاقات بين المشاعر والحكم الأخلاقي على فعل ما، فيمكننا الآن الانتقال للحديث عن نوعين من المشاعر التي قد يكون لديها دور في الجراح الأخلاقية. تنقسم المشاعر المرتبطة بالأخلاق إلى مشاعر موجهة تجاه الذات أو تجاه الآخرين، وعادة ما تركّز الأبحاث على المشاعر الموجهة للذات كالشعور بالذنب والشعور بالعار بسبب ارتباطهم بشكل مباشر بالجراح الأخلاقية (1). ويبرز ذلك بشكل خاص مع الشعور بالعار الذي يختلف عن الشعور بالذنب، لأنه غالبًا عندما يشعر أحدنا بالذنب يكون ذلك دافعًا لتغيير السلوك وإصلاح الخطأ، أما الشعور بالعار فيولد عدائية تجاه الغير والذات ودخولًا بدائرة مفرغة من جلد الذات دون تقويم السلوك أو تغييره بسبب شعور الإنسان بالعجز أو أن غيره هو المسؤول عن هذا الذنب الدائم الذي لا يمكن غفرانه. وعلى الرغم من أن الشعور بالذنب هو شعور اجتماعي محفز لتحمل المسؤولية وإصلاح السلوك، فإن بعض الدراسات وجدت ارتباطه بصحة نفسية أقل لدى الجنود، وقابلية لتطوير المتلازمة التالية للصدمة، خصوصًا عندما يكون شعورًا عامًّا غير محدد تجاه فعل واحد يمكن إصلاحه(6). ولكن، يبقى الشعور بالعار محفزًا أقوى للأمراض النفسية، ويُولّد أعراضًا أكثر شدة من الشعور بالذنب(6).

 

وبالحديث عن الشعور بالذنب والعار، واللذين يمكن تسميتهما كذلك بمشاعر الوعي بالذات المؤلمة، يمكننا الآن الانتقال للحديث عن مشاعر أخرى ترتبط بالجراح الأخلاقية، والتي تتلخص في الشعور بالغضب والاشمئزاز والازدراء. أما عن شعور الغضب، فهو من أكثر المشاعر التي دُرِست في السياق العسكري(6)، وعادة ما يكون مرتبطًا بكسر لقاعدة أخلاقية عن سبق إصرار وترصد، أو أن تتقيد حرية اختيار شخص بسلطة ما وتؤدي إلى سلوك غير أخلاقي. ومثال ذلك ارتباط الغضب بالقتل المتعمد في الحروب، والذي سبق أن ذكرنا ارتباطه بأعراض أكبر للجراح الأخلاقية(6). أما بالنسبة إلى الشعور بالاشمئزاز، فقد وُجد ارتباط بينه وبين كسر قواعد ومحرمات اجتماعية، كالأمور المتعلقة بالتحرش الجنسي والاغتصاب أو ممارسات مقززة متعلقة بتقاليد الطعام والحياة اليومية، وقد وجدت الأبحاث أن هذا الشعور أقل استجابة من غيره للعلاج النفسي(6). وأخيرًا يتولد شعور الازدراء بعلاقة الشخص مع السلطة التراتبية، إلا أنه الشعور الأقل فهمًا للآن في الدراسات، لكن يمكن اعتباره مزيجًا من الاشمئزاز والغضب تجاه سلطة ما(6).

 

ما علاقة الجراح الأخلاقية بالأمراض النفسية؟

تحدَّثْنا سابقًا عن ارتباط الجراح الأخلاقية بالمتلازمة التالية للصدمة، وفي هذا الجزء من المقالة سنتحدث عن ارتباطات أخرى لهذا التشخيص مع أمراض نفسية أخرى، وعلاقة المشاعر الأخلاقية التي تحدثنا عنها سابقًا بتوليد التشخيصات النفسية. وسنركز بشكل أساسي على أربعة تشخيصات: المتلازمة التالية للصدمة، والاكتئاب، والقلق، وأخيرًا الانتحار.

 

يذكر الطبيب النفسي "شاي" أنّ الجمعية الأمريكية للأمراض النفسية كانت ترفض سابقًا أي تشخيص يتحدث عن تغييرات دائمة في الشخصية والإدراك بعد التعرض لصدمة ما، لذلك -سابقًا- تشخيص مثل المتلازمة التالية للصدمة المركبة (Complex PTSD) كان مرفوضًا، وكان يُسمَّى باضطراب القلق الشديد غير المعرّف، أما اليوم في الكتيب الخامس للأمراض النفسية فقد تم تغيير مكان تشخيص المتلازمة من مجموعة أمراض القلق، وتم التركيز على التغيّر في الإدراك والمِزاج المرتبط بصدمة ما يتبعها لوم شديد للذات(6). ويكمل شاي أنه للآن فإن تشخيصًا مثل الجراح الأخلاقية لم تتم إضافته على الرغم من تشابهه مع المتلازمة التالية للصدمة. أما نقاط الاختلاف بين التشخيصين فتتلخص بالتالي: تنبع المتلازمة التالية للصدمة من موقف خطير كاد أن يودي بحياة الشخص، أي أن الشخص هو الضحية أو الشاهد على الموقف، أما الجراح الأخلاقية فتنبع عادة من موقف تُكسَر فيه قاعدة أخلاقية ما، ويكون المريض غالبًا هو الجاني نفسه. وترتبط المتلازمة بمشاعرَ مثلِ الخوف والهلع وفقد الأمان، بينما ترتبط الجراح الأخلاقية بمشاعر الذنب والعار وفقد الثقة. وأخيرًا تتشابه الأعراض لكلا التشخيصين، إلا أن الجراح الأخلاقية تفتقر لأعراض التحفيز المستمر(2). وقد وجدت بعض الدراسات أن الجراح الأخلاقية ترتبط وتتزامن مع ما يقارب 9.4% من حالات المتلازمة التالية للصدمة (4).

أما بالنسبة إلى مرضى الاكتئاب والقلق، فكذلك وجدت عدة دراسات على الجنود وجود ارتباط وثيق بين التشخيصين وملامح الجراح الأخلاقية وارتباط ما يقارب 5% من حالات الاكتئاب بهذا النوع من الجراح(4). وقد ارتبط تشخيص القلق بشكل خاص مع الجراح الأخلاقية الناجمة عن الشعور بخيانة منظومة أخلاقية ما للجندي وإجباره على القيام بما هو غير أخلاقي(4). أما بالنسبة إلى حالات الانتحار، فقد ارتبطت الجراح الأخلاقية بـ2% من حالات الانتحار(4)، وعلى الرغم من كون هذه النسب قليلة نسبيًّا، فإنها مهمة إحصائيًّا، وتشير إلى روابط ما بين الأمراض النفسية وسمات الجراح الأخلاقية.

 

وبالنسبة إلى التعامل الكلينيكي مع الجراح الأخلاقية للأطباء الذين يعترفون بوجودها، خصوصًا في العيادات العسكرية، فإنها غالبًا ما تعالج بحسب الأمراض النفسية المتزامنة معها، لكن بالتركيز على المشاعر التي ولّدتها مثل العار والذنب عوضًا عن الخوف، وبالتركيز كذلك على مشاعر أخلاقية إيجابية مثل مسامحة الذات والتعاطف المجتمعي بالقيام بأعمال مفيدة اجتماعيًّا للآخرين(3,6). أما بالنسبة إلى الباحث لتز وزملائه، فقد قام بتطوير مجموعة خطوات علاجية للتعامل مع الجراح الأخلاقية تتلخص في الآتي: أولًا، التعامل مع الافتراض بأن الأفعال شريرة أو خيّرة بالمطلق، والاعتماد على المنطقة الرمادية التي تحصل فيها الأحداث لإضفاء تفسيرات مختلفة لها. ثانيًا، اتّباع تقنيات علاجية خاصة للتعامل مع التشخيص، مثل التأكد من حسن الصلة بين المريض والمعالج بسبب حساسية الموضوع، وتحضيره للخطة العلاجية وتزويده بأدوات للتعامل مع الأعراض المترافقة مع الجرح الأخلاقي، والعلاج بالصدمة للتحفيز على عدم تجنب المشاعر المرتبطة بالحدث، بل التعامل معها. بالإضافة إلى الحوار المستمر للوصول إلى مسامحة الذات وتوطيد العلاقات بين المريض والمعالج والمجتمع، وأخيرًا وضع خطط طويلة الأمد لمستقبل وحياة المريض ضمن رغباته وإرادته.

———————————————————————–

المراجع:

  1. Litz BT, Stein N, Delaney E, Lebowitz L, Nash WP, Silva C, et al. Moral injury and moral repair in war veterans: A preliminary model and intervention strategy. 2009
  2. Shay J. Moral injury. 2014
  3. Griffin BJ, Purcell N, Burkman K, Litz BT, Bryan CJ, Schmitz M, et al. Moral Injury: An Integrative 2019
  4. Williamson V, Stevelink SAM, Greenberg N. Occupational Moral Injururies and Mental Health. 2018
  5. Avramova YR, Inbar Y. Emotion and moral judgment. 2013
  6. Farnsworth JK, Drescher KD, Nieuwsma JA, Walser RB, Currier JM. The role of moral emotions in military trauma: Implications for the study and treatment of moral injury. 2014
المصدر : الجزيرة