أراقبهم أم أثق بهم.. هل أفتش هواتف أبنائي وغُرفهم بين الحين والآخر؟

رسم: رأفت الخطيب
رسم: رأفت الخطيب

ما يجب أن تعرفه

حجرة الطفل لا تقتصر على نومه واستيقاظه فحسب، فهي مساحات ينضج فيها الطفل، مدركا معاني توفرها له تلك المنطقة من الخصوصية والفردية والاستقلالية، حتى لو لم يتجاوز حيزها بضعة مترات. كلما نضج الطفل جذبته تلك المفاهيم، فانسحب ببطء، وانطوى داخل فضائه. الآن باب غرفته الذي كان مُشرَعا على الدوام بات مغلقا، وأمامه نقف -نحن الآباء والأمهات- مرتبكين، هل نقتحم خلوته ونفتش غرفته أم نتريث قليلا؟

 

تخبرنا "نانسي دارلينج"، المتخصصة في علم النفس التنموي في كلية أوبرلين، أن هدف الأبوة والأمومة قد يكون تكوين شخصية تتمتع بالاكتفاء الذاتي والاستقلالية، ما يمكّنها من مواجهة عقبات الحياة، فهذه العملية الاستقلالية تتطور تدريجيا مع تمكّن الأطفال من الزحف بعيدا عن والديهم، ومن ثم المشي، والذهاب إلى المدرسة، إلخ. لكن الصعوبة الأكبر بالنسبة إلى الوالدين تأتي عند الموازنة بين رغبة الطفل في الاستقلال الذاتي والقلق المتعلق بسلامته، بالإضافة إلى القلق الناجم عن رغبة الأهل في الحفاظ على اتساق الأطفال مع قيم الدين والأسرة والمجتمع(1).

في مراحل عمرية حرجة، كالمراهقة، يُقْدم الآباء على تفتيش غرف أبنائهم وهواتفهم في أحايين عدّة، معلنين بهذا الفعل صراحة تهديد الثقة بأبنائهم، ما يبعث لدى الأبناء شعورا متزايدا من القلق والانسحاب، وربما الاكتئاب في بعض الحالات. إذ وفقا لـ"لورانس شتاينبرغ"، أستاذ علم النفس في جامعة تيمبل، فإن "هناك الكثير من الأبحاث التي تشير إلى أن الأطفال الذين يكبرون مع أبوين متطفلين بشكل مفرط هم أكثر عرضة لمشكلات نفسية، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنها تقلل من ثقة الطفل في قدراته المستقلة"(2).

 

في الشأن نفسه، أشارت دراسة حديثة في مجلة "Adolescence" إلى أن التلصص من غير المرجح أن يجعل الأمور أفضل. حيث وجدت دراسة استقصائية شملت 455 مراهقا أن المراهقين الذين اعتقدوا أن والديهم قد استمعوا سرا إلى محادثاتهم أو بحثوا في ممتلكاتهم دون إذن، يشاركون معلومات أقل مع ذويهم مقارنة بالمراهقين الذين شعروا أن والديهم يحترمون الحدود المناسبة (3). تتماشى هذه النتيجة مع دراسة أخرى وجدت أن تطفل الوالدين الزائد قد يؤدي إلى أن يصبح المراهقون أكثر سرية داخل المنزل.

 

لماذا نشكّ في أطفالنا؟

أول دوافع ارتياب الآباء في أبنائهم هو اتجاه أطفالهم نحو الخصوصية، وهي -بالمناسبة- مرحلة تطور أصيلة في رحلة الطفل نحو الاستقلالية والاكتفاء الذاتي الذي يرنو إليه الطفل كلما كبر. يشرح عالم النفس الاجتماعي "سكايلر هوك" أن هذه المرحلة، على الأرجح، حاجة إنسانية أساسية تتجاوز الثقافة. وما إن تدخل مرحلة المراهقة حتى تتغير سريعا أدمغة الأطفال وأجسادهم وحياتهم الاجتماعية. وفي أثناء تجربتهم لِهُوِيّاتهم وتعبيرهم عن أنفسهم فإنهم يحتاجون إلى مساحة لمعرفة كل شيء مما يحيط بهم. تتفق "ساندرا بترونيو"، أستاذة دراسات الاتصال في جامعة إنديانا، مُضيفة أن "الوظيفة الرئيسة للمراهق هي التفرد والابتعاد عن سيطرة الوالدين بمطالبتهم بمساحة خاصة"(4).

 

يتحول الطفل من شخص ينحصر اهتمامه في أن يكون مركز الأنظار إلى مُحبٍّ للمكوث في غرفته طويلا مع شيء من الغموض وقلة الكلام(5)، وهذا -تحديدا- ما يقود الوالدين إلى القلق. عبّر عن هذا "بيتر مارشال"، وهو طبيب نفساني للأطفال، ومؤلف كتاب "الآن أعرف لماذا يأكل النمور صغارهم"، مبررا أن المراهق يميل إلى الانفصال بقوله عن المراهقين: إنهم يقضون جزءا كبيرا من وقتهم في مجرد التفكير في الأشياء، ومحاولة اكتشاف مَن هم، وماذا يريدون أن يصبحوا(6).

 

لهذا، فإن الدكتورة "كريستين بيلير"، وهي مستشارة مهنية مرخصة ومعالجة قضايا الزواج والأسرة، ترى أن على المراهقين أن يتمتعوا بمستوى من الخصوصية. لكن مع الوعي بأنهم ليسوا بالغين ولا يمكنهم التعامل مع الاستقلالية الكاملة، "لذا، تقع على الآباء مهمة تعليم المراهقين التعامل مع المسؤولية المتزايدة من خلال إعطائهم مستويات تتناسب مع أعمارهم، من حيث الخصوصية والمسؤولية. ومع ذلك، يجب على الآباء الاستمرار في فحص المراهقين ومراقبة سلوكهم"(7). ومن الممكن للوالدين معرفة المزيد عن حياة أطفالهم مع السماح لهم "بالخصوصية المدروسة"، ما يعني أن الآباء بحاجة إلى النظر في عمر الطفل ومستوى المسؤولية قبل تحديد مستوى الخصوصية الذي يستحقه.

ماذا أفعل حين أشك في طفلي؟

  • أولا: نقّب عما يثير ريبتك، وخذ وقتك لتقييم الموقف

إن شاءت الأقدار أن تعثر على شيء، كالممنوعات، فامنح نفسك وقتا لاستيعاب الموقف. تحقق من المادة التي بين يديك، هل يتعاطاها طفلك؟ هل هناك احتمال بأنه أدمنها؟ فللمخدِّرات والإدمان مسببات وأسباب سلوكية وبيولوجية. على كل، تَخلّص مما تجده في الحال. تحدَّث مع شريكك أو مع شخص تثق به قبل مواجهة طفلك. يجب أن تحسم أمرك وتنتقي كلماتك بعناية. حاول تحليل الموقف دون الاستجابة العاطفية بشكل انفعالي، امنح نفسك الوقت الكافي لتهدأ وتُقيّم الموقف الذي واجهك حتى تتمكن من الاستعداد للمناقشة والتدخل الذي تنوي القيام به مع طفلك. بهذه الطريقة تزداد احتمالية إحراز تقدُّم بدلا من التسبب في انشقاقات بينك وبين طفلك.(8).

 

  • ثانيا: حافظ على هدوئك مهما كلف الأمر

حادث طفلك بنبرة هادئة تتجنب فيها الانفعال والغضب. فبعد اكتشافك لشيء صادم في أدواته الشخصية أو مخبوء في حجرته، سيجتاحك الغضب والحزن والإحساس بالخيانة أو الخديعة، ما سيولّد ردة فعل حادة. لكن تذكر أن الانفعال لن يجدي على الأغلب، ومن المحتمل أن يعطي نتائج غير مرجوة، لذا، حاول تجنبه في ردودك. تخلّص من كل مشاعرك قبل مواجهة طفلك، يجب أن تتعامل مع هذا بعيدا عن مشاعرك، كن هادئا ومتزنا عند التحدث إليه، واجعل جلستك معه على انفراد.

حتى ولو لم تعثر في غرفته على ما يدعم صحة شكوكك أو ينفيها، ففي الحالتين تصدق كلمات "نادين كاسلو"، الأخصائية النفسية والخبيرة في الانتحار لدى الشباب: "من المهم أن تتحدث عن مخاوفك بطريقة هادئة وغير اتهامية"، "في بعض الأحيان عندما يشعر الآباء بالقلق الشديد، فإنهم لا يُظهِرون اهتمامهم وعنايتهم كما هو مقصود، بل انتقادهم، وهو ما يستجيب له الأطفال بشكل سلبي"(9).

 

  • ثالثا: فكِّر للحظة في المسببات

عندما تكتشف أن طفلك قد اتجه إلى التدخين أو أي شيء آخر، حاول أن تكتشف الأسباب التي دفعته لذلك، وما الذي جعله يسلك طريق الكذب والاختباء والخداع. ربما تجد محفزات كامنة ومحتملة هي التي دفعته إلى فعلته، ربما تَعرّض طفلك بالفعل للتنمر أو غيره من المواقف الصعبة في المدرسة، ومن الممكن أن يكون له صديق أو مجموعة من الأصدقاء الجدد الذين لهم تأثير عليه، وقد يكون تعبيرا عن مشاعر الاكتئاب أو القلق. الأسباب لا تبرر الفعل، لكنها قد تساعد في معالجتها، وإذا استوجب الأمر استعن بمختص.

 

  • رابعا: تعامل مع احتمال الكذب بواقعية

يعرف الأطفال أن الكذب خطأ، لكنهم يلجؤون إليه على أي حال للتملص من العواقب، ولأنهم يعتقدون بأنه خيارهم الوحيد. إذا نظرت إلى الكذب على أنه مشكلة تستدعي الحل، فيمكنك مساعدة طفلك على تطوير إستراتيجيات حتى يتمكن من التوقف عن الكذب في المستقبل. في الحقيقة، فإن الاستجابة الأكثر فعالية هي امتصاص الخوف بمعالجة السلوك وتحديد العواقب، ومساعدة طفلك على تعلم طرق مختلفة للحصول على ما يريده بخلاف الكذب والتهرب.

 

  • خامسا: اسأل.. أنصت وامنحه فسحة للحديث

عليك سؤاله وبيَان شكوكك كاملة والوقائع التي بين يديك، رغم أنه كما تقول "جوديث سميتانا"، أستاذة علم النفس في جامعة روتشستر: "إذا كان الأطفال متورطين -بالفعل- بسلوك محفوف بالمخاطر، فإنهم يميلون إلى عدم إخبار والديهم"، في مثل هذه المواقف، فإنهم يخشون من التأنيب والعقاب. وفقا لذلك، تقترح أننا قد نبدأ أسئلتنا حول السلوك الذي يثير توجسنا معلنين عن رغبتنا في الاستماع إليه، دعه يتحدث عن الموقف ويشرحه، لا بأس إذا بدا طفلك عدائيا وغاضبا، مذنبا، ودفاعيا، أو مستاء، أنصت إليه ودعه يُفصِح عن كل شيء، مؤكدا على أنه "لن تنفعل ولن تقع في مشكلة. أريد فقط أن تكون على ما يرام"(10).

 

  • سادسا: ردد على مسامع طفلك أنك تحبه مرارا وتكرارا، واجعل الأخطاء محلا للنقاش

ذكِّر طفلك بأنه ليس بمفرده، وأنك تريد المساعدة فقط، وإذا استدعى الأمر، أظهر تعاطفك، مثل: "يبدو أن هذا كان صعبا حقا"، "أعلم كم يمكن أن يكون ذلك مؤلما". وضح له سبب تفتيشك لغرفته من الأساس، حتى وإن لم ترَ لذلك داعيا. الأهم أن تشرح له خطأه وفداحة فعلته. على سبيل المثال، في حال تعلق الأمر بحيازة الممنوعات، وضح له مخاطرها، ودعه يستوعب حجم الموقف. أفرد له مساحة آمنة، أخبره بما لا يجب الوثوق به.

 

إذا انتهت مهمتك في تفتيش غرفته بمواجهة حقيقة صادمة كأن يكون مدمنا، سانِدْه وَضَعْه أمام خيار التعافي وإعادة التأهيل. في كل الأحوال، لا تتخلَّ عنه، ولا تجعل الشك يقودك دوما إلى تقريعه وتذكيره بما أخطأ فيه يوما. وقد يقود جل ما سبق في النهاية إلى حمايته أو حثه على الرجوع أو مراجعة أخطائه أو الإبقاء على حياته، وربما يجعل باب حجرته مواربا لك على الدوام.

 

 

أدوات ستساعدك

  • كتاب عصر الفرص: دروس من علم المراهقة الجديد (Age of Opportunity: Lessons from the New Science of Adolescence). 

يناقش الكتاب أولا الاكتشافات والتفسيرات العلمية لنمو دماغ المراهقين، والتي تُستخدم لاحقا لدعم تأثيرات المراهقة وإمكاناتها وسبب كونها فترة حرجة، وهو بدوره ما يحتاج إليه الآباء لإعانتهم على فهم نمو أطفالهم والتعامل معه ومع الشكوك حين تراودهم.

 

 

____________________________________________________________________________________-

 

المصادر:

Parents Shouldn’t Spy on Their Kids, Nautilus. KIRSTEN WEIR (2017)
We Know Some Things: Parent-Adolescent Relationships in Retrospect and Prospect, Journal of Research on ADOLECENCE. Laurance Steinberg
Is Snooping on Teenagers Ever Ok.?, The New York Times. Lisa Damour (2017)
Parents Shouldn’t Spy on Their Kids, Nautilus. KIRSTEN WEIR (2017)
Is Your Kid in Their Poom All Day? Why Teens Crave Privacy, Grown and flown. Katie Bingham Smith (2020)
Parents and the importance the adolescent bedroom, psychology today. Carl E Pickhardt Ph.D. (2019)
Is Your Kid in Their Poom All Day? Why Teens Crave Privacy, Grown and flown. Katie Bingham Smith (2020)
المصدر الثامن
What Do You Do If You Find Drugs in Your Child’s Room? The Active Age. Aaronk (2020)
Help! My Teen Stopped Talking To Me, Child Mind Institute.
Is Snooping on Teenagers Ever Ok.?, The New York Times. Lisa Damour (2017)

المصدر : الجزيرة

المزيد من سكون
الأكثر قراءة