أشباح تطارد الجنود الأميركيين.. ما العلاقة بين الحروب وتطوّر الطب النفسي؟

رسم: رأفت الخطيب
رسم: رأفت الخطيب

 

في الرابع من مارس عام 1991 وبعد انتهاء عملية عاصفة الصحراء الأميركية، شهدت منطقة الخميسية العراقية، الواقعة بين جنوب شرق بغداد وشمال مدينة الكويت، انفجارا ضخما لأحد مستودعات الذخيرة نتيجة عملية عسكرية قامت بها قوّات أميركية. كان الانفجار ضخما بطريقة غير عادية، حيث غطّت سماءَ المنطقة غيمةٌ سوداءُ هائلة، ليتّضح لاحقا أن المستودع احتوى على غاز السارين، وهو عبارة عن مادة أورغانو-فوسفيتية تُستَخدم سلاحا كيميائيا.

 

ستكون لهذه الحادثة لاحقا أهمية كبيرة في نشوء تحقيقات وأبحاث أميركية تحاول إيجاد ارتباط بينها وبين مجموعة أعراض نفسية وجسدية ظهرت لدى الجنود الأميركيين وسكّان المنطقة المدنيّين، عُرفت باسم "متلازمة حرب الخليج"، أو كما أطلقت عليها الصحافة الأميركية في مواضع مختلفة "متلازمة عاصفة الصحراء".

 

أما اليوم، وبعد انسحاب الجيش الأميركي من أفغانستان، فقد أعاد هذا الانسحاب إلى الواجهة الآثار النفسية التي تُخلفّها الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة على جنودها، إضافةً لضحاياها. حدث ذلك في القرن الماضي في الحربين العالمية الأولى والثانية، وحرب فيتنام، وصولا ليومنا هذا، ولا شك أن الأيام القادمة ستحمل معها الكثير من التفاصيل.

 

ما العلاقة بين الحروب والطب النفسي؟ 

لطالما كان هناك ارتباط وثيق بين الطبّ النفسي وساحات المعارك، تتمثّل بعلاقة تبادلية بين الاثنين، حيث أسهمت الحرب العالمية الأولى في توفير معلومات عن إصابات طبية أُدرِجت تحت مظلّة الطب النفسي، وقد كان للطبيب دور كبير في معسكرات الجنود في محاولة منه لإيجاد حلول للانهيار الجسدي المفاجئ وبعض الأعراض الجسدية غير الـمُفسّرة، كالصداع والخمول وضعف الجسد الذي كان يُلاحظ على بعض الجنود وهو ما أُطلق عليه مصطلح "صدمة القصف (Shellshock)"، والتي أثارت التساؤل العلمي حول العديد من الأعراض الجسدية التي لم يتمكّن الأطبّاء من تحديد أسبابها العضوية.(1)

 

كانت كلمة "الصدمة (Trauma)" حتى نهاية القرن التاسع عشر تشير إلى الأذى والجراح الجسدية فقط، ثم أسهم ظهور سكك الحديد في الالتفات إلى الجانب النفسي للصدمة، وذلك بسبب استمرار أعراض مَرَضِية كالصداع بعد فترات طويلة من تعرّض المصابين لتجربة سيّئة مثل التعرّض لحادث قطار، وبدأ بالتدريج على إثر ذلك التنبّه لوجود بُعد آخر للصدمة يتجاوز الجسد وحدود الضرر الجسدي، ليشمل بُعدا آخر، وهو البُعد النفسيّ. إلا أنّه، وبسبب العدد القليل لمستخدمي القطارات والمصابين منها، فإنّ العلم لم يتمكّن من الخروج بأي نتيجة تشخيصية يمكن الاعتماد عليها طبيّا. استمرّ هذا لفترة، ثمّ تغيّر كلّ هذا حينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، لتكون نقطة تحول في الطب النفسي نظرا للعدد الهائل من الإصابات.(2)

 

في بداية الأمر، كان موقف القيادات العسكرية هادئا، إذ اعتبروا أنّ هذه الظواهر ليست سوى تَجلٍّ لإصابات جسدية يمكن علاجها بمرور الوقت. لكن زيادة عدد المصابين، والانهيارات المفاجئة في ميدان المعركة، دفعت عددا من قادة الصفّ الأول للاستياء بشدة(3)، وأُصدر على إثر ذلك أوامر باستبعاد الجنود المصابين إلى معسكرات التأهيل عِوضا عن إرسالهم إلى المستشفيات. أثارت هذه الأوامر حفيظة عدد من الأطباء الذين أكَّدوا على وجود عامل نفسي وراء تلك الانهيارات، وأصرّوا على أنّ مشكلة الجنود هي مشكلة طبّية يُمكن التعامل معها. ولإقناع القيادات بتحويل الجنود للمستشفيات، استُحدِث مفهوم طبي نفسي يُعنى بتقديم الرعاية والراحة النفسية للجندي المصاب في منطقة قريبة من المعركة وإعادته إليها حال تحسنه، وهو ما عرف بالإنجليزية بـ"Forward Psychiatry".

 

رغم هذا التطوّر الجزئي في مفهوم الصدمة، بقي المصطلح شائعا في السياق الجسدي، وذلك حتى الحرب العالمية الثانية، حيث ظهرت إصابات عصبية ومفاهيم جديدة، مثل "إجهاد الحرب (Battle Fatigue)". أمّا عن التحوّل الجذري لتناول الصدمة بوصفها مفهوما نفسيا، فقد حصل هذا التحوّل في حرب فيتنام تحديدا، إذ وبالرغم من عدم وجود إصابات نفسية شديدة كما كان متوقعا بسبب كثافة الحرب وشدّتها، فقد كان عدد الإصابات النفسية أقل بعشرة أضعاف من إصابات الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال، وقد عُزِيَ ذلك لاحقا إلى تطوّر الرعاية النفسية أكثر من أيّ وقت مضى.

 

لكنّ المفاجأة كانت بعد عودة الجنود الأميركيين من فيتنام، إذ حصل تغيّر دراميّ بظهور دراسات تتحدّث عن أعراضٍ لصدمات نفسية تأخّر ظهورها عشرات السنين عن زمن وقوع الحوادث، إلى أن وصلنا إلى عام 1980، وأُصدر المجلد الثالث لتشخيص الأمراض النفسية (وهو المصدر الأميركي الأساسي لتشخيص الأمراض النفسية) محتويا على تشخيص نفسي دقيق ذي صفات وأعراض محددة عُرف باسم "اضطراب ما بعد الصدمة النفسية [Post-Traumatic Stress Disorder (PTSD)]".(3)

 

ثُمّ أُتبعت دراسات اضطراب ما بعد الصدمة النفسية بسلسلة أخرى من الدراسات، حيث نُشِرَت في عام 1993 أول ورقة بحثية أميركية في مجلة "نيتشر (Nature)" تشجّع على دراسة مجموعة أعراض جسدية ونفسية ارتبطت بالجنود العائدين من حرب الخليج، وأُطلق عليها مصطلح متلازمة حرب الخليج، وما تلاها من بعد ذلك في بريطانيا حين نشرت مجلة "لانسيت (Lancet)" عام 1994 دراسة مماثلة عن متلازمة حرب الخليج لدى الجنود البريطانيين العائدين من حرب الخليج.(4)

 

متلازمة حرب الخليج، ما هي؟

بعد أقلّ من عام على عودة الجنود الأميركيين من عملية عاصفة الصحراء، وتحديدا في يناير 1992، أُصدر تقرير من وحدة الاحتياط رقم 123 في ولاية إنديانا الأميركية ينصّ على أنّ هناك مجموعة أعراض غير مُفسّرة تظهر على الجنود العائدين من حرب الخليج. سرعان ما بدأت هذه الأخبار تتصدّر وسائل الإعلام، متحدّثة عن تشوهّات خَلقية لحديثي الولادة من أبناء الجنود العائدين، وأعراض جسدية غير مُفسّرة تحت مسميات مختلفة، مثل "حمّى صحراء الخليج" أو استخدام عبارات مثل "متلازمة عاصفة الصحراء".

 

أدّى هذا الاهتمام الإعلامي إلى صدور أوامر لدراسة هذه الأعراض، وبالفعل أُسِّس في عام 1994 برنامج خاص لتقييم الأعراض لدى الجنود المتضرّرين، ولاحقا أخذت بريطانيا تحذو حذو أميركا عن طريق القيام بسلسلة دراسات مشابهة على الجنود. تحدّثت التقارير الأولية عن عدم وجود أعراض مُميّزة تُمثِّل متلازمة جديدة، وإنّما هي مجموعة أعراض من اضطرابات نفسية معروفة مُسبَقا. هذه التقارير لم تعجب وسائل الإعلام، لتُثار في عام 1996 حادثة الخميسية إعلاميا مرة أخرى، وبَرزَ تساؤل واضح حول علاقة هذه الحادثة بمتلازمة حرب الخليج، ولماذا تمّ التعتيم إعلاميا عليها بالرغم من نشر تقارير عن حادثة الخميسية عام 1992 (3).

 

قبل الانتقال إلى الحديث عن أهمّ ما خَلَصت إليه الدراسات عن هذه المتلازمة، لا بُدّ من الإشارة لتعريف عام بها وأسبابها المقترحة. خَلَص العلماء والأطباء إلى تعريف هذه الأعراض بوصفها "مُتلازمة (Syndrome)"، وكلمة "مُتلازمة" بالأصل تشير إلى مجموعة أعراض متشابهة لدى مجموعة من المرضى دون وجود سبب واضح لها، وعليه، وُصفت متلازمة حرب الخليج بأنّها مجموعة أعراض جسدية غير مفسّرة، مثل الطفح الجلدي والتعب الجسدي العام وأوجاع في العضلات والعظام، بالإضافة إلى مشكلات هضمية كالإسهال ومشكلات في الإدراك، بالإضافة إلى أعراض أخرى كان الجنود يذكرونها في مختلف الدراسات كمشكلات في الذاكرة. تمّ التعامل مع هذه المتلازمة على مرّ السنوات عن طريق الطب النفسي وعلاج الأعراض والمتابعة طويلة المدى بالإضافة إلى العلاج النفسي المعرفي السلوكي.(5)

 

ما أسباب متلازمة حرب الخليج؟

عند تقصّي الأسباب الكامنة وراء هذه الـمُتلازمة، لُخِّصت الأسباب البحثية للمتلازمة في ثلاث أسباب رئيسية: المواد الكيميائية متمثّلة بشكلٍ أساسيّ بغاز السارين، وأسباب سايكولوجية بحيث أعزت هذه الأعراض للصدمة النفسية وتجلياتها الجسدية، ومن ثم مسببات ميكروبية أو كيميائية أخرى كغاز اليورانيوم.(5)

 

من بين أحداث كثيرة وقعت في حرب الخليج، فإنّ حادثة الخميسية -تحديدا- كانت من أهمّ الأحداث التي دُرست لتفسير أعراض الـمُتلازمة. وقد تباينت الدراسات في نتائجها، إذ خَلَصَت بعض الدراسات إلى عدم وجود ارتباط بين التعرّض لغاز السارين (بالكمّية التي نجمت عن حادثة الخميسية) والإصابة بأعراض المتلازمة، وقد انتهت بعض الدراسات إلى هذه النتيجة من خلال تجارب أجريت على الحيوانات عبر تصميم نموذج محوسب يُحاكي الانفجار لمعرفة كمية المواد المنبعثة ونِسَبها.

 

من جهةٍ أخرى، وجدت دراسات لاحقة ارتباطات مُحتملة بين التعرّض لغاز السارين والإصابة بأعراض المتلازمة، إلا أنّ أحد أهم مُحدداتها هو عدم اختيار عينة ممثلة ومشاركة جنود وضعهم الصحي أسوأ من غيرهم. فيما انتهت دراسات أخرى إلى عدم وجود معلومات وأدوات كافية للخروج بنتيجة نهائية عن العلاقة السببية، وعدم إمكانية تحديد النتيجة وفق المعطيات الـمُتاحة.

 

أجريت دراسات أخرى لتحديد علاقة بعض الكائنات الميكروبية، كالبكتيريا والفيروسات أو المطاعيم التي أخذها الجنود قبل الحرب، بالمتلازمة، لكنّها انتهت إلى عدم وجود أسس كافية لإيجاد علاقة سببية. وكذلك كانت النتيجة بالنسبة إلى دراسات اهتمّت بعوامل كيميائية أخرى كاليورانيوم. أما بالنسبة إلى العوامل والمسببات النفسية، فقد دافع عدد جيد من الباحثين عن كون المتلازمة هي تجّليا جسديا لمشكلات نفسية كما هو معروف في الطب النفسي في تشخيصات "الأمراض الجسدية النفسية (Psychosomatic Disorders)". وقد دعمت هذه التفسيرات ببعض الدراسات التي وجدت ارتباطا بين أعراض المتلازمة وتشخيصات نفسية أخرى مثل الاكتئاب ومتلازمة ما بعد الصدمة النفسية. قُدمت بعض الاعتراضات على هذه التفسيرات لكون كثير من الجنود في حرب الخليج كانوا يعملون خلف الكواليس ولم يتعرضوا لصدمات مباشرة، بالإضافة إلى نقص الكثير من الأعراض المعروفة والاعتيادية لتشخيص مرض مثل متلازمة ما بعد الصدمة النفسية أو غيره من الأمراض النفسية. وأخيرا، وجد باحثون آخرون أعراضا متشابهة بين متلازمة حرب الخليج وأمراض جسدية نفسية (الفيبروميالجيا-Fibromyalgia) (آلام جسدية وعضلية في نقاط محددة من الجسم تعزى لأسباب سيكولوجية) ومتلازمة التعب الجسدي المزمن (Chronic Fatigue Syndrome).(5)

 

بعد هذا الملخص لمحاولات إيجاد مسببات هذه المتلازمة، إلى ماذا خَلَص النقاش الطبي حولها؟ وما مصير هذا التشخيص؟

 

كيف نظر الطب لهذه التفسيرات؟

من أهم الاعتراضات البحثية على متلازمة حرب الخليج هو اعتماد الدراسات بشكل كبير على الوصف الذاتي والإبلاغ الشخصي للجنود عن أعراض، وعدم وجود فحوصات دقيقة ومخبرية تتأكّد من ذلك، وبالرغم من أنّ هذه الطريقة مقبولة في ممارسة الطب النفسي (الإخبار الذاتي/Self-report)، فإنّ الاعتماد على ذلك في الدراسات البحثية يؤول لانحيازات بحثية معروفة في الوسط العلمي تحدث كثيرا حين نعتمد على الإخبار الذاتي، مثل انحياز الذاكرة وانحياز المشاركة، ويُعنى بكليهما أن مشاركة الشخص في دراسة ما تجعله أكثر ميلا لتذكّر أعراض سيّئة عدّة، سواء حدثت بالفعل أم لم تحدث، ولأنّ الجنود المشاركين بالدراسات يتذكّرون بكلّ تأكيد مشاركتهم بحرب الخليج، فإنّهم قد يميلون بغير وعي إلى ربط أيّ أعراض مَرَضية بخدمتهم العسكرية وتجاربهم في الحرب. ومن الأمثلة التطبيقية على هذه الانحيازات، ما خلَصَت إليه دراسة استخدمت السجلات الطبية لمعرفة عدد الجنود الذين أخذوا مطاعيم الحرب قبل الذهاب للحرب، ومن ثم سُئِل الجنود عن ذلك، فكانت النتيجة أنّ 1% فقط من الجنود توافقت أقوالهم بأخذ اللقاحات مع السجلات الطبية الموثّقة.(6)

 

وبالرغم من تحمّس بعض العلماء لوجود متلازمة جديدة مرتبطة بحرب الخليج، كعالم الدراسات الوبائية الإحصائية (إيبيديميولوجي) الأميركي روبرت هالي، فإنّ أهم الاعتراضات كانت على دراساته هو عدم وجود عيّنة مُمثّلة (عدد كافي من المبحوثين) وعدم وجود مجموعة ضابطة للمقارنة (Control Group). وخلص عدد من العلماء إلى وجود أعراض وتأثيرات صحية مرتبطة بحرب الخليج، لكن لا يمكن تصنيفها باعتبارها متلازمة جديدة، لسببين أساسيين: أولا، لم تُوجد أدلّة كافية تربط الحدث بهذه الأعراض، ولم تكن الأعراض كذلك مُميزة أو تشكّل مجموعة جديدة مختلفة عن أمراض سابقة. ثانيا، وجدت الدراسات وجود أعراض متشابهة لدى أشخاص آخرين مدنيين أو عسكريين لم يشاركوا في الحرب.(6)

 

لكن بعيدا عن الجدل الطبي والبحثي، كيف تمّ التعامل على أرض الواقع مع هذه الأعراض؟ 

قبلت وزارة الدفاع البريطانية عام 2005 بمصطلح متلازمة حرب الخليج بوصفه مظلة توضع تحتها مجموعة أعراض مختلفة غير مُحدّدة بتشخيص يستطيع من خلالها الجندي الحصول على تعويض مادي مقابل تشخيصه بهذه الأعراض، وقد ارتبط هذا القرار بالطريقة الـمُعتمدة أساسا للتعويضات المالية أو غيرها، والتي لا تحتاج إلى تشخيص مُحدّد للحصول عليها، بل مجرّد رأي خبير طبّي يُحدّد مدى الضرر والإعاقة الناتجة عن المشاركة بالحرب. أمّا بالنسبة إلى العلاج، فكما ذكرنا سابقا، فقد استُخدِم العلاج المعرفي السلوكي للتعامل مع الأعراض كما يتم التعامل مع أمراض أخرى، مثل متلازمة التعب الجسدي الـمُزمن، وهو تشخيص يعتمده الأطباء النفسيون حين يعجزون عن تحديد أسباب مباشرة للأعراض الجسدية. وقد درست وزارةُ الدفاع الأميركية عام 2003 أثر العلاج المعرفي السلوكي والتمارين الرياضية على تخفيف الأعراض، وكانت النتائج الأوّلية متواضعة بعض الشيء.

 

وإضافة إلى هذا كلّه، يرى بعض الباحثين أنّ أحد أهم العوائق لدراسة هذه المتلازمة وأسبابها أو النتائج العلاجية، كان التأخّر في إجراء دراسات مُحكمة وكبيرة الحجم، ما زاد من فرصة وجود انحيازات الذاكرة على سبيل المثال، وصعوبة إيجاد علاقات سببية بأدلّة كافية.(6)

 

ما علاقة التشخيص الطبي بالثقافة والسياسة؟

يعدّ مصطلح متلازمة حرب الخليج أو الأعراض المكونة لها جزءا من مجموعة كبيرة من التشخيصات النفسية التي برزت بعد حروب مختلفة عبر التاريخ، إلا أنّ نقطة التحوّل الأساسية في تشخيصات الطب النفسي المرتبطة بالحرب كانت حرب فيتنام، إذ لم تسهم حرب فيتنام في تشكيل تشخيص نفسي أساسي مرتبط بالحروب والصدمات فحسب، بل كانت من المراحل المهمة التي غيّرت من صورة الجنديّ نفسه بالنسبة إلى العالَم والمدنيين.

 

ففي مقابلة أجراها مع موقع سبايكد، يرى بروفيسور دراسات الحرب "إدغر جونز" من جامعة "كنجز كولج" في لندن أنه في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت المُحدّدات المُتعلّقة بوصف الجنود نابعة من ثنائيات أخلاقية، مثل: الشجاعة أو الجُبن، لكنّ حرب فيتنام غيّرت من طريقة التعاطي مع الجنود أنفسهم، حيث أصبحت محددات النظرة إلى الجندي مرتبطة بسيكولوجية الإنسان وهشاشته، وصارت أنسنة الجُندي وتصويره على أنه ضحية، فكرة أكثر قبولا، ولاقت رواجا وتقديرا أكبر من فكرة الجُندي الشجاع المُضحّي بنفسه.

 

بدأت بذلك فكرة تقبّل المرض النفسي، لينمو الطب النفسي حينها بفضل تراكمات عديدة أسهمت فيها الحرب العالمية الأولى والثانية، بالإضافة لظهور حركات رافضة للتدخّلات العسكرية والحروب غير المستحقّة وغير العادلة مثل حرب فيتنام، وقد ضجّت شوارع ولايات أميركية بالمظاهرات الرافضة لحرب فيتنام حينها. هذا الرفض جعل الناس غير مُحتفين بعودة الجنود كما حصل في الحرب العالمية الثانية أو حتى الأولى على الصعيد البريطاني، وأفقد هذا البرود قيمة الجندي المعنوية المتمثّلة بالشرف والشجاعة والتضحية. بالإضافة لذلك، أصبح مجال الطب النفسي والأمراض النفسية مدخلا أساسيا لمزيد من السخط على القيادات والحكومات الداعمة للحروب بسبب ما ألحقته من أضرار نفسية على الجنود، بحيث باتت المعاناة النفسية مصدرا للاعتبار والتقدير.

لاقت فكرة الضحية رواجا لكونها خففت من وطأة المسؤولية الأخلاقية لأفعال الجنود، وأطّرتها على مستوى فردي، كما أسهمت -بشكل أو بآخر- في إتاحة المجال لتعويضات مادية عن الأضرار النفسية. لا بدّ من الإشارة إلى أنّ كلّ هذه التحوّلات وأثرها على صيرورة الطب النفسي وتشخيصاته لا تنفي بالضرورة الآثار النفسية للحروب والصدمات، لكن بصورة أوضح لا يوجد مسار حتمي لحصول الأمراض النفسية بقدر ما تحكمه عوامل سابقة للحدث ولاحقة له، بالإضافة لتأثيرات الثقافة وتأهّبنا الحالي والدائم، في ظل زخم المعلومات المتاحة في عصرنا، لخطر ما هو قادم.

 

وبالعودة لمتلازمة حرب الخليج، يرى الباحثون أنّ الأسباب الطبية قد دُرِست بكثافة، إلا أنّ هناك أسبابا ثقافية واجتماعية تمّ تجاهلها. فعلى سبيل المثال، كان ثمّة دور كبير للإعلام الأميركي لتشجيع وتحريك الدعم لإجراء دراسات على الأعراض التي ظهرت على الجنود العائدين من الحرب، وقد استُخدم مصطلح "متلازمة" بكثافة قبل حتى صدور أيّ نتائج بحثية، وكان هناك تشكيك دائم بمصداقية الجهات المسؤولة وما يتم مشاركته من تقارير عن الحرب وتأثيراتها.

 

في مقالة بحثية كتبها عام 2006، يرى البروفيسور "بيل دورودي"(7)، أستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم السياسة سابقا بجامعة باث البريطانية، أنّ تحوّلات عديدة في العالم أسهمت في تكوين مصطلح متلازمة حرب الخليج، وذلك أنّها أوّل حرب حقيقية اندلعت بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي وما استتبعه ذلك من تغيّرات في السياسة وثقافة الحروب بل وحتّى تصوّرات البشر عن القيمة والمعنى. وفي مقالته البحثية، سلّط دورودي الضوء على فكرة التحوّلات الاجتماعية وتراجع مفاهيم مثل الأهداف الجمعية لمجتمع ما، لصالح تقدّم فكرة المصلحة الفردانية وما نتج عن ذلك من ثقافة خوف دائم من أخطار دائمة الاحتمال، مَرَضية كانت أم اجتماعية.

 

تحوّلت زعزعة المفاهيم كذلك لشعور دائم بعدم الأمان تجاه المجتمع والسياسات، وصار لزاما على الدولة توفير بدائل تُشعر الإنسان براحة ما، فإذا كان لا بد من الإصابة بمرض ما، جسديا كان أم نفسيا، فإنّ من واجب الدولة توفير الدراسات اللازمة لفهم ما يحدث، بالإضافة لتوفير أفضل العلاجات الممكنة. ويُنهي البروفيسور مقالته البحثية بتأكيده على ارتباط عدد من الحروب بأعراض نفسية، ومنها حرب الخليج، لكنّه يرى أنّ بناء هذه المتلازمة تحديدا يعكس تحوّلات مجتمعية وتغيُّرا في القيم الحربية الجمعية نحو مقاربات فردانية للحرب والمرض.(7)

 

_______________________________________________________

المصادر والمراجع:

  1.  Jones E, Wessely S. Battle for the mind: World War 1 and the birth of military psychiatry. Lancet. 2014;384(9955):1708–14.
  2. Jones E, Hodgins-Vermaas R, McCartney H, Everitt B, Beech C, Poynter D, et al. Post-combat syndromes from the boer war to the Gulf war: A cluster analysis of their nature and attribution. Br Med J. 2002;324(7333):321–4.
  3. Edgar J. & Wessely S. C., 2005, Shell shock to PTSD: military psychiatry from 1900 to the Gulf War, Psychology Press, New York.
  4. Sartin JS. Gulf war illnesses: Causes and controversies. Mayo Clin Proc [Internet]. 2000;75(8):811–9.
  5. Greenberg N, Wessely S. Gulf War syndrome: an emerging threat or a piece of history|[quest]|. Emerg Health Threats J. 2008;1.
  6. Carnall D. Gulf war syndrome. Bmj. 2000;320(7246):1414.
  7. Durodié B. Risk and the social construction of “Gulf War Syndrome.” Philos Trans R Soc B Biol Sci. 2006;361(1468):689–95.
المصدر : الجزيرة

المزيد من سكون
الأكثر قراءة