حقيقة أم خرافة.. هل تكسيرك وضربك للأشياء من حولك مفيد لتفريغ الغضب؟

يفور دمكَ ويتسارع نبض قلبكَ وسط مناقشةٍ حادة مع زميلٍ في العمل، وتتمنى في داخلك لو تكسر عنقه، أو تكسر شيئا آخر ربما، تنظر إلى الحائط لتفرِّغَ غضبك عليه. بُنِيَ على هذه الفكرة المُغرية أساس غرف تفريغ الغضب، أو ما يُعرف بالـ"Rage Rooms". تُنهي عملكَ أو واجباتكَ مثل أي مواطنٍ "صالح"، وتتوجه إلى مكانٍ يوفر لك بذلة حماية وشاكوشا أو مرزبة وأشياء تُكسِّرها. ما عليكَ إلا أن تدفع مبلغا من المال، وتكدِّس طاقتك السلبية وضغوطات حياتك وتحضرها معكَ لتُفرِّغها هناك.

 

ظهرت أول غرفةٍ لتفريغ الغضب في اليابان عام 2008، ثم غدت مشروعا وفكرة عالمية، فظهرت في الولايات المتحدة وإيطاليا وأستراليا والأرجنتين وإنجلترا وكندا، وحتى في العالم العربي، بمصر والأردن. لكن رغم انتشارها وإغراء فكرتها، فهل يجدي تكسير الأشياء عند غَضَبِنا نفعا؟(1)

ليس صحيحا

ليس صحيحا أنّ غرف تنفيس الغضب تساعد فعلا في علاج الغضب من جهة سلوكية علاجية، لكن سبب شيوعها على الأغلب هو أن كلّ ممنوع مرغوب كما يُقال، وبما أننا -كبارا وصغارا- ممنوعون من تكسير الأشياء كيفما أردنا، تأتي غرفة الغضب لتسمح لكَ بفعل ما حُرِمْتَ منه. في الحقيقة، دعنا نُخبرك أنه هذه الآلية، علميا، تُعدّ من أسوأ الوسائل التي قد تلجأ إليها لتفريغ مشاعرك وطاقتك السلبية. بطبيعة الحال، ولأنها هذه الفكرة جديدة نسبيا، لا توجد أبحاثٌ كثيرة أجريت حول غرف الغضب بالتحديد، لكن المفهوم الذي بُنيت عليه الفكرة معروفٌ منذ وقتٍ طويل في مجال الطب النفسي باسم نظرية التنفيس عن الغضب (catharsis theory of aggression). تؤكد هذه النظرية أن التنفيس عن الإحباط والكبت والغضب يؤدي إلى ترويض هذه المشاعر والحدِّ منها، إن التصرف بعدوانية أو حتى مشاهدة فعلٍ عدواني وربطه بسبب الغضب، وفقا لهذه النظرية، هو وسيلةٌ ناجعةٌ لتحرير هذه المشاعر من داخلنا وتهدئتها، لكن هذا الحال لا ينطبق على غرف التنفيس عن الغضب. فالفكرة الأساسية، والتي هي أساس مبدأ غرف الغضب، تقول إنّ الوسيلة المُثلى هي التعبير عن الغضب في صورٍ مجزأةٍ وجرعاتٍ صغيرة بين حينٍ وحين لتجنّب تراكمه حتى الوصول لنقطة انفجارٍ لا تُحمَد عُقباها.(2) وهنا تحديدا يقع الإشكال.

حيث يسأل أستاذ علم النفس بجامعة أوهايو والمتخصص في دراسة أشكال العنف والعدوان، براد بوشمان، في دراسةٍ نُشرت عام 2002: "هل يؤجّج التنفيس عن الغضب شعلته أم يُهدّئها؟". يُفنِّد بوشمان في دراسته(2) المبدأ الجوهري لغُرَف الغضب، مشيرا إلى أن تفريغ الإحباط عدوانيا بغرض تحجيمه والتحرر منه -ولو بأفعالٍ غير خطرة مثل ضرب وسادة أو كيس ملاكمة- "يشبه محاولة إخماد حريقٍ باستخدام بنزين".

 

حسنا، قد تقول في نفسك إنّني أشعر براحة كبيرة وفورية عقب تنفيسي عن غضبي، وهذا صحيح جزئيا، قد تشعر بالراحة الآنية والفورية عند الانهماك بأنشطة التحطيم والتكسير العدائية، لكنّ هذا الأثر الفوري في حقيقته لا يُساعد على المدى الطويل إلّا على اعتياد نظامك السلوكي على اقتران الشعور بالغضب والإحباط بضرورة التفريغ الجسدي والعدائي كي تتحصّل الراحة المنشودة، وهذا بحسب علم النفس إنّما يُعتَبَر تعزيزا لمنابع الغضب وتكريسا لوجوده، أكثر من كونه علاجا له أو إدارة نفسية سليمة وصحّية للغضب.

 

حينما نذهب بهدف تفريغ طاقتنا السلبية ونتصوَّر بأننا نُلقي كؤوسا وأطباقا زجاجية على شخصٍ بلغ استفزازه لنا حدا لا يطاق، فإننا بذلك نستدعي ذكريات غضبنا الخامد، ما يعزّز الميول السلوكية العنيفة ويزيد من احتمالية اللجوء إلى العنف في حالة أي استفزازٍ مستقبلي؛ لأننا بالفعل جربنا ممارسة القوة فور الشعور بالاستفزاز.(3) لذا، فإنّ اللجوء إلى ردّ فعلٍ عنيف استجابةً لغضبك هو أسوأ وسيلةٍ للتعامل معه، سيشعرك بالإثارة والراحة والتحسُّن، لكنّك ستعتاد على أن يكون العدوان هو أسلوبك الأفضل والأقرب للتعامل مع مشاعرك السلبية، وقد تجد نفسك تميل إلى ممارسة العنف خارج غرفة الغضب.(4)

ما الصواب؟

كلنا نغضب، ربما لا نستجيب جميعا للغضب بصيغة عدوانيةٍ كما يقول راين مارتِن، أستاذ علم النفس بجامعة ويسكونسن-غرين باي، لكن، كلنا نغضب. الغضب شعورٌ شديد وعميق يُعبّر عن الاستياء من شيءٍ ما بعينه. ومثل أيّ عاطفة، ينطوي الغضب على استجابةٍ جسمانية وردّ فعلٍ سلوكي. تتسارع ضربات قلبك وتتصلب عضلاتك وتتوتر أنفاسك، وترغب فعلا في الصراخ أو التعبير عن غضبكَ لفظيا أو جسديا.

 

ولأنّ هذا الغضب لا يتسرّب إلى أيّ مكان حين تكتمه أو تحجبه، يُشير مراتِن إلى وسائل قد تساعدكَ على إصلاح جذور الغضب بتَعليمنا كيفية تفكيك جذور الغضب، ومن ثم الوصول إلى الإجابة عن سؤال: كيف نغضب. وللتوضيح، أحيانا تُعيد سبب غضبكَ إلى زحام المرور أو شِجار الأولاد، لكنَّه في الواقع ينبع من تشابك ثلاثة عوامل: مُسبب الاستفزار، وكيفية استقبالك لهذا الاستفزاز أو كيفية تفسيرك له، بالإضافة إلى مِزاجك في تلك اللحظة.

دراسة الأشياء التي تغضبك، تحديدا عندما تتكرر، قد ترشدكَ إلى خبايا في نفسك.
  • أولا: اِفهَم الغضب لتُقلِّص من حدوثه

قدِّر موقفا أَغضَبَك وتأمل به إن كنتَ مخطئا أو مبالغا في رد فعلك. من خلال هذا التحليل قد تدرك أن سبب استفزازكَ كان خطأ غير مقصود، وتفسيرك الذي أدى إلى غضبك، لا أساس له. وفي أحيانٍ أخرى، قد يكون لغضبكَ مبررٌ فعلا، فيساعدك تحليله لاحقا على رؤية الصورة الأكبر والسعي لما تريد.

 

مثلا، إن اشتعل غضبكَ في الصباح الباكر بسبب الزحام المروري وأنت في طريقكَ إلى العمل، محتملٌ أن تدرك -إن حللت الموقف بعقلانية- أن غضبك نابع من إدراككَ لليوم الطويل الذي ينتظرك في العمل ومتطلباته، ومن ثَم تُركّز جهدك على ما يمكن تحسينه وإنجازه -العمل- والتعامل مع القلق الناتج عنه، وليس على ما هو خارج نطاق تحكمك، أي حركة المرور في هذه الحالة.

ما الذي يخبركَ به غضبك عن نفسك؟، سيخبرك أن تدرس الأشياء التي تغضبك، تحديدا عندما تتكرر، وهو ما قد يرشدكَ إلى خبايا في نفسك. مثال: يتأخر صديقك في الحضور عن موعده كل مرة، ويغضبك الأمر كل مرة. إن عدت خطوة إلى الوراء وأدركت أن سبب غضبك هو شعوركَ بأن تأخيره ينم عن قلة احترامٍ لكَ، يجعلك هذا ترى مشكلة قلة ثقتكَ بنفسك، وإن كان السبب هو أن تأخيره يعطِّلك عن أشغالك، فيدل غضبك -الذي سيكون بنفس الهيئة والمقدار- على أسبابٍ أخرى. لكلٍّ من السببين حلول مختلفة، لذا فإن فهم غضبكَ يرشدك إلى معرفة ما تفعله تاليًا بحكمة.

 

  • ثانيا: حتى حين تنفجر غضبا، هنالك خطوات ستساعدك

ما ذُكر أعلاه هو إرشادٌ لمعالجة الغضب نفسه قبل حدوثه، لكن هناك أساليب أخرى تساعد على تهدئة الغضب فور حدوثه، مثل التنفّس بعمق وتكرار عبارات هادئة، مثل: "استرخِ"، "الأمر بسيط"، "المشكلة ستُحل"، وعلى قدر ما يبدو أن تكرار مثل هذه الجُمل هو من قبيل الابتذال، إلا أن مجرد تكرار مثل هذه الكلمات، يوجّه تركيزك باتجاه آخر مختلف عن تركيزك حول ما يغضبك. بالإضافة لما سبق، يساعد تخيّل أماكن مريحة أو مفضّلة للاسترخاء سواء كانت حقيقية أم متخيّلة، وتغيير وضعية الجسم (الوقوف إن كنتَ جالسا، والجلوس إن كنت واقفا)، وتحريك الجسم مثل الذهاب لتمشية قصيرة، وكذلك العدّ حتى عشرة تصاعديا وتنازليا. تساعد إستراتيجيات الاسترخاء في تقليل الاستثارة الجسمانية والعاطفية المتمثلة في سرعة ضربات القلب وتوتر العضلات وتصلُّبها، لكنها لا تحل المشكلة الأساسية إن كانت مزمنة.(4)

 

مصادر للاستزادة

  • فيديو

للغضب سمعةٌ حَسنة أيضا، يخبرنا راين مارتن -الذي تدور أبحاثه ودراساته حول الغضب وأسبابه المعرفية والإدراكية- في هذه المحاضرة القصيرة عن أهمية الشعور بالغضب وتأثيره الإيجابي المُهمَل على صحتنا، ولماذا نحتاج إلى الشعور به وكيفية السيطرة عليه ووضعه في إطاره المناسب.

______________________________________

المراجع:

  1. A Look Inside ‘Rage Rooms,’ Where You De-Stress by Smashing Things, Anna-Cat Brigida, Vice, 2016.
  2.  Does Venting Anger Feed or Extinguish the Flame? Bushman, B. J. Personality and Social Psycholog
  3. .Bulletin, 2002
  4. A different view of anger: the cognitive-neoassociation conception of the relation of anger to aggression, Leonard Berkowitz, Aggress Behav. 2012.
  5. .How to be Angry, Ryan Martin, Aeon, 2021
المصدر : الجزيرة