مدارس الفروسية بقطر.. رياضة وهوية وتراث

قطر تنظم سنويا العديد من منافسات الفروسية (الجزيرة)
قطر تنظم سنويا العديد من منافسات الفروسية (الجزيرة)

تعتبر الفروسية من الرياضات التراثية والمحببة في دولة قطر، كونها رياضة مثيرة وممتعة تتطلب الكثير من الانضباط والتركيز والتواصل الجسدي والروحي بين الفارس والحصان، لدرجة تنعكس على الذين يمارسونها.

ممارسة سباقات التحمل أو الترويض أو قفز الحواجز -وهو النوع الأكثر شعبية في جميع أنحاء العالم- من على ظهر الخيل، هو حلم أطفال قطر الذي سرعان ما يتحول إلى حقيقة عبر مدارس تعليم الفروسية التي صنعت أبطالا قطريين تعاقبوا على الساحة.

مدارس تعليم ركوب الخيل في قطر بدأت في أبريل/نيسان 1979 مع اتحاد الفروسية، بهدف خلق جيل جديد من الفرسان ممن يقدّرون المعاني التي تنطوي عليها رياضة ركوب الخيل، فضلا عن الحفاظ على الهوية القطرية التي ترتبط بالتراث الإسلامي.

"ركوب الخيل أكثر من مجرد رياضة، إنها انضباط ونظام سلوكي"، هكذا تحدث الفارس القطري المتألق الحائز على العديد من الجوائز عبد الرحمن البخاري (15 عاما)، عما دفعه إلى ممارسة رياضة الفروسية التي أحدثت تغييرا كبيرا في مسار حياته.

ويقول البخاري للجزيرة نت إن رياضة الفروسية علمته الصبر والثقة في النفس، وساعدته كثيرا على بناء شخصيته، كما أنها خلقت منه قائدا يعرف كيف يتخذ القرارات السريعة والصائبة في الوقت الصحيح.

تتواصل الخيول مع أصحابها الذين يمتطونها وتفهمهم جيدا، حيث إن العلاقة بين الفارس وحصانه وطيدة ومبنية على الثقة والمكافأة، وهو ما يتحقق معه النجاح على الميدان، وفقا للبخاري.

يطمح الشاب الذي بدأ مشواره مع الفروسية في الثامنة من عمره، للوصول إلى أعلى المستويات في منافسات قفز الحواجز التي يتخصص فيها، من أجل تحقيق حلمه في تمثيل بلاده في دورة الألعاب الأولمبية ورفع علمها في مختلف الاستحقاقات الدولية.

مدراس الفروسية بوابة لتحقيق أحلام أطفال قطر (الجزيرة)

ويوضح أن من أسباب تعلقه برياضة الفروسية وممارستها هو ارتباطها بالتاريخ الإسلامي والتراث القطري، فضلا عن أنها كانت مناسبة له كثيرا، لأنها تتطلب الصبر والتدريب لفترات طويلة وبصورة يومية من أجل التطور.

ويعد الشقب -الذي تأسس عام 1992- مركزا عالميا رائدا للفروسية، ويعمل على تحقيق أفضل المستويات في مجال ركوب الخيل، وذلك انطلاقا من 3 مبادئ جوهرية هي: التميز، والتعليم، والتراث، والتي تتجسد جميعها في أهداف إدارة تعليم الفروسية التي تضيف قيمة مجتمعية كبيرة من خلال رعاية الجيل القادم من محترفي هذه الرياضية.

بدوره، تحول حلم الفارس القطري عبد العزيز الغانم (15 عاما) إلى حقيقة بعد تدرجه في مدارس الفروسية بالشقب (عضو مؤسسة قطر)، ومنافسته في العديد من البطولات المحلية والدولية، وتحقيق أكثر من إنجاز في جولات بطولة قطر للفروسية "هذاب".

بدأ الغانم ممارسة الفروسية مع بلوغه سن السادسة، وواظب على المشاركة في كل التدريبات، واضعا نصب عينيه هدف الوصول إلى العالمية وتمثيل قطر في مختلف الاستحقاقات الدولية، سواء داخل قطر أو خارجها، حيث يقول للجزيرة نت إن مشواره مع رياضة الفروسية مر بمراحل متقلبة ما بين الصعوبة والحماس وتحقيق النجاح.

الغانم يحلم بتمثيل قطر في الألعاب الأولمبية (الجزيرة)

خاض في بدايته سباقات الماراثون والقدرة والتحمل، ولكنه مع مرور الوقت اتجه إلى منافسات قفز الحواجز التي وجد فيها ضالته، نظرا لاحتياجها المهارة والتكتيك في نفس الوقت والثقة المتبادلة مع الحصان، وفقا للغانم.

حقق الغانم العديد من النجاحات في رياضة الفروسية بفضل دعم أسرته ماديا ومعنويا منذ صغره، وهو ما جعله يتطلع للأفضل في هذه الرياضة الذي يعتبرها الإرث الباقي من الآباء والأجداد على مرّ التاريخ، حيث يحلم بالوصول إلى الأولمبياد.

وتقوم مدارس الفروسية في قطر على مناهج دراسية خاصة تجمع بين مختلف الأنظمة الأكاديمية، تعمل على تلبية احتياجات الطلاب بما يتناسب مع البيئة الفريدة لدولة قطر، وذلك عبر تركيز الاهتمام على الممارسة العملية بدلا من الجانب النظري، وإكساب الطلاب المهارات والقيم التي تدعم تطورهم الشخصي والمهني، فضلا عن تعليمهم كيفية ركوب الخيل والتعامل معه والتوازن في أثناء الركوب والطرق الصحيحة لإيقافه.

أما الشاب فارس القحطاني (17 عاما) فيؤكد حزنه الشديد على عدم ممارسة الفروسية في سن مبكرة، إلا أنه مدربيه -سواء في مركز نوماس أو اتحاد الفروسية أو الشقب- صقلوا موهبته بما يتناسب مع مهاراته في ركوب الخيل، فوضعوه في مكانة مميزة جعلته ينافس في مختلف البطولات المحلية، ويحلم أن يصبح يوما فارسا في المنتخب القطري، ويمثله في مختلف الاستحقاقات الدولية.

القحطاني حقق قفزة كبيرة في مستواه بفضل العمل الدؤوب رغم احترافه الفروسية في سن متأخرة نسبيا (الجزيرة)

ويقول القحطاني للجزيرة نت إن اسمه "فارس" كان من أسباب ممارسته لرياضة الفروسية، فضلا عن تشجيع والديه، إضافة إلى ارتباط هذه الرياضة بالتاريخ الإسلامي وبالهوية والتراث القطري المتوارث عن الآباء والأجداد.

بعدما تألق محليا وحقق مراكز متقدمة في مسابقات قفز الحواجز في مختلف البطولات، يمنّي القحطاني النفس بمواصلة التطور خلال الفترة المقبلة وتمثيل قطر في البطولات الدولية الخارجية.

ورغم ممارسته الفروسية في سن متأخرة نسبيا، فإنه كان يتدرب مرتين في اليوم طوال الأسبوع باستثناء يوم الجمعة الذي تقام فيه السباقات غالبا، وهو ما جعله يتطور ويحقق قفزات سريعة وفقا له.

وتمتلك مدارس الفروسية في قطر مضامير مجهزة بمسارات خاصة بالتعليم ومحاطة بما يمنع تعرض المتدربين لأي خطر في أثنائه، إلى جانب مرافقة المدربين لهم في جميع خطوات التعليم ومتابعتهم بدقة، فضلا عن الاحتياطات الأخرى التي تحمي الطلاب.

"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"، بهذه الكلمات المقتبسة من حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يرى عبد الله المري مدير مدرسة "فرسان المستقبل" ومدير المنتخبات القطرية في اتحاد الفروسية، أن فكرة مدارس الفروسية في قطر وفرسان المستقبل ارتبطت بحب الأطفال لتعاليم دينهم الحنيف الذي يحثهم على الفروسية وتعلم ركوب الخيل.

المري يرى أن هناك ارتباطا روحيا بين القطريين وركوب الخيل (الجزيرة)

ويقول المري للجزيرة نت إن هناك ارتباطا روحيا بين رياضة الفروسية والمواطن القطري الذي يهوى ركوب الخيل، وهو ناجم من الدعم الذي تقدمه الدولة لهذه الرياضة التراثية الذي يتمثل في توفير كل الإمكانات لتعليم ركوب الخيل من منشآت مميزة، ومنها مدرستا فرسان المستقبل والشقب.

مدارس تعليم ركوب الخيل في قطر واكتشاف المواهب وتطويرها، ارتبطت منذ نشأتها بصورة وثيقة بالتراث والهوية الوطنية للبلاد، والتي ترتبط بدورها في الأساس بالتراث الإسلامي، لذلك كان الاهتمام كبيرا بها من الدولة ممثلة في القيادة والشعب، وفقا للمري.

ويعتبر المري أن مدارس الفروسية -وخاصة مدرسة فرسان المستقبل التي تضم حاليا أكثر من 300 متدرب من الأولاد والبنات، بينهم مواهب ينتظرها مستقبل كبير- كانت النواة لتخريج العديد من المواهب القطرية لتمثيل بلادهم خير تمثيل في مختلف المحافل العربية والآسيوية والدولية.

وتجرى في دولة قطر منافسات عدة سنويا في مجال الفروسية، سواء في سباقات قفز الحواجز أو السرعة أو جمال الخيل، وهي منافسات لها جمهورها الكبير داخل الدولة، بالإضافة إلى حرص قطاعات كبيرة على المنافسة على جوائز هذه البطولات.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من رياضات أخرى
الأكثر قراءة