عز الدين النويري.. بطل عالمي من رحم المعاناة

استقبال النويري بمطار الدار البيضاء بعد تتويجه بلندن
استقبال النويري بمطار الدار البيضاء بعد تتويجه في أولمبياد لندن (الجزيرة نت)

الجزيرة نت-الرباط

لم يتوقع أكثر المتفائلين من المقربين للبطل المغربي عز الدين النويري نجاحه في أي عمل له مستقبلا، نتيجة تأثره بالعلاقة المتوترة بين والديه بسبب إعاقته الحركية، والتي انتهت بانفصالهما وهو في سن السابعة.

وبعدها صارت أمه الجدار الصلب الذي يستند إليه في حياته، تنقلت به من مدينة العيون في الجنوب للعيش ببيت جده بنواحي مدينة آسفي، ثم داخل المدينة لقناعتها بتوفر العمل هناك، حيث امتهنت بيع الشاي والفطائر والحساء المغربي "الحريرة" بمقهى عشوائي لإعالة أسرتها، بينما كان يساعدها عز الدين بعد انتهاء حصصه الدراسية.

ولأنها لم تكن قادرة على التواجد بالبيت طيلة اليوم، أودعت الوالدة ابنها عز الدين في ناد رياضي لمعاونة ذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك لإبعاده عن صحبة السوء وحمايته من الانحراف.

كان النويري يبلغ من العمر 13عاما عندما وطأت قدماه النادي للاستفادة من أنشطته الثقافية والفنية، ثم لاحقا من أنشطته الرياضية المتنوعة بعد الانضمام للجامعة الملكية المغربية لرياضة المعاقين عام 2002 (مؤسسة شبه رسمية تجمع أندية وجمعيات).

وقال الكاتب العام للنادي أحمد الزاوي إن النويري أظهر منذ أيامه الأولى موهبة كبيرة، فهو "مختلف ليس بفضل بنيته وقوته فقط، بل لأنه يتمتع برجاحة العقل والإصرار، وتعبيره التلقائي والصريح".

ومارس عز الدين النويري -المولود عام 1986- رياضات مختلفة عقب التحاقه بالنادي، من بينها العدو وكرة السلة ورمي القرص والرمح والجلة، ولأنه كان مجبرا على انتظار دوره للحصول على كرسي متحرك، فقد تحول إلى اختصاص رمي الجلة.

حلم وهو يشاهد الأبطال على شاشة التلفاز أن يكون مثلهم في المستقبل، ليتمكن من تغيير واقع أسرته الاجتماعي؛ فقرر أن يؤسس حياته معتمدا على ما يملك فعليا وليس على ما ينقصه، وبدأ طريقه في عالم لا يعرف غير الجد والاجتهاد والصبر.

تدريبات مكثفة للنويري منفردا (الجزيرة نت)
تدريبات مكثفة للنويري منفردا (الجزيرة نت)

ولتحقيق ذلك الحلم، واصل النويري تدريباته بشغف ومثابرة، وواظب على التوجه لمراكز الإنترنت العامة لمشاهدة مقاطع فيديو تعلمه طريقة التعامل المثالي في الرمي.

وقال النويري إنه استعان بحداد في صنع كرة حديدية من إبداعه، جعل بها حلقة وربط بها حبلا، وبدأ يتدرب على رميها في إحدى الغابات، يعيدها بواسطة الحبل دون تكلف عناء النزول من مرتفع يجلس عليه لجلب الكرة.

وكللت تلك الجهود ببروز النويري كأحد الأبطال الموهوبين في رمي الجلة، بعد سنوات من العمل والتعلم في أصعب الظروف وأقساها، حكى بعضا من فصولها صديق طفولته وزميله في النادي أيوب التالي، وقال إنه يجاهد لخدمة نفسه دون مساعد شخصي، ويتنقل يوميا للتدرب في فضاءات المدينة.

ونجح النويري في التتويج بلقب "بطل المغرب" في مسابقات الرمي بجدارة تسع سنوات متتالية، كما توج في بطولات أفريقية وعربية.

وظلت المشاركة بالأولمبياد حلمه الكبير، خاصة بعدما علم من صديق تونسي أن المسافة التي يحققها في المسابقات المحلية تقارب الرقم القياسي العالمي.

وقال رئيس الجامعة الملكية المغربية لرياضة المعاقين حميد عوني إن النويري عندما حصل على فرصته بأولمبياد لندن 2012 لم يكن في سجله الرياضي أي ميدالية عالمية، لكن المسؤولين راهنوا عليه بناء على توصية من مدربه الذي توقع أن يكون مفاجأة المسابقة.

وحقق النويري رمية تاريخية في مسابقة الجلة (فئة إف34) بمسافة 13 مترا وعشرة سنتيمترات، ليزين عنقه بميدالية ذهبية أولمبية طال انتظارها، ويحطم رقما قياسيا ظل صامدا منذ أولمبياد أثينا عام 2004.

النويري مع مدربه أحمد الزاوي بنادي رياضة المعاقين بمدينة آسفي (الجزيرة نت)
النويري مع مدربه أحمد الزاوي بنادي رياضة المعاقين بمدينة آسفي (الجزيرة نت)

وقال مدربه أحمد الزاوي، وهو في الوقت نفسه مدرسه السابق للغة الإنجليزية بالثانوية، "إن نجاحه لم يتوقف على موهبته فقط، ولكن بثقته في إمكاناته؛ فقد وجد نفسه أمام منافسة قوية، لكنه عزم على الفوز"، وعدّه مثالا للانضباط وقدوة للرياضيين الذين يطمحون إلى النجومية.

وعقب هذا الإنجاز، بدأت رحلة حياة جديدة لعز الدين بعد أن تمكن من شراء شقة لأسرته ودراجة نارية يتنقل عليها للتدريب.

بأولمبياد ريو بالبرازيل، تابع الملايين حول العالم النويري وهو يسحب نفسا عميقا، قبل أن يرمي الجلة في الهواء لأبعد مسافة ممكنة بكل مهارة، بعدها بسط ذراعه وظل يدعكها بتألم بالغ.

خلف الكواليس يروي المشهد الروح القتالية لهذا الرياضي البسيط، الذي ناضل وبات بطلا عالميا متألقا بأبسط الإمكانات.

حكى النويري كيف أخفى عن مدربه إصابته بكتفه إثر سقوطه بحصة تدريبية، إذ بدا من المخيف له ألا يشارك في المنافسة بسبب آلامه، وقال "في الملعب نسيت الآلام، أردت الفوز فقط، ظل نظري عالقا بلوحة إعلان النتيجة، غير مصدق أنني أهدي بلدي ميدالية ذهبية مرة أخرى".

المصدر : الجزيرة