من أنشأ كأس العالم لكرة القدم؟

يرى أغلب خبراء الرياضة مسابقة كأس العالم لكرة القدم المسابقة الرياضية الأكبر والأكثر عظمة ومجدا وقيمة، ذلك أنها كثيرا ما ارتبطت بحسن التنظيم وشدة التنافس والإثارة، كما حفلت بلحظات فارقة ظلت راسخة في الذاكرة.

وقبل أن تصبح بشكلها ونظامها الحاليين، شهدت مسابقة كأس العالم مراحل مهمة في تاريخها، وتخللتها منعرجات فارقة وقرارات مفصلية أشرف عليها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الذي أخذ على عهدته تنظيم أكثر المسابقات مجدا في تاريخ الرياضة مرة كل 4 سنوات.

ومنذ إنشائه في مايو/أيار 1904 أخذ الاتحاد الدولي لكرة القدم على عاتقه مهمة بعث مسابقة كروية خاصة به تكون منفصلة عن دورة كرة القدم للألعاب الأولمبية. وبحضور 7 دول كانت من الأعضاء المؤسسين لفيفا، هي سويسرا وبلجيكا والدانمارك وفرنسا وهولندا وإسبانيا والسويد، تم تبنّي مشروع إقامة بطولة عالمية لكرة القدم لكن عراقيل متعددة حالت دون تنفيذ الفكرة، فاللجنة الأولمبية الدولية عارضت إقامة البطولة مخافة أن تؤثر على الدورات الأولمبية، وأن ينتزع الاتحاد الدولي لكرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم من اللجنة الأولمبية.

هدية في ذكرى استقلال أوروغواي

لم يثن رفض اللجنة الأولمبية الدولية التي واصلت الإشراف على مسابقة كرة القدم ضمن الألعاب الأولمبية الصيفية مسؤولي الاتحاد الدولي، وعلى رأسهم المحامي الفرنسي جول ريميه مؤسس "فيفا"، عن مواصلة سعيهم لإقامة بطولة عالم منفصلة، وكان لهم ذلك في اجتماع تاريخي يوم 25 مايو/أيار 1928 أفضى إلى إقرار تنظيم بطولة كأس العالم وإطلاق اسم "كأس النصر" عليها.

واحتفالا بالذكرى المئوية لاستقلال الأوروغواي، وباعتبار أنها كانت بطلة مسابقة كرة القدم للألعاب الأولمبية في 1924 و1928، منح الاتحاد الدولي لكرة القدم أوروغواي شرف تنظيم أول نسخة من كأس العالم وذلك في عام 1930، لتبدأ بذلك رحلة ملهمة للمسابقة الكروية الأكبر في تاريخ الرياضة.

ودارت أول نسخة في الفترة بين 13 و30 يوليو/تموز 1930، وكانت الدورة الوحيدة التي لم تشهد تصفيات مؤهلة، فقد دُعي 13 منتخبا للمشاركة في البطولة وذلك بسبب قلة عدد المنتخبات آنذاك من جهة وضيق الفترة الزمنية لإقامة تصفيات تأهيلية من جهة ثانية.

وتُوّج منتخب البلد المستضيف أوروغواي بلقب أول نسخة من كأس العالم بعد الفوز في النهائي على الأرجنتين 4-2 في مباراة حضرها نحو 93 ألف متفرج في ملعب العاصمة مونتيفيديو. وسلّم رئيس الفيفا جول ريميه "كأس النصر" للاعبي منتخب أوروغواي، وهي كأس مصنوعة من الفضة المطلية بالذهب، من تصميم النحات الفرنسي أبيل لافلور.

دارت أول مباراتين في كأس العالم في وقت واحد، يوم 13 يوليو/تموز 1930، فاز في الأولى منتخب فرنسا على المكسيك 4-1 وانتصر في الثانية منتخب الولايات المتحدة الأميركية على بلجيكا 3-0، أما أول من سجل هدفا في كأس العالم فهو الفرنسي لوسيان لوران في شباك المكسيك.

توقف وسرقة

احتضنت إيطاليا النسخة الثانية من كأس العالم في 1934، ولم يشارك منتخب أوروغواي حامل اللقب، وتوجت إيطاليا بعد الفوز في النهائي على تشيكوسلوفاكيا 2-1. واستضافت فرنسا النسخة الثالثة في 1938 بمشاركة 16 منتخبا، وتوّج المنتخب الإيطالي باللقب مجددا بعد الفوز في النهائي على المجر 4-2.

وبينما بدأت بطولة كأس العالم تسلب إعجاب عشاق كرة القدم وتستقطب الدول للمشاركة فيها، جاءت الحرب العالمية الثانية لتحكم عليها بالتوقف، فأُلغيت دورتا 1942 و1946.

وفي تلك السنوات تولى أوتورينو باراسي نائب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم ورئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم حماية رمز كأس العالم بإخفائه في صندوق أحذية تحت سريره طوال الحرب العالمية الثانية.

عادت الكأس العالمية لتظهر من جديد في 1950 في نسخة استضافتها البرازيل، وبلغ منتخبها فيها النهائي لكنه خسر في مباراة دراماتيكية في ملعب "ماراكانا" الشهير أمام جاره أوروغواي، وذلك بحضور 200 ألف متفرج تقريبا وهو أعلى معدل حضور جماهيري في تاريخ كرة القدم.

وقبل 4 أشهر من انطلاق النسخة الثامنة التي احتضنتها إنجلترا في عام 1966، سرقت كأس جول ريميه من معرض فني بلندن، وأعلنت السلطات الإنجليزية رصد مكافأة كبيرة لمن يساعد في العثور على الكأس الضائعة، وأعدّ المنظمون الإنجليز نسخة مقلدة لتكون جاهزة أثناء المسابقة.

ويعود الفضل في العثور على كأس جول ريميه إلى كلب اسمه "بيكلز" وجدها ملفوفة في ورق صحيفة في جنوب لندن عندما كان يسير مع صاحبه دافيد كوربيت الذي أبلغ السلطات.

وفي 1983 سرقت كأس العالم من جديد، وتحديدا من مقر الاتحاد البرازيلي لكرة القدم عندما كانت بحوزة منتخب البرازيل الذي احتفظ بها إثر التتويج 3 مرات سنوات 1958 و1962 و1970.

لم يُعثر على تلك الكأس، ليصبح الاتحاد الدولي أمام حتمية صنع رمز جديد وهو ما نجح فيه النحات الإيطالي سيلفيو غازانيغا الذي قدم مجسمين للفيفا قُبل أحدهما وهو الشكل الحالي لكأس العالم الذي صنع من الذهب بعيار 18 ووزن 6.142 كيلوغرامات وارتفاع يبلغ 36.8 سنتيمترا.

وكان المنتخب المتوج يحتفظ بالكأس بحوزته طوال 4 سنوات، ولكن منذ دورة 2010 قرر الاتحاد الدولي منح المنتخب الفائز نسخة مقلدة وأودعت النسخة الأصلية في متحف الفيفا بمدينة زيوريخ السويسرية.

ورفع الاتحاد الدولي لكرة القدم عدد المنتخبات المتأهلة للنهائيات في أكثر من مناسبة، فحتى مونديال 1978 في الأرجنتين كان عدد المنتخبات المشاركة 16، ثم أصبح 24 منتخبا منذ دورة إسبانيا 1982، قبل أن يصبح 32 منتخبا بدءا من نسخة فرنسا 1998.

كما اعتُمدت بعض القوانين الجديدة مثل قاعدة الهدف الذهبي في نسختي مونديال 1998 و2002 قبل التخلي عن ذلك القانون، وفي مونديال البرازيل 2014 تم اعتماد تقنية خط المرمى للمرة الأولى بتاريخ المسابقة علما أن تلك النسخة شهدت دخول أكبر عدد من المنتخبات إلى مرحلة التصفيات بـ207 منتخبات.

تتويجات وأساطير ومآس

وعلى امتداد تاريخها، شهدت بطولة كأس العالم محطات فارقة وتغييرات مهمة في التنظيم والقوانين وعدد المنتخبات المتأهلة للنهائيات وغير ذلك، وكانت أيضا وراء أمجاد كثير من المنتخبات، فالبرازيل مثلا نجحت في تحقيق اللقب العالمي في 5 مناسبات (1958 و1962 و1970 و1994 و2002)، وهي البلد الوحيد الذي كان حاضرا في كل نسخ البطولة وعددها 22 بما فيها دورة قطر 2022.

أما منتخب ألمانيا فقد توّج باللقب العالمي في 4 مناسبات (1954 و1974 و1990 و2014) وهو عدد تتويجات إيطاليا في دورات 1934 و1938 و1982 و2006.

وصنعت مسابقة كأس العالم أمجاد كثير من اللاعبين، أبرزهم البرازيلي الجوهرة السوداء بيليه الذي يعدّ اللاعب الوحيد المتوج بلقب كأس العالم 3 مرات، كان أولها مونديال 1958 عندما كان عمره 17 عاما.

وكان مونديال 1986 في المكسيك شاهدا على ميلاد أسطورة كرة القدم الأرجنتينية دييغو مارادونا الذي قاد بلاده للتتويج باللقب بعد مسيرة ملهمة.

وسجل لاعبون آخرون حضورهم في تاريخ المونديال، مثل الألماني لوثر ماتيوس صاحب أكثر عدد من المباريات في كأس العالم برصيد 25 مباراة ومواطنه ميروسلاف كلوزه هداف النهائيات التاريخي برصيد 16 هدفا، أمام البرازيلي رونالدو برصيد 15 هدفا.

كما شهدت دورة إسبانيا 1982 ظهور النجم الإيطالي باولو روسي، أما دورة فرنسا 1998 فشهدت بروز النجم الفرنسي من أصل جزائري زين الدين زيدان الذي قاد الديكة لإحراز اللقب الأول في تاريخهم.

وشهدت بطولة كأس العالم إلى جانب بروز هذه الأساطير حادثة مأساوية ارتبطت بمونديال أميركا 1994، حين قتل المدافع الكولومبي أندريس إيسكوبار في مدينة ميدلين يوم الثاني من يوليو/تموز برصاص من مشجع كولومبي غاضب من الهدف الذي سجله إسكوبار بالخطأ في مرمى كولومبيا وتسبب في خروجها من الدور الأول لكأس العالم.

المصدر : الجزيرة