دوري السوبر.. هل تدمّر القيم الأميركية كرة القدم الأوروبية؟

مغامرة دوري السوبر الأوروبي انتهت قبل أن تبدأ (رويترز)
مغامرة دوري السوبر الأوروبي انتهت قبل أن تبدأ (رويترز)

على امتداد العقدين الماضيين، استحوذ عدد من أثرياء العالم على أبرز أندية أوروبا، وهو ما مهّد الطريق لظهور مشروع دوري السوبر الأوروبي الذي لقي رفضا جماهيريا واسع النطاق.

وذكر تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) الأميركية، أن المشروع الذي أعلن 12 ناديا تأسيسه قبل أيام، يستمد فكرته من نموذج إدارة الأندية والمسابقات الرياضية في الولايات المتحدة، والتي تسيطر عليها ثلة من الأثرياء الذين لا يهتمون إلا بامتيازاتهم ومداخليهم.

وحسب التقرير، فإن كرة القدم لعبة جماهيرية بالأساس، حيث يُنظر إلى النوادي على أنها ملك للجماهير، ومعظم مالكي الأندية رجال أعمال محليون يقومون بعمل شبه تطوعي لفائدة مدنهم ومجتمعاتهم، لذلك فإن استنساخ التجربة الأميركية في إدارة الأحداث الرياضية لم يلق أي تأييد بين جماهير كرة القدم.

ومن الأمور الجوهرية في كل دوريات كرة القدم مبدأ الصعود والهبوط، حيث تتنافس الفرق على مدار الموسم من أجل الفوز باللقب أو الصعود إلى الدرجة الأعلى، بينما تهبط الفرق التي تحتل المراكز المتأخرة إلى الدرجة الأدنى، وهذا ما يعزز المنافسة والجدارة، ويُبقي أكبر النوادي على أهبة الاستعداد لتقديم الأفضل من أجل أن لا تخسر مكانها.

لكن مبدأ الصعود والهبوط الذي يُعتبر من صميم الكرة الأوروبية، لا يتم تطبيقه في المسابقات الرياضية الكبرى بالولايات المتحدة، لأنه يشكّل تهديدا حقيقيا لمكاسب مالكي الأندية الذين لا يريدون أن يتركوا أي احتمال لفشل فرقهم إذا لم تقدم مستويات جيدة.

طراز أميركي

يقول التقرير إن دوري السوبر الأوروبي، الذي فشل مبكرا بعد انسحاب أغلب الأندية المؤسسة، يشبه إلى حد بعيد نظام دوري كرة القدم الأميركية بالولايات المتحدة. ولفهم جذور الفكرة التي هزّت أركان كرة القدم الأوروبية والعالمية، يجب معرفة الكيفية التي يدير بها أصحاب المليارات الأندية الرياضية في الولايات المتحدة.

أحد أبرز تلك الأسماء، هو ستان كرونكي الذي يملك نادي سانت لويس رامس لكرة القدم الأميركية، ونادي دنفر ناغتس لكرة السلة، ونادي كولورادو أفالانش في دوري هوكي الجليد، وهو مالك نادي أرسنال الإنجليزي منذ عام 2018.

واستطاع كرونكي أن يحقق على مدى سنوات نجاحا كبيرا من خلال الاستثمار في النوادي الرياضية بالولايات المتحدة، قبل أن يوجّه بوصلته نحو كرة القدم الأوروبية على أمل تحقيق المزيد من الأرباح في هذا السوق المليء بالفرص.

لكن طريقة إدارة كرونكي لنادي سانت لويس رامس، أثارت غضب مشجعي الفريق الأوفياء على مدار السنوات الماضية، ومنهم المحامي المعروف بدعمه المادي السخي للنادي تيري كروبن. ويشعر كروبن وآلاف مثله من جماهير النادي أن كرونكي خدعهم ولم يحقق طموحاتهم، حيث اكتشفوا بمرور الوقت أن هدفه الأساسي من الاستحواذ على النادي هو تحقيق الربح المادي وليس قيادة الفريق إلى الإنجازات.

وبالنظر إلى ما حدث مع فريق سانت لويس رامس، كان كروبن متأكدا من أن كرونكي سيحاول تطبيق الأفكار نفسها في أوروبا عندما استحوذ على أرسنال، وأن همّه سيكون تحقيق الأرباح على حساب النادي وجمهوره.

جذور المشكلة

يعتبر التقرير أن جذور المشكلة تعود إلى مطلع القرن الحالي، عندما فتحت كرة القدم الأوروبية أبوابها لأصحاب الثروات الطائلة، وخاصة الدوري الإنجليزي الممتاز الذي قدّم تسهيلات كبيرة للأجانب لشراء الأندية المحلية.

في عام 2003، اشترى رومان أبراموفيتش الملياردير الروسي المقرب من الرئيس بوتين نادي تشلسي، وأنفق مئات ملايين الدولارات من أجل الفوز بالدوري الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا.

أدركت الأندية حينها أنها تحتاج إلى أصحاب المليارات لتتمكّن من المنافسة وحصد الألقاب، مما أدى إلى موجة من عمليات الاستحواذ على الأندية من مالكين من جنسيات مختلفة. وأندية الدوري الإنجليزي الممتاز يسيطر عليها حاليا بشكل كامل أو جزئي 19 مليارديرا من 10 دول.

وفي إيطاليا، تستحوذ شركة إليوت (Elliott) الأميركية، وهي صندوق تحوط أميركي يشتهر بشراء الديون السيادية المتعثرة، على ملكية نادي ميلان. وفي فرنسا، يمتلك جهاز قطر للاستثمار نادي باريس سان جيرمان.

كورونا والسوبر

خلال السنوات الماضية، ومع استحواذ أصحاب المليارات على الأندية، يرى الكاتب أن كرة القدم في أوروبا بشكل عام، وإنجلترا بشكل خاص، أصبحت أقرب للنموذج الأميركي في صناعة الرياضة من خلال الاعتماد على حقوق البث التلفزيوني والإعلانات في تحقيق معظم مداخيلها، وعدم التعويل بشكل كبير على عائدات حضور الجماهير في الملاعب خلال المباريات.

ومن أجل زيادة المداخيل، عملت الأندية والدوريات على تحقيق المزيد من الانتشار، وبيع حقوق البث التلفزيوني في أسواق جديدة مثل الصين والهند والولايات المتحدة.

وفرضت أزمة كورونا خوض المباريات دون حضور الجماهير، وتسببت في خسائر هائلة لكرة القدم الأوروبية، ومثلت الفرصة الأمثل للنوادي الكبرى في القارة من أجل الإعلان عن مشروعها بعيدا عن هتافات الرفض التي كان من الممكن أن تندلع في المدرجات إذا كانت المباريات بحضور الجماهير.

لكن رغم ذلك، فإن موجة غضب عارمة تفجّرت ضد مشروع دوري السوبر الأوروبي، وعبّرت كل أطراف اللعب من جماهير ولاعبين وإعلاميين عن رفضها للفكرة التي تبناها أصحاب المليارات، وتصاعدت الدعوات للحد من نفوذ الأغنياء على كرة القدم، وهو ما أدى إلى انسحاب عدد من الأندية وإمكانية انهيار المشروع بالكامل.

ويختم التقرير بأن الرسالة التي وجهها كروبن لمالك ناديه المفضل، والمالك الحالي لنادي أرسنال، ستان كرونكي، عبر إعلان على شاشة مباراة سوبر بول عام 2015، عندما قال له "ليس لأن الأمر قانوني ولأنك ثري، يحقّ لك أن تفعل ذلك"، هي في الواقع الرسالة التي يمكن أن توجّه إلى كل مالكي الأندية التي أعلنت قبل أيام تأسيس دوري السوبر الأوروبي.

المصدر : نيويورك تايمز

حول هذه القصة

المزيد من كرة قدم
الأكثر قراءة