ميديابار: كرة القدم بفلسطين ورحلة التحرر من وصاية الاحتلال الإسرائيلي

Palestinian spectators are pictured through a fence as they watch the first leg of Palestine Cup final soccer match between Gaza Strip's Shejaia and Hebron's Al-Ahly at al-Yarmouk stadium in Gaza City
جماهير تشاهد مباراة سابقة بكأس فلسطين (رويترز)

في 25 مايو/أيار الماضي، انتقد اللاعب عبد الله جابر رد فعل المشجعين الفلسطينيين على قناة تل أبيب التلفزيونية، واصفا إياهم بالوحشية. وانهالت عليه الشتائم من كل حدب وصوب على خلفية توقيعه عقدا مع نادي هبوعيل الخضيرة الإسرائيلي. ونتيجة لذلك، استبعدته الفدرالية الفلسطينية من المنتخب الوطني، لأنها تمنع أي لاعب من المشاركة في الدوريات الإسرائيلية.

وفي تقريره الذي نشره موقع "ميديابار" (Mediapart) الفرنسي، قال الكاتب ميكايل كوريا إن هذا الحدث يعكس البعد السياسي البارز لكرة القدم في فلسطين، ويفسر غضب الفلسطينيين الذين يؤمنون بأن الانضمام للفريق الوطني هو حصيلة سنوات عديدة من النضال من أجل الاعتراف دوليا بالفريق.

وأوضح الكاتب أنه في 8 أكتوبر/تشرين الأول 1993، وبعد 3 أسابيع من توقيع اتفاقات أوسلو، لعب المنتخب الوطني الفلسطيني أول مباراة على أرضه. كانت للمباراة غايات إعلامية تجاوزت الأهداف الرياضية، وقال المؤرخ البريطاني إريك هوبسباوم إن "المجتمع الفلسطيني يبدو أكثر واقعية عندما يتلخص في 11 لاعبا نعرف أسماءهم".

انضم الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم إلى الفيفا عام 1998. كانت هيئة كرة القدم أول منظمة دولية تعترف بفلسطين كدولة مستقلة. ولكن على أرض الواقع، كانت إقامة بطولة وتأسيس فرق فلسطينية يتعارض مع واقع الاحتلال العسكري، في ظل القيود المفروضة على التنقل وإلغاء الاجتماعات بانتظام، وإبقاء اللاعبين عالقين في نقاط التفتيش الإسرائيلية.

استعاد المدرب السابق للمنتخب الفلسطيني عزت حمزة ذكريات تصفيات التأهل لكأس العالم 2006، وقال إن الفريق كان عليه التدرب في الإسماعيلية بمصر، وخوض مبارياته في قطر. ولم يُسمح لأي لاعب من غزة في يونيو/حزيران 2004 باللعب في أوزبكستان "لأسباب أمنية"، وهو ما تسبب في حرمان المنتخب من بعض أفضل لاعبيه، وخسر أمام الفريق الأوزبكي المتواضع، مما أسهم في تراجع سقف طموحاته المتعلقة بالمشاركة في كأس العالم. وأعادت إسرائيل الكرة في تصفيات كأس العالم 2010 ضد سنغافورة، ورفضت مرة أخرى إصدار تأشيرات للاعبي كرة القدم في غزة؛ لذلك اضطر الفلسطينيون للانسحاب.

الفيفا ساحة دبلوماسية

في مواجهة العوائق التي تعترض حرية تنقل لاعبي كرة القدم، قدم الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم اقتراحا عام 2015 إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يطلب فيه استبعاد الاتحاد الإسرائيلي.

قبل أيام قليلة من التصويت على الاقتراح في 29 مايو/أيار 2015، أشار غيرشون باسكن (ناشط السلام والمفاوض الإسرائيلي السابق مع حماس) في تقرير نشر في أعمدة صحيفة "جيروزاليم بوست" إلى أنه "سواء فاز الفلسطينيون في هذا التصويت أم لا، فهذا أمر ثانوي، لأننا نشهد لأول مرة جهودا دبلوماسية للفلسطينيين لفرض عقوبات على إسرائيل. لذلك، لا يتعلق الأمر حقًا بحرية تنقل لاعبي كرة، وإنما بالاحتلال المستمر ورفض إسرائيل الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وإنشاء دولة مستقلة مجاورة لبلدهم".

كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن الدولة العبرية مارست ضغوطا دبلوماسية شديدة على القادة الرياضيين في نحو 100 دولة، مدعية أن لاعبي كرة القدم الفلسطينيين متورطون في "أنشطة إرهابية". بعد 3 أشهر فقط، تم تأجيل المباراة النهائية لكأس فلسطين، حيث رفضت السلطات الإسرائيلية تقديم تصريح سفر لـ4 لاعبين من غزة.

رغم فشل الحركة الفلسطينية، تحولت الفيفا إلى ساحة سياسية للفلسطينيين. في نهاية عام 2016، احتج الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم -بدعم من نحو 60 من أعضاء البرلمان الأوروبي- أمام الهيئة الدولية ضد 6 أندية تم إنشاؤها في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتنتمي للاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم.

نظرا لأن هذه المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي، شدد الفلسطينيون على أن نصوص الفيفا تحظر على الاتحاد الوطني استضافة ناد يقع في أراض أجنبية.

وموازاة مع هذه التحركات الدولية، ظهرت أشكال جديدة من التعبير التي تجمع بين الاحتجاج السياسي وكرة القدم داخل المجتمع الفلسطيني. فخلال كأس العالم 2010 الذي نُظم في جنوب أفريقيا، عقد سكان غزة نسخة خاصة بهم بكأس العالم لمقاومة القيود المفروضة على حرية تنقلهم. وتحت شعار "إذا لم تستطع الذهاب إلى جنوب أفريقيا، ستأتيك كأس العالم"، جمعت المسابقة 16 فريقًا من قطاع غزة أعيدت تسميتها بأسماء الدول.

وبث هذا النهائي -الذي جمع بين فرنسا والأردن في 15 مايو/أيار 2010 على قناة الجزيرة، وحصل الفائزون على كأس صنعه حرفيون من غزة من المعدن الموجود في الأبنية التي تعرضت للقصف.

وقبل كأس العالم 2018، كان من المقرر إجراء مباراة ودية بين إسرائيل والأرجنتين في 9 يونيو/حزيران في حيفا، قبل أن تقرر الحكومة الإسرائيلية إجراء المباراة في القدس. وعلى خلفية ذلك، أدان الفلسطينيون التلاعب السياسي بالمباراة، وطلبوا من اللاعب الأرجنتيني ليونيل ميسي عدم المشاركة فيها، وفي مواجهة التعبئة الفلسطينية، قرر لاعبو كرة القدم الأرجنتينيون في نهاية المطاف عدم خوض المباراة.

وختم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أنه رغم القيود التي فرضها تفشي فيروس كورونا، والعقبات المعتادة على حرية التنقل؛ تمكنت كرة القدم الفلسطينية من تحقيق نجاحات، حيث ظفر نادي مركز بلاطة في 12 يونيو/حزيران الماضي للمرة الأولى بلقب بطل فلسطين.

المصدر : مواقع إلكترونية