الألتراس أشعلت الثورة في شمال أفريقيا.. الأهلي والزمالك فرقهما الاستعمار ووحدتهما الثورة

مجموعة ألتراس الأهلي أعادت النادي لصوت الشعب (رويترز)
مجموعة ألتراس الأهلي أعادت النادي لصوت الشعب (رويترز)

يعتبر الناديان الأكثر شعبية في مصر -الأهلي والزمالك- جزءا لا يتجزأ من الهوية الاجتماعية للبلاد، حيث غذى التنافس بينهما في ملاعب كرة القدم المخيلة الشعبية منذ بداية القرن الـ20 وحتى الآن.

وفي تقرير لموقع "ميديا بارت" الفرنسي (Mediapart) قال الكاتب ميكائيل كوريا إن العداوة بين الناديين متجذرة في تاريخهما منذ تأسيسهما خلال فترة الاستعمار البريطاني، وكما هو الحال في العديد من المدن الساحلية تم إدخال كرة القدم إلى القاهرة من قبل الإداريين والصناعيين الاستعماريين.

وأضاف أن مباريات كرة القدم كانت تقام في المعسكرات والكليات العسكرية البريطانية المخصصة للنخبة الاستعمارية منذ الاحتلال الإنجليزي لمصر في 1882، وتأسس نادي السكك الحديدية كأول ناد مصري في عام 1903 من قبل مهندسين بريطانيين وإيطاليين.

وفي عام 1905 أسس المحامي مصطفى كامل نادي الطلبة الذي جمع الشباب المصريين المستبعدين من المنشآت الرياضية المخصصة للمستوطنين، ونظرا للشعبية التي شهدتها كرة القدم في صفوف سكان القاهرة سُمي النادي بعد عامين "النادي الأهلي"، وكان يجمع الطلاب النقابيين الذين يناضلون ضد الاحتلال البريطاني، وتحول مقره الرئيسي إلى ملتقى للمناضلين والمركز السياسي للمقاومين الشباب المناهضين للاستعمار في العاصمة.

وبصفته زعيم النضال ضد الاستعمار -وأيقونة الثورة المصرية في المستقبل عام 1919- انتُخب سعد زغلول عام 1909 رئيسا لمجلس إدارة الأهلي، وفي ذلك الوقت تحول النادي إلى واجهة للنضال ضد الاستعمار، حيث كان لاعبو كرة القدم يرتدون قمصانا بألوان العلم المصري قبل الاستعمار (الأحمر والأبيض) ويقاطعون أي مباراة تجمعهم بالفرق العسكرية البريطانية.

وفي عام 1925، أي بعد 3 أعوام من انتهاء الحماية، قرر الأهلي أنه لا يمكن سوى للاعبين الذين يحملون الجنسية المصرية الانضمام للنادي، وكان قائد الفريق حسين حجازي أول لاعب كرة قدم أفريقي يلعب في إنجلترا عام 1911، قبل أن يرتدي قميص الأهلي عام 1915.

وبعد الحرب أصبح نادي الأهلي بالنسبة للسلطات المصرية أداة "للترفيه عن الجماهير" وتعزيز سلطة الحكام، وعندما أصبح رئيسا للبلاد عام 1956 مُنح جمال عبد الناصر منصب الرئيس الفخري للنادي، وباعتباره الشخصية الكاريزمية لحركة عدم الانحياز والمدافع الدؤوب عن العروبة عين عبد الناصر أحد جنرالاته المقربين لرئاسة الأهلي من أجل رفع النتائج الرياضية للنادي.

وفي عهد الرئيس أنور السادات -الذي وصف نفسه بأنه من أشد المعجبين بالأهلي- بات النظام يعول على الأهلي لمساعدته في السياسة الخارجية، ولكونه من بين الموقعين على اتفاقات كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978 طلب السادات من النادي ضم لاعبين فلسطينيين -منهم حارس المرمى مروان كنفاني- من أجل تلميع صورته في الأراضي المحتلة، ومنذ ذلك الحين اكتسب الأهلي شعبية في فلسطين.

وفي حين يعد الأهلي ناديا ذا جذور مناهضة للاستعمار تأسس الزمالك في عام 1911 على يد المحامي البلجيكي جورج مرزباخ، وكان يطلق على النادي لقب "الفرسان البيض" بسبب لون قمصان لاعبيه، وخلال تلك الفترة أصبح الزمالك نادي الطبقة المتوسطة والتشكيل المفضل للملك فاروق الأول الذي حكم مصر في الفترة بين 1936 و1952.

كان الأهلي الفريق الأكثر نجاحا في أفريقيا، لكونه "نادي الشعب" الذي اجتمع على تشجيعه 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم العربي، لكن وصول حسني مبارك إلى السلطة عام 1981 جعل النادي أداة دعائية قوية لإذكاء الوطنية المصرية أو تعزيز شعبيته عشية الانتخابات.

وأشار الكاتب إلى أن أكثر الأمور التي أثارت استياء السلطات المصرية استعادة الأهلي مكانته التاريخية، باعتباره منذ تأسيسه فضاء للتعبير السياسي ضد قمع الدولة، حيث اجتاحت حركة ما تعرف بـ"جماهير الألتراس" مصر في أوائل العقد الأول من القرن الـ21 بفضل الإنترنت، وبعد ذلك أصبحت الهتافات والأحداث في المدرجات، وإخفاء الهوية، والاستقلال، والتضامن بين الأعضاء والتمويل الذاتي من العوامل التي تهيكل هذه الثقافة المضادة النابعة من كرة القدم.

وفي عام 2007 تم تشكيل مجموعة ألتراس أهلاوي، وفي بلد يحظر حرية التجمع والتظاهر تمكنت مجموعة المشجعين بسرعة من استقطاب نحو 5 آلاف شاب من الطبقتين الدنيا والمتوسطة.

البطاقة الحمراء للنظام

وفي مواجهة البطالة الجماعية والقيود الدينية والأسرية في المجتمع المصري تقدم مجموعة ألتراس نمط حياة معارضا يتميز بالحرية الفردية، وبما أنها لا تخضع لسلطة مبارك باتت هذه المجموعة تشكل تهديدا على النظام، وفي وسائل الإعلام كان يشار إليها وإلى نظيرتها من الزمالك "ألتراس وايت نايتس" على أن أفرادها من "مدمني المخدرات" أو "البلطجية الشيوعيين" أو "المنحرفين".

واعتبارا من عام 2008 تعرض شباب الألتراس لقمع عنيف من قبل الشرطة عبر الاعتقالات التعسفية والضرب بالهراوات في المدرجات والتفتيش المهين، مما تسبب في حدوث اشتباكات مع الشرطة بعد كثير من المباريات، ورغم ذلك القمع تجرأت الألتراس على تحدي الشرطة، وبذلك "كانت الألتراس أول مجموعة في مصر تتفاعل مع العنف وقمع وزارة الداخلية بالعنف" حسب أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة أشرف الشريف.

وكانت مجموعات الألتراس في القاهرة تندد بنظام حسني مبارك وتنشر رسوما متحركة مرئية تنتقد السلطات علنا، وفي أغسطس/آب 2010 شكلت مباراة الأهلي وكفر الشيخ نقطة تحول رئيسية، وذلك عندما وقعت اشتباكات بين ألتراس أهلاوي والشرطة أسفرت عن إصابة حوالي 20 ضابطا تم إجلاؤهم بسيارة إسعاف آنذاك، عندها أدرك الرأي العام المصري أن نظام مبارك الاستبدادي ليس محصنا.

وفي 25 يناير/كانون الثاني 2011 انطلق الربيع المصري بمظاهرات يوم الغضب الحاشدة المناهضة للسلطة، وقادت مجموعة "ألتراس وايت نايتس" موكبا يضم حوالي 10 آلاف شخص إلى ميدان التحرير، وانضم إليهم المعارضون ومجموعة ألتراس أهلاوي، وبفضل شجاعتهم في مواجهة عنف الشرطة أصبح أنصار الألتراس في نظر الثوار المصريين من الشخصيات البطولية في الحركة.

وفي 2 فبراير/شباط 2011 أرسل مبارك أتباعه "البلطجية" لطرد المتظاهرين من ميدان التحرير -فيما عرفت بموقعة الجمل- وأوقف مشجعو الأهلي والزمالك تنافسهم التاريخي لتوحيد قواهم والنجاح في صد هجوم أنصار مبارك الذين اقتحموا الميدان بالخيول والجمال.

ومنذ وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة في صيف 2013 قمع أي احتجاج اجتماعي بشكل عنيف وأصبحت المباريات تقام دون جمهور، وحُظرت التجمعات واعتُقل الأشخاص الذين يرتدون القمصان التي يكرمون بها مذبحة بورسعيد التي راح ضحيتها 72 شخصا من مشجعي النادي الأهلي، وذلك بهدف قمع الادعاءات المناهضة للسلطوية من قبل أنصار الأهلي والزمالك.

وفي مايو/أيار 2015 أمرت محكمة مصرية بتفكيك مجموعات الألتراس متهمة إياها بأنها "منظمات إرهابية"، ورضخ الجميع مع استمرار التجمعات غير المعلنة في المقاهي لمشاهدة المباريات، لتستمر حملة القمع ضدهم حتى أعلنت ألتراس أهلاوي ووايت نايتس رسميا عن حلهما ذاتيا في 2018.

 

وأكد الكاتب أن ثورة الألتراس المصرية "أشعلت النار" في شمال أفريقيا متحدية ما تعرضت له من قمع، وفي عام 2019 ثارت الجزائر ضد نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وبفضل قدرتها على التعبئة وثقافة الاحتجاج في الملاعب كانت مجموعة الألتراس الجزائرية من أبرز رؤوس المسيرات المناهضة للحكومة.

وفي المغرب نددت مجموعة الألتراس منذ نهاية عام 2019 بالفساد، وكان لنادي الرجاء البيضاوي -الذي أنشأه ناشطون مقاومون للاستعمار- تأثير كبير على الحركات الشعبية.

المصدر : ميديابارت

حول هذه القصة

فرقتهم الرياضة وجمعتهم السياسة والمذابح.. هكذا تابع رواد مواقع التواصل الاجتماعي توحّد جماهير كرة القدم المصرية -وخاصة جماهير القطبين الأهلي والزمالك- على قضية واحدة رغم اختلافهم الدائم الذي يصل حد التعصب والهجوم المتبادل.

يعد ألتراس الفيصلي ومجموعة وحداتي أبرز روابط المشجعين لكرة القدم في الأردن، ليس فقط لأنهما يشجعا قطبا الكرة الأردنية، وإنما لالتزامهما وللأنشطة الكثيرة التي ينظمانها، إضافة إلى الطريقة التي تميزهما في التشجيع بالمباريات.

المزيد من كرة قدم
الأكثر قراءة