ماذا لو لعب لامين جمال لمنتخب المغرب ومبابي للكاميرون وزيدان للجزائر؟

أثار حضور عدد من نجوم كرة القدم العالمية مباريات كأس أمم أفريقيا المقامة حاليا في المغرب اهتماما واسعا في وسائل الإعلام ومنصات التواصل، كما لفت انتباه جمهور كرة القدم عموما، لما يحمله هذا الحضور من دلالات تتجاوز مجرد المتابعة من المدرجات.
وخطف الأسطورة الفرنسية من أصول جزائرية زين الدين زيدان الأضواء خلال حضوره مباراة الجزائر والسودان، حاملا العلم الجزائري ومتفاعلا مع مجريات اللقاء، ولا سيما مع أداء نجله لوكا زيدان حارس مرمى "الخضر".

كما شكّل حضور نجوم المنتخب الفرنسي في الدوري الإسباني، كيليان مبابي وأوريلين تشواميني من أصول كاميرونية، وجول كوندي المنحدر من أصول بنينية، لمتابعة مباراة الكاميرون وكوت ديفوار، حدثا عالميا فتح باب التساؤلات: هل يعكس هذا الحضور حنينا وولاءً متجذرا للبلد الأصل؟ أم أنه جزء من مشهد تسويقي متبادل بين منظمي الحدث القاري ونجوم الكرة العالمية؟

الانتماء والذاكرة الأولى
يصعب الجزم بدافع واحد خلف هذه الظاهرة، غير أن المؤكد أن هؤلاء النجوم لا يمكنهم إنكار أصولهم أو قطع الصلة بموطنهم الأول، خاصة أنهم ينحدرون من قارة لم تنل بعد نصيبها العادل في خريطة كرة القدم العالمية، رغم ما تزخر به من مواهب. وقد شكّل هذا الواقع دافعا إضافيا للفخر بالانتماء، وترجمته عمليا من خلال مبادرات إنسانية وتنموية.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsفقد سارع عدد من نجوم الكرة العالمية ذوي الأصول الأفريقية إلى دعم بلدانهم الأصلية عبر إنشاء أكاديميات كروية ومساجد وملاعب ومدارس رياضية، من بينهم فريديريك عمر كانوتي وسيدو كيتا في مالي، وباتريس إيفرا والحاجي ضيوف في السنغال، وزيدان ورياض محرز في الجزائر، وأشرف حكيمي في المغرب، إلى جانب أسماء أخرى.

ماذا لو لعب لامين جمال للمغرب ومبابي للكاميرون وزيدان للجزائر؟
غير أن الجدل لا يقف عند حدود الحضور الرمزي أو الدعم المعنوي، بل يتجاوزه إلى فرضية أكثر عمقا: ماذا لو اختار عدد أكبر من هؤلاء النجوم، الذين مثّلوا منتخبات أوروبية، اللعب لمنتخبات بلدانهم الأصلية؟ هل كانوا سيحدثون الفارق المطلوب ويقودون منتخباتهم إلى قفزة نوعية؟ أم أن التجربة كانت ستنتهي بفشل مشترك للاعب والمنتخب؟ ومن يكون الخاسر الأكبر في هذه المعادلة: اللاعب أم منتخب بلده الأم؟

يطفو هذا التساؤل بقوة عند الحديث عن النجم الصاعد لامين جمال، ذي الأصول المغربية، الذي فضّل تمثيل إسبانيا، في مقابل تصريح مدرب "لا روخا" لويس دي لا فوينتي بأن إبراهيم دياز عبّر له صراحة عن رغبته في اللعب لمنتخب المغرب. وينسحب الأمر ذاته على أسماء أخرى، مثل كيليان مبابي مع الجزائر أو الكاميرون، وريان شرقي وكريم بنزيمة المنحدرين من أصول جزائرية.
قانون "جزر البهاماس" وتحوّل المعادلة
شكّل إقرار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عام 2009، خلال اجتماعه في جزر البهاماس، لقانون يتيح للاعبين مزدوجي الجنسية الذين مثّلوا منتخبات الفئات السنية تغيير جنسيتهم الرياضية قبل سن 21 عاما، نقطة تحول مفصلية في هذا الملف. ويُنسب الفضل في الدفع بهذا التعديل إلى محمد روراوة، الرئيس السابق للاتحاد الجزائري لكرة القدم، الذي دافع عنه بقوة داخل أروقة الفيفا.

وقد استغلت منتخبات مثل الجزائر والمغرب وتونس والسنغال هذا القانون لاستقطاب لاعبين محترفين في أوروبا، مما انعكس إيجابا على أدائها القاري والدولي، ووسّع في الوقت ذاته هامش الاختيار أمام اللاعبين.
تطور الكرة الأفريقية وبيئة الاحتراف
أسهم التطور الفني والتنظيمي لعدد من المنتخبات الأفريقية، مثل الجزائر والمغرب والسنغال وكوت ديفوار وغانا، في تعزيز قناعة لاعبين من أصول أفريقية نشؤوا في أوروبا بمشاريع منتخبات بلدانهم الأصلية. فاللاعب لا يبحث فقط عن قميص يمثل هويته، بل عن مشروع رياضي واضح، وبيئة احترافية آمنة، تضمن له الاستقرار الصحي والفني.
وقد رافق هذا التطور تحسن ملحوظ في تعامل العديد من الدول الأفريقية مع الرياضة عموما، وكرة القدم خصوصا، عبر الاستثمار في مراكز التكوين، واستقطاب الكفاءات الإدارية والطبية، وتوفير معاملة خاصة للمواهب القادمة من مدارس التكوين الأوروبية.
الاستقرار والتنافسية والعنصرية
لا يمكن إغفال أثر الاستقرار الأمني والاقتصادي في تغيير نظرة اللاعبين مزدوجي الجنسية إلى منتخبات القارة، فقد شكّلت الحروب والصراعات الداخلية سابقا عائقا حقيقيا أمام تمثيل المنتخبات الأفريقية، ودافعا لهجرة المواهب. أما اليوم، فقد أتاح تحسن الأوضاع الاقتصادية تخصيص ميزانيات أكبر لتطوير المنتخبات وتقديم حوافز مالية مجزية.
في المقابل، تبقى التنافسية الشديدة داخل المنتخبات الأوروبية عاملا حاسما في قرارات العديد من اللاعبين، إذ يدرك بعضهم محدودية فرصه في ظل وفرة الخيارات، فيختار تمثيل البلد الأم. بينما يفرض التفوق الفني أحيانا خيار المنتخبات الأوروبية على لاعبين من طراز عالٍ مثل مبابي وزيدان ولامين جمال.

كما لعبت بعض الممارسات ذات الطابع العنصري، سواء من مدربين أو إعلام، دورا غير مباشر في إعادة تشكيل قناعات بعض اللاعبين، كما حدث في قضايا مرتبطة بكريم بنزيمة أو زيدان نفسه.

بين النجاح والفشل: تجارب متباينة
يستشهد البعض بتجربة زين الدين زيدان ليؤكد أن اختياره تمثيل فرنسا كان صائبا، في ظل الظروف الأمنية والرياضية الصعبة التي عاشتها الجزائر خلال التسعينيات. فحتى نجم بحجم زيدان لم يكن قادرا، بمفرده، على تغيير واقع منتخب يفتقر إلى الاستقرار والبنية التنافسية.

في المقابل، تؤكد تجارب ناجحة عديدة، مثل رياض محرز مع الجزائر، وأشرف حكيمي وإبراهيم دياز مع المغرب، أن اختيار تمثيل البلد الأصلي قد يكون مكسبا للطرفين، فقد أسهم هؤلاء اللاعبون في إنجازات تاريخية، وارتفعت قيمتهم السوقية، وحضروا في أكبر المحافل القارية والعالمية.

فرضيات مفتوحة ومستقبل واعد
تبقى فرضية نجاح أو فشل كيليان مبابي مع الجزائر أو الكاميرون، أو لامين جمال مع المغرب، مجرد افتراضات يصعب الحسم فيها، غير أن المؤكد أن المنتخبات كانت ستستفيد فنيا وتنافسيا من حضور هذه الأسماء، في وقت باتت فيه منتخبات أفريقية عدة تضم نجوما عالميين لا يقلون جودة عن نظرائهم الأوروبيين.

وتشير تجارب منتخبات مثل فرنسا وبلجيكا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال، التي استفادت من مخزون المواهب ذات الأصول الأفريقية، إلى أن القارة السمراء تمتلك المقومات البشرية القادرة على قلب موازين الكرة العالمية. وإذا ما نجحت المنتخبات الأفريقية في الجمع بين "صيد المواهب" والتكوين المحلي، فقد لا يكون تتويج منتخب أفريقي بكأس العالم حلما بعيد المنال.

