كأس العالم

جدول مباريات

في الأردن.. رياضة اللجوء بعيدة عن طريق المرمى

أطفال لاجئين من عدَّة جنسيات يلعبون كرة القدم ويتابعهم لاجئ صومالي
أطفال لاجئون يحاولون البحث عن مستقبل أفضل من خلال الرياضة (الجزيرة)

عمّان- قد يصحو اللاجئون يوما ما ويسمعون بقرار دولي يقضي إنشاء دولة خاصة لهم يكون عدد سكانها 100 مليون وترتيبها الـ20 على العالم من حيث السكان، ويُختار علم لها ألوانه مستوحاة من مآسي ومعاناة شعبها، ويُحدَّد مكان ما للعيش فيه، فقد يقبلون حتى بالقطب الجنوبي أو الشمالي، ورغم البرودة فإنه سيكون دافئا جدا عليهم وسيمارسون فيه مختلف أنواع الرياضات.

في أمنيات اللاجئين بالأردن كثير من الأمل والطموح، بينها أن يصبح لهم فريق كرة قدم في مونديال قطر 2022، وإن تحققت -كما حصل في الألعاب الأولمبية مرتين والألعاب البارالمبية أيضا- فسيكون هذا المونديال القطري والعربي والعالمي استثنائيا وإنسانيا، ومن خلال هذا الحدث العالمي يُسلط الضوء على معاناة اللاجئين.

لكن ما الذي يمنع ذلك؟

غادر أكثر من 82 مليون شخص حول العالم بلادهم قسرا ووصلوا إلى بقاع جديدة، بحسب أرقام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ولأسباب متعددة، استقبل منهم الأردن أكثر من 3 ملايين و700 ألف ومن أكثر من 53 جنسية يعيشون تحت مسمى "لاجئ"، بينهم نحو 67 ألف لاجئ عراقي، ونحو 14 ألف لاجئ يمني، و6 آلاف لاجئ سوداني، و719 ألف لاجئ صومالي، يسكن القسم الكبير منهم في المخيمات والأحياء الفقيرة، لكنهم يواجهون ظروفا قاسية قلّصت فرص إبداعهم وتفوقهم بالرياضة، فأولويتهم هي العيش بكرامة بعد أن عانوا من ضنك العيش وصعوبة الحصول على قوت يومهم.

نزور مخيمات اللاجئين في العاصمة عمّان وعدد من المحافظات الأردنية، لنتعرف على قصص لاجئين من مختلف الأعمار يحاولون ممارسة الرياضة لساعات محددة، ويبحثون عن أمل بفرصة للتألق والوصول إلى الألعاب الدولية والإقليمية او حتى على أقل تقدير الانتساب لنادٍ أردني أو فريق يأخذ بيدهم إلى العالمية رغم أن الفرص شحيحة جدا، بل تكاد تكون معدومة.

وينتشر اللاجئون في مختلف مناطق الأردن، وبعضهم يقيمون في المخيمات، ويعملون طوال النهار، ولكن بعضهم يجدون في ساعات المساء وأيام الجمعة متنفسا لممارسة كرة القدم في أماكن ممنوعة أو في ساحات المدارس المفتوحة، ومنهم من استغلوا قطعة أرض ليجمعوا الرفاق ويلعبوا مباراة، وآخرون يقتطعون جزءا من مدخولهم لحجز ملعب يجعله يعيش متعة اللعب في مكان مضاء وعلى عشب صناعي أخضر وملعب مخطط باللون الأبيض.

أحد هؤلاء اللاجئين السوداني أبو بكر النوبي الذي أمضى 40 عاما من عمره كلاجئ في الأردن، يعرفه أهل الحي جميعا، لم يستطع هو أو أحد من أبنائه ممارسة الرياضة كما تفعل شعوب الأرض في أوطانها، فما يعنيه ألا يخالف القوانين والأنظمة القائمة، وأن يحصل على قوت يومه، أما الرياضة فهي ثانوية في حياته وحياة عائلته.

أبو بكر النوبي من السودان 40 عاما من اللجوء بلا رياضة أو رغبة بها
أبو بكر النوبي: الرياضة ليست أولوية ولا من ضرورات الحياة (الجزيرة)

ويقول النوبي "إنني موجود في الأردن منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولم أمارس الرياضة إلا قليلا أيام الشباب، عدد من أصدقائي ورفاقي وأبنائهم يتجمعون مساء في ساحة ترابية ويلعبون كرة القدم".

ويضيف أن الساحة عُبّدت وأعيد استغلالها كموقف للسيارات ويمكن اللعب فيها مساء بعد أن تفرغ من المركبات، لكن ليس من ضرورات الحياة له ممارسة الرياضة بانتظام.

وإلى الساحة توجهنا حيث يوجد فيها عدد من الأطفال اللاجئين من جنسيات صومالية ويمنية ونيجيرية وسودانية، ووجدت مجموعات من الأطفال لا تتعدى أعمارهم الـ15 عاما في هذه الساحة مكانا للعب كرة القدم بكرة بالية لا هواء فيها.

حلم بمستقبل أفضل يصطدم بواقع مزرٍ

وعند مدخل الساحة يجلس لاجئ صومالي قال إن لغته العربية صعبة ولا يستطيع التحدث بها، ولكن فهمنا أنه موجود في الأردن منذ 9 سنوات، لكنه لا يلعب كرة القدم ويكتفي بمشاهدة أقرانه يلعبون.

بدوره، يقول عبد الرحمن القاعد (طالب في المرحلة الثانوية العامة بأحد مخيمات اللاجئين السوريين شرقي الأردن) إن ممارسة الرياضة كانت قبل جائحة كورونا في ملاعب أنشأتها منظمات دولية عاملة في المخيمات، لكنها توقفت منذ بدء الجائحة، وما زالت متوقفة حتى اليوم.

ويؤكد أن الفرص نادرة وشحيحة في ممارسة الرياضة، وأشار إلى نجاحات حققها لاجئون في مجال الرياضة، فمنهم من حصل على شهادات تدريب من نادي تشلسي، وآخر كان من بين 11 لاجئا اختيروا للعب في البرازيل من مخيم الزعتري.

في المقابل، لا يفكر علي علوش (30 عاما) -وهو سوري لاجئ، لكنه لا يقيم في مخيمات اللاجئين- مطلقا بالرياضة لأن هناك ما هو أهم من ذلك، فاللجوء "قرار قسري وتصبح الحياة معه أصعب، والحصول على الفرص يحتاج إلى جهد ومال، وهنا لا يمكن المغامرة بأي دولار إلا في مكان إنفاقه الصحيح، فالأيام لم تبح بكل مآسيها بعد لنا كلاجئين"، بحسب علوش.

ويضيف أنه قدم إلى الأردن منذ 2012، أي مع بدايات اللجوء، لكنه يتنقل في العمل ولا يلبي دعوة أصدقائه عندما يتفقون على حجز ملعب لممارسة كرة القدم أو أي نوع من الرياضة الأخرى، وهذه قصة "تنطبق على أخواتي الإناث وتكاد تنطبق على كل اللاجئين، فأهدافهم في الحياة تتغير كثيرا ويصبح ما هو حق طبيعي ممنوعا الوصول إليه بسبب الظروف الجديدة".

بدورها، ترى الخبيرة القانونية في المركز الوطني لحقوق الإنسان الدكتورة نهلا المومني أن المنظومة العامة في مجال حقوق الإنسان أقرت بحق الإنسان في أعلى مستوى صحي وعقلي يمكن بلوغه.

وأكدت المومني حق الإنسان في الترفيه وقضاء أوقات الفراغ، ولا يخفى على أحد أن الاتفاقيات الدولية أولت الرياضة أهمية كبيرة واعتبرتها من أدوات وصول الإنسان إلى العيش بصحة عقلية وجسدية ونفسية متكاملة.

ولفتت إلى أن اتفاقية حقوق اللاجئين لم تنص صراحة على الحق في الرياضة للاجئين بشكل صريح ومباشر، وهو الأمر الذي يشكل فراغا تشريعيا دوليا في الاتفاقية المتخصصة بهذه الفئة.

وأشارت المومني إلى أن اللجنة الأولمبية الدولية وفي الميثاق الدولي الأولمبي أكدت أن "ممارسة الرياضة حق من حقوق الإنسان، ويجب أن تتاح لكل فرد إمكانية ممارسة الرياضة دون تمييز من أي نوع، وأن تسخّر الرياضة لتعزيز مجتمع سلمي يهتم بالحفاظ على الكرامة البشرية".

وقالت الخبيرة القانونية إن منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم (يونسكو) أكدت أن التربية البدنية حق أساسي للجميع دون تمييز، ودورها في التنمية والسلام، خاصة في فترة ما بعد النزاعات.

وأشارت إلى أن مفوضية شؤون اللاجئين تعهدت بتشجيع وضمان وصول جميع اللاجئين دون تمييز إلى مرافق رياضية آمنة وشاملة، وتشجيعهم على الوصول إلى المسابقات الرياضية، وزيادة توفير الرياضات والمبادرات الرياضية المنظمة، مع مراعاة العمر ونوع الجنس وأي احتياجات أخرى.

وبينت أن المعايير الدولية لحقوق الانسان سالفة الذكر تؤكد أن الرياضة حق للجميع، علما بأن اللاجئين هم إحدى الفئات التي توجد في المجتمعات، والتي يجب أن تتمتع بالحق في الرياضة وممارستها، بما في ذلك المشاركة في الفرق الرياضية على اختلافها، أو تشكيل فرق خاصة بهم والمشاركة في المسابقات الرياضية المختلفة.

وختمت المومني بأن أولمبياد طوكيو يعد مثالا واضحا على أن اللاجئين يمتلكون إمكانيات يمكن استثمارها وتحفيزها، مما يضمن زيادة أواصر التفاهم والتسامح بين شعوب العالم، مع التأكيد على أن النساء اللاجئات يواجهن صعوبات مضاعفة في ما يتعلق بانخراطهن في ممارسة الرياضة بحكم الظروف المحيطة والبيئات المحافظة لمجتمع اللاجئين وعدم توفر الأماكن اللازمة أيضا.

وأظهر تقرير أصدرته اليونيسيف مؤخرا أن الرياضة تحسّن التحصيل العلمي لدى الأطفال وتنمي مهاراتهم، بما في ذلك التمكين والقيادة واحترام الذات، وهذا يسهم في تحسين رفاه الأطفال وآفاقهم المستقبلية.

وفي 15 سبتمبر/أيلول 2018 افتتح رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم الأمير علي بن الحسين ملعبين في مخيم الزعتري للاجئين السوريين، وقال -وقتها- إن "الأطفال عند دخولهم إلى هذه الملاعب سيمتلكون الجرأة ليعيشوا أحلامهم الكبيرة، فهم لاعبو كرة قدم، وهم حكام، ومشجعون".

لاجئون في الأردن- كرة القدم بين الأيدي صورة حاصة بمعد التقرير
اليونيسيف: الرياضة تحسّن التحصيل العلمي لدى الأطفال وتنمي مهاراتهم (الجزيرة)

وأضاف أن ممارسة كرة القدم ستتيح الفرصة أمام الأطفال لقضاء أوقات ممتعة يتعلمون من خلالها اللعب ضمن فريق واحد، وفي نهاية المطاف حياتهم ستتغير إلى ما هو أبعد من صفارة الحكم الأخيرة في أي مباراة.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 افتتح الملعب النرويجي لكرة القدم للإناث في مخيم الزعتري كمنحة مقدمة من الحكومة النرويجية للشباب والشابات السوريين، والذين يمثلون أكثر من 50% من سكان مخيم الزعتري.

واستمرت أنشطة كرة القدم للفتيات السوريات وكذلك المدربات المقيمات في الزعتري، واللواتي تم تأهيلهن من قبل مدربين ومدربات من الأردن وأوروبا، وقال وقتها وزير الخارجية النرويجي إن "هذا الملعب لا يمكنه إزالة المشقة التي يمر ويشعر بها اللاجئون واللاجئات، ولكني آمل أن يمنحهم الحافز على المستويين الاجتماعي والشخصي".

وللمرة الثانية شارك الفريق الأولمبي للاجئين في أولمبياد طوكيو 2020 والتي تأجلت للعام الماضي، وأعلن عن الفريق للمرة اﻷولى في 2015 وشارك في أولمبياد "ريو 2016″، وضم الفريق في طوكيو حوالي 29 رياضيا.

وفي 2016 وافق المجلس التنفيذي للجنة الأولمبية الدولية على إنشاء الفريق واختير 43 مرشحا، تبقى منهم 10 رياضيين في القائمة النهائية للمشاركة في أولمبياد ريو، وحصل جميع الرياضيين على وضع لاجئ من قبل الأمم المتحدة.

ومثّل الرياضيون العشرة (سباحان، ولاعبا جودو، و5 عدائين) الفريق الأولمبي للاجئين في "ريو"، فاز اثنان منهم، واحتفى الجميع بإنجازهما باعتباره مكسبا لقوة الرياضة.

واحتفل اللاجئون البارالمبيون أيضا بإنجاز مشاركتهم على المسرح العالمي لأولمبياد "طوكيو 2020″، وبعثوا رسالة أمل ووحدة إلى أكثر من 80 مليون لاجئ ونازح حول العالم، بينهم 12 مليونا من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وقالت علياء عيسى -وهي أول أنثى تنضم إلى الفريق- إن "الحدث بأكمله تجربة رائعة بالنسبة لي، فريق اللاجئين ليس مجرد فريق، بل إنهم عائلة تحاول توحيد جميع اللاجئين في جميع أنحاء العالم".

وتغلّب الفريق البارالمبي للاجئين -الذي غالبا ما يشار إليه خلال الألعاب على أنه "الفريق الرياضي الأكثر شجاعة" والمكون من 6 أعضاء- على عقبات كثيرة للوصول إلى طوكيو، بما في ذلك تجربة الفرار من الحروب أو الاضطهاد والتي تكون في كثير من الأحيان مؤلمة، ومحاولة التكيف مع الحياة في مجتمعات جديدة.

وعلى الرغم من أنهم لم يفوزوا بأي ميدالية فإن مثابرة الفريق كانت تبعث على الإلهام.

وبعد كل ما كتب وسيكتب لا يزال اللاجئون بحاجة لإدماجهم في العالم بعد الألم الذي لحق بهم، على أمل أن يكون الفريق القادم مشاركا بكأس العالم ومختلف البطولات القارية والدولية، فهي مناسبات تضع قضايا اللاجئين وهمومهم أمام عين كل متابع ومشاهد ومهتم.

* الفائز بمسابقة أفضل مقال رياضي التي نظمها معهد الجزيرة للإعلام

المصدر : الجزيرة