خطأ واحد يساوي النهاية.. الحياة من منظور حارس مرمى

دورة كاملة حول الكرة الأرضية تُفتِّش خلالها بين الأزقة والشوارع الضيقة، مع مختلف الشعوب والثقافات، ستجد كرة صغيرة تتدحرج بواسطة مجموعة من الأطفال، يقضون وقتا من السحر الذي تُضفيه المستديرة أينما حلَّت، في مجموعات صغيرة يدركون لأول مرة كيفية العمل فريقا، لا يُعكِّر صفو جماعتهم سوى كلمات تُوَجَّه لأحدهم تعني أن فصلا من المتعة قد انتهى ليحل الملل محله لبعض الوقت. هي ليست عقوبة، ولم يسمع نداء أمه تخبره بأن وقت اللعب قد انتهى، فقط قد حان دوره للوقوف حارسَ مرمى.
في الشارع ستستعرض مرارا فشلك الذريع في حراسة المرمى حتى تهرب منها، ولكنك ستنفي ذلك كليا بمجرد أن تحتسب ركلة جزاء على فريقك، ستسارع بدفع الجميع وأخذ مكانك بين حجرين يُمثِّلان قائمين. هل تعلم لماذا؟ لأننا نحب دور البطولة ولحظات الظهور، بينما نكره الوقوف بعيدا عن مجرى الأحداث، تماما كما يفعل حارس المرمى في أغلب الوقت حتى تقترب منه الكرة معلنة خطرا سيمنحه الفرصة لفعل شيء ذي قيمة.


في الشارع نلعب نظير المتعة، لا يوجد أجر سواها، لذا فلا شيء يستدعي الصبر على الوقوف بعيدا عنها، وبينما هي تجري أنت عاجز في الجهة المقابلة ولا تستطيع أخذ نصيبك منها. هذه المفاهيم تبدأ معنا منذ الصغر وترتبط ارتباطا وثيقا بكرة القدم التي نشاهدها في التلفاز، لذلك حينما نبدأ في متابعتها بشغف ومشاهدة مبارياتها أسبوعيا نتحلَّى بالنظرة ذاتها، حتى وإن تغيرت مع النضج والتقدم في العمر، فإنها تسيطر أحيانا، خاصة مع ميل جماهير اللعبة للتعامل معها بالشغف الطفولي نفسه، ودون رغبة في ملء الرؤوس بأرقام وإحصائيات لا يفهمونها، نظرا لكونها لا تعني شيئا بالنسبة لهم.
أحدهم في الماضي امتلك نظرة فلسفية عن وقوف حارس المرمى في الجهة المقابلة للمتعة، وذلك لأنه فيلسوف؛ إنه ألبير كامو الحاصل على جائزة نوبل وأحد أهم فلاسفة الوجود في القرن العشرين. كامو كان شغوفا بكرة القدم، واتخذ منها منظورا يرى الحياة من خلاله، حتى بعدما تركها تماما بفعل الفقر ثم المرض، وظهر ذلك في مؤلفاته وفي حديثه الدائم عنها، الشغف الذي وصل به إلى إرجاع الفضل لها في كل ما يعرفه عن الأخلاق، ونعت مَن يكرهونها بالأغبياء. (1)
كامو بدأ حياته مع كرة القدم في الشارع مثلنا تماما، وكان يحب اللعب مهاجما كما يحب الجميع تسجيل الأهداف والانطلاق محتفلا، ولكن الفقر حرمه من تلك المتعة، حيث إن تسجيل الأهداف يتطلَّب ركلا عنيفا مستمرا للكرة، ما يُكلِّفه تلف الأحذية وعدم القدرة على شراء غيرها، لتأمره جدته بالاستمرار في ممارسة الكرة ولكن كونه حارس مرمى، حيث لا يتلف شيئا.
Did you know that Albert Camus – the great French writer/philosopher – might have been a professional soccer player (goalkeeper) if not for a tuberculosis ending his career at the age of 17? #albertcamus #camus #existentialcrisis #soccer #philosophy pic.twitter.com/3y0p016rOj
— Waves&Archives (@Waves_Archives) April 11, 2018
الفيلسوف لا يمتلك نظرة العامة للأمور، ولكنه اتفق معهم في كون منظور حارس المرمى عن المتعة مختلفا، وبدلا من أن يرى فيه مللا، رأى فيه نموذجا مُصغَّرا للحياة التي تسير حول غاية واحدة وهي التأمل، فاستشفَّ ذلك من الوقوف مراقبا للأحداث، وتعلَّم أن الحياة لا تأتي دائما كما نتوقع، لذا تحتاج إلى تركيز دائم وسرعة بديهة. هذه النظرة ساعدت كامو على التعامل مع الحياة بشكل مغاير، وساعدتنا نحن على معرفة أن دور حارس المرمى يتجاوز التصدي لكرة أو اثنتين في المباراة، مقابل ممارسة اللا شيء لمدة 90 دقيقة ينتظر فيها هاتين اللقطتين. (2)

لديك تجربة بسيطة بإمكانك تجربتها الآن، وغالبا قد قمت بها من قبل كثيرا، تلك التي استخدمت خلالها يوتيوب للبحث عن أكثر10 أخطاء مضحكة لحُرَّاس المرمى، وبمجرد أن أدخلت هذه العبارة إلى محركات البحث انهالت عليك مقاطع الفيديو الساخرة من هؤلاء الحمقى الذين لا يستطيعون التحكُّم في الكرة، بينما إذا أجريت المحاولة ذاتها مع استبدال كلمة حارس مرمى بمهاجم أو لاعب وسط فإنك على الأرجح لن تجد شيئا.
ما السبب في ذلك؟ الضحك بالطبع، ولكن ما الذي يجعلك تضحك على خطأ حارس المرمى في مقابل أنك لا تفعل الأمر نفسه مع بقية اللاعبين؟ ببساطة لأن حارس المرمى غالبا يكون صاحب الدور الأهم، وبناء عليه فإن خطأه يتسبَّب غالبا في كارثة، ولا يمكن أن يمر بدون مأساة إلا في حالات نادرة، بينما تمر كثير من الأخطاء في مواقع أخرى من الملعب دون نتائج سلبية. لحظة، وما علاقة الضحك بالمأساة؟
في الحقيقة الضحك ما هو إلا مأساة يختلف حجمها وتأثيرها ليس إلا، فهناك مأساة أن يتعثر أمامك أحد الأشخاص ويسقط فتتسخ ملابسه، وأخرى تقذف فيها بطاقة الشحن من نافذة السيارة قبل أن تُدخل الرقم، وهناك ما يتجاوز هذه المرحلة وصولا إلى وفاة البعض وأنت تشاهد وتضحك. إن لم تُصدِّق ذلك فراقب مواقع التواصل الاجتماعي في النصف الأول من 2020، ستجد مقاطع الرقص بالتابوت الشهيرة أكثر ما يُثير السخرية والضحك بين رواد فيسبوك وتويتر.

في هذا الصدد تأتي دراسة بيتر ماك غرو الأستاذ في جامعة كولورادو، التي وصلت به إلى نظرية تُقسِّم المآسي إلى نوعين؛ صغيرة وكبيرة. بمثال بسيط، فإذا ضغطت على رقم خاطئ قادك للتبرع بدولار واحد إلى جمعية تنمية بذور المشمش في أحد البلدان، فهذه مأساة بسيطة ستتبعها بالضحك في الحال، ولكنك مع مرور الوقت لن تتذكَّرها، أما إذا قمت بالتبرع للجمعية ذاتها عن طريق الخطأ بـ 10 آلاف دولار، فإن ذلك سيُمثِّل صدمة بالنسبة لك في وقتها قد تتبعها موجات غضب، ولكن مع الوقت، ستتذكَّر الأمر بشيء من الفكاهة. الخلاصة؛ المأساة الصغرى فكاهة قريبة المدى، أما الكبرى فإنها فكاهة بعيدة المدى. (3)
لذلك، فإن خطأ حارس المرمى الذي يكون جسيما ويتسبَّب في هدف قد يهدر نقاط مباراة أو ربما بطولة مهمة هو مأساة كبيرة في عالم كرة القدم، وحين تأتي أبرز هذه الأخطاء التي مَرَّ عليها سنوات في صورة مقطع فيديو مُجمَّع، فإنها ستقودك إلى الضحك غالبا، بينما لن يحدث التأثير ذاته في حال سقط مدافعا وخرجت الكرة من تحت أقدامه إلى رمية تماس مثلا. قبل أن تُذكِّرنا بانزلاق جيرارد الشهير الذي أضاع حلم البريميرليغ على ليفربول في 2014 تذكَّر أننا نتحدث عن القاعدة العامة، وأنه كم من لاعب وسط انزلق قبله وبعده ولم يحدث شيء، بينما مع الحُرَّاس، فمن المستحيل ألا يحدث شيء. (4)
بالعودة إلى دراسة ماك غرو، فإن المسافات تتحكَّم أيضا في رد الفعل تجاه المأساة، حيث إنك تميل للضحك على مآسي مَن يبعدون عنك بمسافات كبرى أكثر من القريبين. لذلك، فإنه حين يُخطئ حارس مرمى فريقك فلن يكون رد الفعل مثل خطأ حارس مرمى الخصم، وهذا وذاك لن يكونا أبدا مثل خطأ حارس محايد أو آخر لا تعرفه وشاهدت له مقطعا بالمصادفة. الفكرة التي فسَّرها الكوميديان الأميركي ميل بروكس من خلال مقولته الشهيرة: "إن جُرِحَ إصبعي فهذه مأساة، أما إذا سقطت أنت في حفرة وتوفيت فإن ذلك شيء مضحك للغاية". (5)(6)

هناك الكثير من الحالات التي قادها خطأ واحد إلى الهاوية، جو هارت كان الحارس الأول لمانشستر سيتي ومنتخب إنجلترا حتى ما قبل يورو 2016، ولكن الأخطاء التي ارتكبها في تلك البطولة قادته إلى طريق اللا عودة. الأمر ذاته حدث قبلها بـ 8 سنوات مع بول روبينسون في مباراة لإنجلترا أمام كرواتيا، حين أفلتت الكرة من تحت قدمه بعد تمريرة من غاري نيفيل، ليركل الهواء، وتدخل الكرة في الشباك، ويخسر الإنجليز، وتنطلق موجات السخرية من الحارس الأول لتوتنهام ومنتخب الأسود الثلاثة وقتها، ليقوده ذلك إلى مجموعة من الأخطاء غير المبررة التي أنهت مسيرته عمليا. (7)
هذه الحالات لم تنتهِ عقب ارتكاب الخطأ مباشرة، بل قادها الخطأ إلى سلسلة من الأخطاء التي أدَّت إلى تراجع المردود، ومنه إلى جزيرة النهاية التي لا عودة منها. قد يبدو الأمر غريبا بعض الشيء، فكيف لحارس موهوب يُقدِّم أداء جيدا لسنوات أن ينخفض مستواه هكذا ولا ينجح في استعادته. إذا أردت إجابة، فابحث في علم النفس.
وفقا للمختص في علم النفس الرياضي فيل جونسون، الذي سبق له العمل مع عدة أندية أوروبية، فإن الخوف من تكرار الخطأ يؤدي إلى تكراره، حيث إن أدمغة البشر تُركِّز على الشيء الذي يُفكِّر المرء في الهرب منه، فحين تُخطئ خطأ كارثيا وتضع في رأسك أنني لن أُكرِّر هذا الخطأ من جديد، وتُسيطر هذه الفكرة عليك، فإنك ستُكرِّره لا محالة. الأمر يُشبه أن تتزلّج على قمة جبل بمفردك وأمامك شجرة على بُعد كيلومتر، ستُردِّد بداخلك: "لن أصطدم بالشجرة"، "لن أصطدم بالشجرة"، حتى إذا وصلت لها اصطدمت بها بالفعل. الدماغ يُركِّز على الشيء الذي تريد تجنُّبه أكثر من اللازم، مما يؤدي إلى حدوثه. (8)
في بداية موسم 2020، تعرَّض تيبو كورتوا لحملات سخرية من أغلب متابعي الكرة، وصافرات استهجان متلاحقة من جماهير ريال مدريد، حتى إن بعض الأخبار تحدَّثت عن تفكير ريال مدريد في عرضه على طبيب نفسي قبل أن يُنفَى الأمر من النادي، وما إن اقتربنا من النصف الثاني من الموسم نفسه، حتى أصبح كورتوا أحد أفضل حُرَّاس أوروبا هذا الموسم. باستخدام نظرية جونسون فإن ما أدَّى إلى انحدار مستوى كورتوا وإلى ارتفاع نسقه بشكل مفاجئ هو الشيء نفسه؛ لقطة كارثية تأخذ عقله أسيرا فيظل يُكرِّرها، وتحت سخرية الجماهير تصبح الأمور أشد وطأة، ثم لقطة إعجازية تُحفِّزه فيظل يُكرِّرها، وأمام تصفيقات الجماهير يصبح الحافز أكبر كذلك، ولكن ماذا إن لم تأتِ اللقطة الإعجازية التي تقلب الموازين؟ لا شيء، تصبح ضحكات الجمهور قاتلة وتأتي النهاية المأساوية ناتجا لخطأ سخيف، تماما كما حدث مع روبينسون وهارت وآخرين. (9)
✈️ AIR COURTOIS!#RMFansEnCasa | @thibautcourtois pic.twitter.com/JBPJDHNb22
— Real Madrid C.F. 🇬🇧🇺🇸 (@realmadriden) April 28, 2020

في علم النفس أيضا، يبدو التجاهل حلًّا للكثير من المشكلات، فمثلا لو أهدر لاعب ركلة جزاء في وقت حساس فمن الممكن أن يتجنَّب تسديد ركلات الجزاء لفترة حتى يتعافى من الأثر السلبي، بحيث لا يُوضع في الموقف نفسه فتتكرَّر معضلة "لن أصطدم بالشجرة" حتى يصطدم بها من جديد. (10)
ولكن إذا تمكَّن اللاعب من الابتعاد عن تسديد ركلات الجزاء، فماذا سيفعل حارس المرمى؟ للأسف لا يوجد لديه مفر من تكرار الوقوف بين الخشبات الثلاثة مواجها الكابوس نفسه الذي يحاول الفرار منه، وفي كل مرة سيخونه فيها الحظ سيتضاعف الكابوس حتى تستمر السلسلة إلى جزيرة النهاية، وهكذا تدور الدائرة.
بالعودة لجونسون، وبتطبيق دراسته على حالة كاريوس في نهائي دوري أبطال أوروبا 2018، فإن الحارس الألماني بدا مهزوزا منذ بداية المباراة، وبمجرد أن جاء الخطأ الأول الذي منح فيه هدف التقدُّم لبنزيما، فقد السيطرة على كل شيء، وباتت كل كرة قادمة نحوه تُذكِّره بكابوس محتمل، حتى أصبحت حياته فيما بعد النهائي الكارثي عبارة عن سلسلة من الأخطاء الكوميدية التي لا تنتهي أبدا، والتي كلما تعالت معها ضحكات الجماهير، صُوِّبت سهام جديدة نحوه تُعزِّز فرصه في الذهاب إلى جزيرة اللا عودة الملعونة. (11)
في حال أضاع مهاجم انفرادا وتسبَّب حارس مرمى في هدف كارثي فإن مُحصِّلة ما قام به كلاهما واحد، ولكن الفارق أن الجميع سيُحمِّل الحارس مسؤولية الخسارة دونا عن المهاجم. المسافة بين خطأ الحارس والكارثة أقصر بكثير بينها وبين خطأ الآخرين، وبالعودة إلى طفولة الشارع، لن تتحمل بالطبع نظرات لوم الأصدقاء حين تسقط الكرة من يديك، على الأرجح هذا تفسير إضافي لامتعاضك حين يأتي دورك في حراسة المرمى، فبالقدر الذي نعشق به لحظات البطولة، نكره نظرات اللوم القاتلة.
_____________________________________________________________________________________
المصادر
- حديث ألبير كامو عن كرة القدم
- قصة ألبير كامو مع كرة القدم
- بيتر ماك غرو والعلاقة بين الضحك والمأساة
- ليفربول يخسر دوري 2014 بسبب انزلاق جيرارد
- المسافات والضحك.. دراسة ماك غرو
- نظرة ميل بروكس حول الكوميديا
- خطأ واحد: لماذا تعتمد سمعة حراس المرمى على لقطة – فور فور تو
- المختص في علم النفس الرياضي فيل جونسون يفسر تكرار أخطاء حراس المرمى الكوميدية
- كيف استعاد كورتوا مستواه من خلال التحدي الشخصي – آس
- الفارق بين خطأ المهاجم وخطأ حارس المرمى
- لماذا انتهت مسيرة كاريوس عمليًا بسبب خطأ واحد؟
