الدوري الأميركي.. أقوى دوري في العالم!

لهاتين الواقعتين قيمة مهمة في تأريخ العقدين الأخيرين من كرة القدم بالولايات المتحدة. فمع كأس العالم، ارتفعت نسبة متابعة اللعبة. وبلغ عدد حضور نهائي كأس الولايات المتحدة في هذا العام 61 ألف مشجع في ملعب جيليت. وتغيرت بعد قوانين اللعبة في البلاد لتوافق قواعد الفيفا. فأُلغي مثلاً قانون البدلاء الأربعة، حيث كان يتيح القانون الأميركي للعبة وجود تغيير رابع لحارس المرمى بعد التغييرات الثلاثة المعروفة. وقبل كأس العالم 2006، أصبح لدى الولايات المتحدة لاعبين محليين محترفين في أوروبا. وعلى رأسهم الحارس المخضرم تيم هاوارد، الذي انتقل إلى مانشستر يونايتد. وكذلك لوندون دونوفان الذي ذهب إلى البوندزليغا حيث بايرليفركوزن، وداماركوس بيزلي الذي أُعير إلى أيندهوفن الهولندي ثم إلى مانشستر سيتي. بعبارة أخرى، عرف العالم أن هناك ما يسمى بـ "لاعب كرة قدم أميركي".
في عام 2007، دخل تعديل على قوانين التعاقدات في الولايات المتحدة، بحيث أصبح مسموحًا للأندية بإنفاق مبالغ أكبر من أجل التعاقدات مع اللاعبين. وهو ما يُعرف بـالـ "Designated Player Rule" أو عُرف إعلاميًا بقانون ديفيد بيكهام. في عام 2006 كان الحد الأقصى للراتب السنوي للاعب كرة القدم هو 1.9 مليون دولار، وارتفع في 2007 إلى 2.1 مليون ثم 2.3 في عام 2008. بعد صدور القانون، أصبح من حق كل نادٍ أن يتعاقد مع عدد محدود من اللاعبين براتب يتجاوز الحد الأقصى. وكان بيكهام هو أول هؤلاء، عندما وقع مع إل أي غلاكسي براتب سنوي قيمته 6.5 مليون دولار.

فتح انتقال بيكهام الباب من أجل انتقال المزيد(2) من اللاعبين الأوروبيين الكبار دوري كرة القدم بالولايات المتحدة ( MLS) ومنذ ذلك الحين أصبحت أسماء بعض الأندية الأميركية معروفة للمشجع العادي لكرة القدم. عرف المشجع أن تيري هنري يلعب في نادي نيويورك ريد بولز، وأن ديفيد فيا وفرانك لامبارد وبيرلو يلعبون في نادي نيويورك سيتي، وأن كاكا في أورلاندو سيتي. وعرفوا انتقال دروغبا إلى مونتريال إمباكت، وانتقال جيرارد وأشلي كول إلى لوس أنجلوس غلاكسي.
في هذه الحمى الصحفية لتغطية أخبار هؤلاء في الولايات المتحدة، قد يظن البعض أن هذه هي الحقبة الذهبية للانتقالات هناك. غير أن الحقبة الذهبية أقدم من ذلك بكثير. وتعود إلى ما يُعرف بـ "دوري أميركا الشمالية" أو الـ (NASL)، وهي البطولة(3) التي استمرت سنويًا بين أعوام 1968 -1984. وإن امتلك الـ (MLS) في السنوات العشرة الأخيرة خيرة لاعبي هذا الجيل، فإن الـ (NASL) قد امتلك بعض أعظم لاعبي كرة القدم عبر تاريخها!
تقلَّصت عدد الأندية المشاركة في هذه المسابقة في السنوات التي تلت ذلك. وتأرجحت نسب المشاهدة التلفزيونية. إلى أن جاء موسم 1974. وجاءت فكرة التعاقد من نجوم عالميين من الطراز الرفيع. وكان من هؤلاء مثلاً البرتغالي العظيم إزيبيو. لكن الأمر اختلف كلية في موسم 1975 عندما تعاقد نادي نيويورك كوزموس مع الجوهرة البرازيلية السوداء.. بيليه.

ومنذ اللحظة الأولى في توقيع التعاقد، تسارعت كل وسائل الصحافة لتغطية وجود بيليه في الولايات المتحدة. وتضاعف الحضور في ملعب الفريق إلى 3 أضعاف. وازدحمت الطرق والشوارع المؤدية للأستاد، لأن الكل جاء من أجل مشاهدة بيليه. وبعد أن كانت شبكة "سي بي إس" (CBS) قد توقفت عن إذاعة الدوري بعد موسمه الأول، عادت مرة أخرى. وارتفعت النسبة في موسم 1976 إلى أكثر من 10 مليون مشاهد، لتكون رقمًا قياسيًا في كرة القدم بالولايات المتحدة حينها. وتجاوزت نسبة بيع التذاكر، في ملعب غاينتس معقل الفريق، الـ 73 ألف تذكرة عام 1978.
لعب بيليه في الدوري الأميركي لمدة 3 مواسم، أحرز فيهم مجتمعين 64 هدفًا في 107 مباراة. ورغم أن التعاقد مع لاعبين أجانب كان هو سمة الدوري منذ بدايته، فالموسم الأول لم يضم إلا 30 لاعب أميركيًا فقط في الأندية الـ 17، رغم ذلك إلا أن شعبية(4) كرة القدم في الولايات المتحدة تختلف بوضوح قبل بيليه، وبعده!

بدأ كرويف في الإعلان عن نفسه بعد حوالي 160 ثانية فقط من الظهور الأول له مع الفريق، محرزًا هدف الفوز. وفي هذا الموسم أحرز 14 هدفًا في 27 مباراة وصنع 16، وقاد الفريق إلى نصف نهائي اللقب المحلي وفاز بجائزة أحسن لاعب في الدوري. لقد أبهر(5) الهولندي الجميع، وأبهر ذاته أولاً، وأصبح منقذ شعبية كرة القدم في الولايات المتحدة. وارتفعت نسبة الحضور في المدرجات هذا الموسم إلى ما يفوق الـ 14 ألف متفرج للمباراة الواحدة ولأول مرة في تاريخ الولايات. وتضاعفت نسب حضور المباريات في ملعب فريقه، تمامًا كما حدث مع بيليه. وهو ما دفع فريق واشنطون ديبلومات للتعاقد معه بعقد مدته 3 سنوات، وبراتب وصل إلى 1.5 مليون دولار!
في عام 2014 بلغ عدد الحاضرين لمشاهدة مباراة مانشستر يونايتد في البطولة الدولية الودية بالولايات المتحدة 109 ألف متفرج. وارتفع عدد الحاضرين في الملعب لمشاهدة الدوري الأميركي موسم 1996 إلى 2.78 مليون متفرج، بمتوسط 29 ألف متفرج للمباراة الواحدة. وارتفعت هذه الأرقام لتبلغ في موسم 2016 رقم 7.37 مليون متفرج بمتوسط 43 ألف للمباراة الواحدة.

تجاوز الدوري الأميركي في عدد المتفرجين بالملعب كلاً من الدوري الفرنسي والأرجنتيني والهولندي. وقاربت أرقامه الدوري الإيطالي العريق. ولكن ليصير التحليل الإحصائي أكثر منطقية، يجب أن نعرف عدد سكان الولايات المتحدة وكندا في 2016، والذي يبلغ 360 مليون مواطن. في حين بلغ عدد سكان إنجلترا 65 مليون، وإسبانيا 47 مليون. أما إيطاليا والتي تقارب أرقامها أرقام الولايات المتحدة في حضور المباريات، فقد بلغ تعدادها في 2016 حولي 60 مليون نسمة فقط!
في الولايات المتحدة تأتي كرة القدم في المرتبة الخامسة من حيث الشعبية، بعد البيسبول والباسكيت والهوكي وكرة القدم الأميركية. بحيث يبلغ مجموع الحاضرين إلى ملاعب كرة القدم فقط 10% من الحاضرين لملاعب البيسبول، و40% من كرة القدم الأميركية.

في الحوار الأخير الذي أجراه شفاينشتايغر مع شبكة "إي إس بي إن" (ESPN) ظهر الدولي الألماني وكأنه محبط. فأشار إلى غرابة ضياع العديد من الكرات والتمريرات من زملائه في الفريق. ونقص رؤيتهم للملعب. وكرر عشرات المرات أن الأمر في الولايات المتحدة "مختلف" عن بايرن أو البريمييرليج أو المانشافت.
الولايات المتحدة هي المكان المثالي لاعتزال اللاعبين الكبار في أوروبا. حيث وفرة الأموال، وقلة المطلوب منهم فنيًا. مما يدفع للتساؤل؛ هل نجحت كل هذه الأموال وكل هذه السنوات في تغيير رؤية الأميركان لكرة القدم؟ هل نجحت في تحويلهم إلى مشجعين ولاعبين كرة قدم.. مثلنا في بقية العالم؟ أم أن الكرة هي مهرجان ترفيهي يأتي إليه المشاهير من أوروبا كي يشاهدهم الجمهور الأميركي؟
