أوجه التشابه بين الثقافات القديمة
كيف تسهم دراسة الحضارات الصينية القديمة والعالم الكلاسيكي في توسيع آفاق المعرفة وإيجاد حلول لمشكلات العالم، وإعادة اكتشاف إنسانيتنا المشتركة؟
في أحد الحقول غربي اليونان، يُكتب فصل جديد من التاريخ. حيث تعاون علماء آثار يونانيون وصينيون للتنقيب عن بقايا مدينة تعود إلى العصر البرونزي، أي إلى حقبة حروب طروادة قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.
لكن أهمية هذا الموقع لا تقتصر على قيمته التاريخية، إذ يجري التنقيب في أنجيلوكاسترو بمنطقة إيتوليا-أكارنانيا، بل في طبيعة المشروع وهو عمل مشترك بين وزارة الثقافة اليونانية، ومكتب الآثار المحلي، والمدرسة الصينية للدراسات الكلاسيكية في أثينا. إنه أول مشروع أثري ميداني مشترك من نوعه بين اليونان والصين.
ويبحث الفريق عن آثار مدينة كونوبي، التي عُرفت لاحقا باسم أرسينوي، حيث تسود قناعة لدى الباحثين الصينيين واليونانيين بأن لدى كل طرف الكثير ليتعلمه من الآخر.
وتقول فوتيني سارانتي، مديرة مكتب الآثار في إيتوليا-أكارنانيا وليفكاذا: "هنا تقع بقايا هذه المدينة القديمة، لكنها لم تخضع حتى يومنا هذا لأعمال تنقيب منهجية".
ويأمل علماء الآثار في رسم خريطة للمدينة، ودراسة بقاياها، وفهم مكانتها ضمن العالم القديم الأوسع.
بحسب لي شين وي، مدير المدرسة الصينية للدراسات الكلاسيكية في أثينا: "يشير موقع المدينة بالقرب من نهر إلى أنها ربما كانت مركزا مهما للنقل. ونأمل أن تكشف لنا التنقيبات أدلة على شبكات التجارة بعيدة المدى في العصور القديمة".

ولا يمثل هذا التنقيب المسعى الوحيد لتعزيز العلاقات الأكاديمية بين الحضارتين القديمتين في اليونان والصين.
ففي أثينا، اجتمع أكثر من 200 أكاديمي من الصين ومن مختلف أنحاء العالم للمشاركة في المؤتمر العالمي الثاني للدراسات الكلاسيكية، بهدف بناء جسور التعاون ومناقشة أهمية المعارف والحِكم الكلاسيكية في عالمنا المعاصر، وهي معارف دوّنتها قبل قرون طويلة حضارتان تفصل بينهما مسافات شاسعة.
وشارك في المؤتمر ممثلون عن أكثر من 20 دولة، بينهم متخصصون في الدراسات الكلاسيكية والفلسفة وعلم الآثار والتاريخ والأدب والدراسات بين الثقافات.
وتناولت النقاشات موضوعات ذات صلة وثيقة بقضايا العصر، من السلام والنظام إلى الصداقة والمجتمع، وصولا إلى التكنولوجيا والحضارة.
ويقول منظمو المؤتمر إن الهدف هو تعزيز التعاون الدولي في مجال الدراسات الكلاسيكية، ودفع عجلة التعلم المتبادل بين الحضارات. وهي موضوعات كبرى تقف وراءها طموحات أكبر.
ويأمل خه فانغ ينغ من الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية: " في أن تسهم الدراسات الكلاسيكية في حماية مستقبل الحضارة الإنسانية. فنحن نقدم منظورا جديدا للمجتمع وللعالم بأسره. نحتاج إلى أن نلتقي من جديد، ونتواصل، ونكون أصدقاء".
وقد نُظم المؤتمر من قبل الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، ووزارة التعليم الصينية، ووزارة الثقافة والسياحة الصينية، ووزارة الثقافة اليونانية، وأكاديمية أثينا.
تعمل هذه المؤسسات مجتمعة على توفير بيئة تشجع على بناء علاقات أكاديمية، وإعادة اكتشاف أوجه التشابه بين فلسفات الصين والعالم اليوناني القديم.
ويقول هانس فان إيس، مدير معهد الدراسات الصينية في جامعة ميونيخ: "البشر في مختلف أنحاء العالم متشابهون إلى حد كبير. ومن المطمئن أيضا أن نكتشف، عند قراءة النصوص الصينية القديمة، وجود الكثير من أوجه التشابه مع الثقافة الغربية".
وخلال المؤتمر، كان الخبراء المشاركون يستخدمون معارفهم التاريخية لتسليط المزيد من الأضواء على المشكلات السياسية والبيئية التي يواجهها العالم اليوم.
ويقول تيموثي بيرنز من قسم العلوم السياسية في جامعة بايلور بولاية تكساس: "ما أراه في هذا المؤتمر، كما رأيت في المؤتمر الأول، هو أن الباحثين الصينيين وغيرهم من مختلف أنحاء العالم يتعاملون مع هذه النصوص باعتبارها أعمالا عظيمة لمفكرين عظماء. وهذا يعني أنها كتبت بعناية شديدة، ومن المرجح أن ما نواجهه حاليا من مشكلات، قد عاشوها هم أيضا، وتعاملوا معها".
بالعودة إلى موقع التنقيب في "أنغيلوكاسترو"، تُبرز فوتيني سارانتي ما يمكن تحقيقه، ومدى ما يمكن لكل من الصينيين واليونانيين تعلمه من أسلافهم؛ إذ تقول: "نحن نتشارك في هذه السمة المشتركة؛ فكل من الصين واليونان تمتلكان حضارات ضاربة في القدم، وبالطبع، يُقدّر كل طرف هذه الحقيقة لدى الطرف الآخر".

كان المؤتمر العالمي الأول للدراسات الكلاسيكية قد عقد في بكين في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وانصب النقاش الرئيسي حول شكل الحوار بين الفلسفات الصينية والغربية. والآن يتطلع المشاركون إلى المؤتمر الثالث.
ويقول روجر أميس، رئيس قسم العلوم الإنسانية في جامعة بكين: "ربما ينبغي لنا في المرة المقبلة أن نجمع الأكاديميين وصناع السياسات معا. ربما علينا أن نقول: كفى حديثا، ولنبدأ العمل. كيف يمكننا أن نغير العالم؟". ويضيف: "ما علينا فعله هو تفعيل ثقافاتنا حتى نتمكن من إحداث فرق في العالم".
وفي موقع أنجيلوكاسترو، يواصل علماء الآثار الصينيون واليونانيون البحث عن إجاباتهم الخاصة. فقد كشفت عمليات مسح حديثة عن تخطيط حضري منظم للمدينة، وعن آثار محتملة لمسرح قديم.
ومن شأن مواصلة أعمال التنقيب أن تعمّق فهم الباحثين للماضي، وأن تكشف ربما أيضا طرقا جديدة للنظر إلى موقعنا في العالم، في اليونان والصين وما بينهما، في الحاضر والمستقبل.
وما بات واضحا بالفعل هو أن التعاون بين هاتين الحضارتين العريقتين، سواء في موقع أثري أو حول طاولة مؤتمر، يسهم في تعميق فهمنا لإنسانيتنا المشتركة.

