البحر الأسود التركي..
رحلة بين الجبال والغابات وذاكرة الحضارات القديمة
تُعد منطقة البحر الأسود واحدة من أبرز وجهات السياحة الطبيعية في تركيا، بفضل موقعها ضمن الحزام الجيولوجي الألبي-الهيمالايي، الذي منحها تضاريس متنوعة تجمع بين الجبال الشاهقة والغابات الكثيفة والبحيرات البكر.
وترتفع قمم جبال شمال الأناضول إلى أكثر من 3 آلاف متر، لتوفر بيئة مناسبة لعشاق الهواء الطلق، سواء كانوا يفضلون المشي في الطبيعة أو التخييم أو تسلق الجبال واستكشاف المحميات الطبيعية.

رحلة عبر الزمن
تحتضن منطقة البحر الأسود مجموعة من المواقع التاريخية التي تعكس تعاقب الحضارات على الأناضول، بدءا من آثار الإمبراطوريات القديمة وصولا إلى المعالم العثمانية والأديرة التاريخية المنتشرة بين الجبال والوديان.

ويعد موقع هاتوشا (Hattusha) قرب مدينة تشوروم، والمدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، أحد أبرز هذه المواقع؛ إذ كان عاصمة الإمبراطورية الحيثية التي حكمت الأناضول وشمال بلاد الرافدين في الألفية الثانية قبل الميلاد.
وعلى بعد نحو كيلومترين شمال شرقي العاصمة القديمة، يقع معبد يازليكايا (Yazılıkaya) المفتوح، وهو موقع منحوت في الصخر الطبيعي يضم مجموعة من النقوش البارزة التي تعد من أبرز نماذج الفن الحيثي.
وفي طرابزون، يقف دير سوميلا (Sümela) على المنحدرات الصخرية لوادي ألتين ديري (Altındere)، ليشكل واحدا من أشهر المعالم التاريخية في المنطقة. ويتميز الدير بموقعه الفريد وهندسته المعمارية التي جعلته يبدو وكأنه معلق بين الجبال والغابات، وهو مجمع ديني محصن يعود تاريخه إلى قرون طويلة.
كما تضم ولاية أرتفين (Artvin) عددا من الكنائس والأديرة الجورجية التي تعود إلى العصور الوسطى، من بينها أوشك فانك (Öşk Vank) وإيشهان (İşhan) وهاهو (Haho) ودورت كيليسي (Dört Kilise) وجيفيزلي (Cevizli/Tibeti)، والتي تعكس الإرث الديني والمعماري للحضارات التي مرت بالمنطقة.
نصائح لعشاق التاريخ
تحتفظ مدينة سفرانبولو (Safranbolu)، المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، بطابعها العثماني التقليدي، إذ كانت محطة تجارية مهمة على طرق القوافل التي ربطت الشرق بأوروبا.
ويمكن للزوار استكشاف شوارعها التاريخية ومنازلها الخشبية القديمة التي تحولت بعض منها إلى أماكن إقامة تراثية.
وفي ولاية أوردو (Ordu)، يرتبط رأس جيسون (Cape Jason) بإحدى أشهر أساطير العالم القديم، وهي رحلة جيسون والأرغونات عبر البحر الأسود بحثا عن الصوف الذهبي.
أما ولاية ريزه (Rize) فتضم جسورا حجرية مقوسة شيدت في العهد العثماني فوق نهر فيرتينا (Fırtına) وروافده، ولا تزال شاهدة على الطراز المعماري الذي ميز تلك الفترة.
مغامرات لا مثيل لها في الهواء الطلق
تتصدر جبال كاتشكار (Kaçkar) قائمة الوجهات المفضلة لمحبي المشي لمسافات طويلة، إذ تمتد فيها مسارات متنوعة تمر عبر المروج الجبلية والبحيرات الجليدية والقمم المكسوة بالثلوج، وتوفر تحديات تناسب مختلف مستويات الخبرة.
كما تستضيف المنطقة سباق كاتشكار باي يو تي إم بي (Kaçkar by UTMB) العالمي، أحد أبرز سباقات الجري في المسارات الطبيعية، والذي يجذب سنويا عدائين محترفين وهواة من مختلف أنحاء العالم.
ولا تقتصر ثروات المنطقة الطبيعية على الجبال، إذ تضم بعضا من أقدم الغابات في تركيا. ففي جبال كوري (Küre) تمتد غابات كثيفة تتيح للزوار التجول بين الأشجار المعمرة، كما تشكل موطنا لأنواع من الفطر البري، مثل فطر بورتشيني وفطر الموريل، الذي يحرص السكان المحليون على جمعه في فصلي الربيع والخريف بعد هطول الأمطار.
وتحتضن المنطقة عددا من المحميات والغابات ذات القيمة البيئية، من بينها غابات ينيجه (Yenice) في ولاية كارابوك (Karabük)، التي تعد من أكبر المناطق الحرجية في تركيا، وغابات أورومجيك (Örümcek) في غوموش هانة (Gümüşhane)، والتي تضم أطول أشجار التنوب في أوروبا وأضخم أشجار الراتنج في منطقة القوقاز والبلقان.
وتظل بحيرة أوزونغول (Uzungöl)، الواقعة وسط مرتفعات طرابزون، واحدة من أشهر الوجهات الطبيعية في المنطقة، بفضل موقعها بين الغابات والمرتفعات الخضراء، وهوما جعلها من أكثر المواقع استقطابا للزوار والراغبين في التقاط الصور.
نصائح لعشاق الطبيعة
يوفر كل من يديغولر (Yedigöller) وأبانت (Abant) مواقع مناسبة للتخييم وقضاء الليل وسط الطبيعة، وتحيط الغابات والبحيرات بمخيمات توفر أجواء هادئة بعيداً عن المدن.
ويمكن لمحبي المغامرة تجربة التجديف في المياه البيضاء (الرافتينغ) في ولاية دوزجي (Düzce)، التي تقع في منتصف الطريق بين إسطنبول وأنقرة، وتعد من أبرز الوجهات التركية لممارسة هذه الرياضة.
وتعد دلتا كيزيل إرماك (Kızılırmak) من أهم مواقع مراقبة الطيور في البلاد، إذ تضم محمية للأراضي الرطبة تؤوي نحو 35% من أصل 460 نوعا من الطيور المسجلة في تركيا، كما أدرجت على القائمة المؤقتة للتراث العالمي لدى اليونسكو.
كما تضم المنطقة عددا من الكهوف الطبيعية، أبرزها كهف باليكا في توكات، المدرج على القائمة المؤقتة لليونسكو، إلى جانب كهف كاراجا في غوموش هانة، وكهف تشال في طرابزون، والتي تشتهر بتكويناتها من الهوابط والصواعد التي يعود عمرها إلى نحو مليون عام.
وتشكل فنادق وأكواخ هضبة آيدر (Ayder) قاعدة مناسبة لاستكشاف جبال كاتشكار، بما تضمه من مسارات للمشي وبحيرات جليدية وقمم مكسوة بالثلوج، فيما توفر مرتفعات أوفيت (Ovit) في جبال كاتشكار خلال فصل الشتاء تجربة تزلج خارج المسارات المجهزة على الثلوج البكر، باستخدام الزلاجات التقليدية أو ألواح التزلج، وهي تجربة مخصصة للمحترفين.
ولمن يبحث عن الهدوء، توفر محمية المحيط الحيوي جاميلي (Macahel) قرب أرتفين تجربة مختلفة بين الهضاب المزهرة والغابات، إذ تعد الموطن الطبيعي الوحيد البكر لنحل القوقاز، كما تقع على أحد أهم مسارات هجرة الطيور في المنطقة.
مزيج غني ومتنوع من النكهات
لا تقتصر جاذبية منطقة البحر الأسود على طبيعتها وتاريخها، بل تمتد إلى مطبخها الذي يعكس تنوع بيئتها الجغرافية وثرواتها الزراعية. فالساحل الطويل الممتد لأكثر من ألف ميل، والجبال التي تفصل بين الأراضي الزراعية والمرتفعات، أسهما في ظهور تقاليد غذائية غنية تعتمد على المنتجات المحلية والمكونات الطازجة.
وكانت المنطقة تاريخيا مصدرا لعدد من أمهر الطهاة في تركيا، إذ ينحدر كثير من العاملين في مطابخ القصر العثماني في القرن التاسع عشر من ولاية بولو (Bolu)، التي اشتهرت بمهاراتها في فنون الطهي.
ويحتل خبز البيده (Pide) مكانة خاصة في مطبخ البحر الأسود، إذ غالبا ما يرشحه الأتراك عند الحديث عن أفضل أنواع هذا الخبز المسطح ذي الشكل القارب. ويُحضّر بعجينة مفتوحة أو مغلقة، ويقدم بحشوات متنوعة تشمل الجبن واللحوم، إلى جانب خيارات نباتية مثل البيده المحضرة بالسبانخ.
وتتميز المنطقة أيضا بتنوع محاصيلها الزراعية، إذ تسمح الظروف المناخية المختلفة بزراعة منتجات محلية ذات شهرة واسعة. وتنتج ولايتا أوردو (Ordu) وغيرسون (Giresun) ما بين 70% و80% من إنتاج العالم من البندق، كما تعد المنطقة الموطن الرئيسي للشاي التركي ذي اللون القرمزي المميز.

وتنتشر مزارع الشاي على سفوح ريزه وطرابزون وأرتفين، مقدمة مشاهد طبيعية تجمع بين المدرجات الخضراء والمرتفعات الجبلية. أما سمك الهامسي (Hamsi)، أو الأنشوجة، فيمثل عنصرا أساسيا في مائدة سكان البحر الأسود، ويقدم بطرق مختلفة، منها القلي والتخليل والشواء مع الأرز داخل أوانٍ فخارية في طبق هامسيلي بيلاف، أو مخبوزا داخل خبز دقيق الذرة المعروف باسم هامسيلي إكميك.
ويعد الكرنب الأسود (Karalahana) من المكونات الأساسية الأخرى في المطبخ المحلي، خصوصا في شرق المنطقة، ويستخدم في أطباق تقليدية مثل كارالاهانا تشورباسي، وهو حساء غني يشبه اليخنة ويحضر مع الفاصوليا البيضاء، وكارالاهانا دولماسي، وهي أوراق كرنب محشوة بالأرز واللحم.
وتشتهر مدينة سفرانبولو (Safranbolu) بصناعة اللوكوم (الحلقوم التركي) وفق وصفات تقليدية متوارثة، مع نكهات متنوعة تشمل البندق والفستق وبتلات الورد.
وفي مدينة أماسيا (Amasya) يمكن تذوق تفاح ميسكيت إلماسي (Misket elması) المحلي، الذي يتميز بصغر حجمه وشكله الدائري ورائحته العطرية، وهي المدينة التي كانت تستضيف تعليم الأمراء العثمانيين في الماضي.
وفي قرية هامسيكوي (Hamsiköy) الجبلية في طرابزون، يشتهر طبق سوتلاش، وهو نوع من بودينغ الأرز، بطبقته العلوية المحمصة ورشة البندق المطحون التي تضفي عليه طابعا محليا مميزا.
وتعد بلدة فاكفيكبير (Vakfıkebir) في طرابزون موطنا لخبزها الشهير المصنوع من العجين المخمر والمخبوز في أفران حجرية، وهو خبز أصبح معروفا في مختلف أنحاء تركيا.
ويشكل طبق موهلاما (Muhlama)، المصنوع من الجبن المذاب والزبدة ودقيق الذرة، أحد أشهر أطباق المنطقة، ويعتمد على منتجات الألبان التي تنتجها مرتفعات كاتشكار، التي ما يزال مربو الماشية ينقلون قطعانهم إليها أثناء أشهر الصيف.
وفي منطقة تشامليهمشين (Çamlıhemşin) يمكن تذوق عسل كاراكوفان (Karakovan)، الذي ينتجه النحل بطريقة تقليدية داخل جذوع الأشجار المجوفة.
اكتشافات ثقافية
تحافظ منطقة البحر الأسود على جانب مهم من الهوية الثقافية التركية، إذ ما تزال تقاليدها المحلية حاضرة في الموسيقى والرقص والحرف اليدوية، إلى جانب طقوس اجتماعية تعكس طبيعة الحياة في الجبال والقرى المنتشرة على طول الساحل.
وتعد رقصة هورون (Horon) من أبرز مظاهر الثقافة الشعبية في المنطقة، ويتحرك المشاركون بإيقاع سريع ومنسجم على أنغام آلة الكمنتشة (Kemençe) الوترية أو آلة التولوم (Tulum)، وتنتشر هذه الرقصة خصوصاً في حفلات الزفاف والمهرجانات الصيفية التي تقام في الهضاب المرتفعة شرق البحر الأسود.
ولم تؤثر الطبيعة الجبلية والوديان العميقة في الموسيقى المحلية فقط، بل أسهمت أيضا في ظهور واحدة من أكثر طرق التواصل غرابة، وهي اللغة المعتمدة على الصفير في قرية كوشكوي (Kuşköy) الجبلية القريبة من مدينة غيرسون.
وقد نشأت هذه الطريقة بسبب طبيعة المنطقة التي جعلت التواصل بين القرى المتباعدة أمرا صعبا، فطور السكان نظاما صوتيا يساعدهم على نقل الرسائل عبر المسافات الطويلة.
نصائح لهواة الفنون والحرف
تشتهر بلدة كوروجاشيلي (Kurucaşile) الساحلية بكونها موطناً لبعض أمهر صناع القوارب في تركيا، ويمكن للزوار مشاهدة القوارب الخشبية التقليدية المصنوعة يدويا والمصممة وفق طلب أصحابها.
وفي مدينة ديفريك (Devrek) يمكن التعرف إلى حرفة صناعة عصي المشي الخشبية المصنوعة من خشب الجوز، كما تضم المدينة أول متحف في تركيا مخصص لهذا التقليد الحرفي.
أما مدينة طرابزون فتشتهر بصناعة المجوهرات الفضية باستخدام تقنيات تقليدية لنسج وجدْل الأسلاك الفضية تعرف باسم هاصير (Hasır) وكازازية (Kazaziye)، وهي حرفة تعكس مهارة الحرفيين المحليين المتوارثة عبر الأجيال.
وبهذا التنوع الذي يجمع بين الجبال والغابات والمواقع التاريخية والمطبخ التقليدي والحرف المحلية، تقدم منطقة البحر الأسود تجربة مختلفة عن الوجهات السياحية المعتادة في تركيا، إذ تمنح الزائر فرصة لاكتشاف منطقة ما تزال تحتفظ بخصوصيتها الطبيعية والثقافية.








