"جونو".. المركبة التي كشفت أعماق المشتري وأعادت كتابة تاريخه

Since it arrived at Jupiter in 2016, NASA’s Juno spacecraft has been probing beneath the dense, forbidding clouds encircling the giant planet — the first orbiter to peer so closely. It's looking to answer questions about the origin and evolution of Jupiter, our solar system, and giant planets across the cosmos. nasa
منذ وصولها إلى كوكب المشتري عام 2016 بدأت المركبة "جونو" باستكشافه (ناسا)

لم يكن كوكب المشتري (Jupiter) يوما كوكبا عاديا في خيال البشر. ذلك العملاق الموشّى بالسحب، المتوّج بالبقعة الحمراء العظيمة، بدا لقرون وكأنه حارس أسرار النظام الشمسي، يحتفظ بماضيه في أعماق لا يصلها الضوء ولا الخيال. وحين قررت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) إرسال مركبة إلى هناك، لم تكن تسعى إلى صورة جميلة، بل إلى مواجهة مباشرة مع أصل الحكاية.

من الأسطورة إلى منصة الإطلاق

في صباح الخامس من أغسطس عام 2011، ارتجّ ساحل كيب كانافيرال بينما انطلق صاروخ "أطلس 5" حاملا على قمته مركبة أُطلق عليها اسم "جونو" (Juno).

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

لم يكن الاسم صدفة، ولم يكن تقنيا باردا، بل مستعارا من أسطورة قديمة تقول إن الإلهة "جونو" وحدها كانت قادرة على رؤية حقيقة "جوبيتر" خلف السحب التي كان يتخفّى بها، وكأن المهندسين والعلماء أرادوا منذ البداية أن يقولوا: هذه ليست مهمة مراقبة، بل مهمة كشف.

NASA Take a second with this one. Expand the photo. Take a breath and lose yourself in Jupiter. This slightly stretched image is a combination of three photos from Juno, meaning we’ve never seen Jupiter quite like this. Note the perfectly outlined storms, waves of clouds, and swirling cyclones. And of course the Great Red Spot, though it has shrunk significantly over the past few decades, remains the prominent feature of this solar system giant.
البقعة الحمراء العظيمة على كوكب المشتري بعدسة المركبة "جونو" (ناسا)

خمسة أعوام كاملة قضتها "جونو" في الطريق، تعبر فراغا قاسيا يبتلع الضوء ويصمت فيه الزمن، مستفيدة من دفعة جاذبية الأرض، قبل أن تصل أخيرا إلى هدفها في 4 يوليو/تموز 2016 (يوم استقلال أمريكا).

هناك عند تخوم أقوى مجال مغناطيسي في النظام الشمسي، بدأت المغامرة الحقيقية. لم تدخل "جونو" مدارا دائريا آمنا، بل اختارت مسارا قطبيا بيضاويا جريئا، يقترب حد التهديد ثم ينسحب، وكأنها تغمز للمشتري في كل دورة وتقول: ما زلت هنا.

الاقتراب من العملاق وكشف الأسرار

ما يجعل "جونو" مختلفة ليس فقط ما تدرسه، بل كيف تعيش. فهي أول مركبة تعمل بالطاقة الشمسية في هذا البعد السحيق، حيث الشمس ليست سوى قرص باهت.

ثلاثة أذرع شمسية هائلة تمتد منها كأجنحة طائر ميكانيكي، تجمع ما يكفي من الضوء بالكاد لتبقيها حيّة. وفي قلبها، داخل قبو من التيتانيوم السميك، تختبئ أدمغتها الإلكترونية ككائن يعرف أنه محاط بالموت الإشعاعي من كل جانب.

Over the last few decades, we have come to know Jupiter from thousands of Hubble Space Telescope images such as this one. Now, Juno is providing unprecedented new views of the planet and revealing secrets about the Great Red Spot (lower left), the other storms and swirling clouds at the top of the planet's atmosphere, and many features far below. Credit: NASA, ESA, and A. Simon (NASA Goddard).
جونو تستكشف أسرار المشتري منذ سنوات (ناسا/وكالة الفضاء الأوروبية)

ومع كل اقتراب بدأت الأسرار تتساقط، لم يكن المشتري كرة غازية بسيطة كما تخيّله العلم طويلا. كشفت "جونو" أن رياحه لا تقف عند السحب، بل تغوص مئات الكيلومترات إلى الداخل، وأن بقعته الحمراء العظيمة ليست زينة سطحية، بل هي إعصار عميق الجذور يمتد كجرح قديم في جسد الكوكب.

إعلان

أما قطباه فقد فاجآ الجميع بعناقيد من الأعاصير الزرقاء، مصطفة في أشكال هندسية، كأنها رقصة ثابتة منذ آلاف السنين، وأن قطره القطبي أصغر من قطره الاستوائي مع قياس جديد لهذه الارقام.

التماثيل الثلاثة.. ذاكرة البشر في رحلة آلية

لكن وسط كل هذا العلم الصلب، حملت "جونو" شيئا لا يُقاس بالواط ولا بالكيلومتر. حملت ثلاثة تماثيل صغيرة، لا يتجاوز طول الواحد منها بضع سنتمترات، لكنها تختصر قصة البشر مع السماء.

التمثال الأول هو "جونو" نفسها، ترتدي عباءة وتضع على عينيها عدسة مكبرة. هذه العدسة ليست زينة، بل هي إعلان فلسفي: الحقيقة تحتاج إلى أداة، وإلى جرأة النظر. "جونو" لا تحارب "جوبيتر"، بل تراقبه وتكشفه وتفهمه.

إلى جانبها يقف تمثال جوبيتر، إله السماء والعواصف، بملامح هادئة لا تشبه صور الغضب المعتادة. وكأن الرسالة تقول إن الطبيعة ليست عدوا، بل هي قوة عمياء تنتظر من يفهمها بدل أن يخشاها.

أما التمثال الثالث، فهو الأهم رمزيا: غاليليو غاليلي، الرجل الذي وجّه تلسكوبه البدائي نحو المشتري قبل أكثر من أربعة قرون، واكتشف أن له أقمارا تدور حوله، في لحظة كسرت مركزية الأرض إلى الأبد.

يحمل غاليليو تلسكوبه الصغير، وعلى قاعدة التمثال نُقشت كلماته الشهيرة عن تلك الأقمار. وجوده هنا ليس تكريما تاريخيا فحسب، بل هو اعتراف بأن كل قفزة علمية تبدأ بنظرة متسائلة.

Three LEGO figurines representing the Roman god Jupiter (right), his wife Juno (middle) and Galileo Galilei (left) as shown here will fly to Jupiter on NASA’s Juno spacecraft. (Image credit: NASA/LEGO/)
التماثيل التي حملتها المركبة "جونو" إلى المريخ: الإله الروماني جوبيتر (يمين) وزوجته جونو (وسط) وغاليلي (ناسا/ليغو)

وحين مددت "ناسا" مهمة جونو بعد 2018، لم يكن ذلك قرارا إداريا باردا، بل استجابة لآلة أثبتت أنها ما تزال قادرة على الدهشة. اقتربت من أقمار المشتري الكبيرة: "غانيميد فـ"يوروبا" ثم "آيو"، ورأت عوالم أخرى تدور في ظل العملاق، لكل منها قصة ربما لا تقل إثارة.

واليوم ورغم أن العدّ التنازلي لنهايتها قد بدأ، ما تزال "جونو" تدور، تجمع البيانات وتكتب سطورا أخيرة في رواية لم تنتهِ بعد. وعندما يأتي يوم غوصها الأخير في غلاف المشتري، لن يكون ذلك موتا، بل عودة إلى حضن الكوكب الذي كشفت أسراره، حماية لأقماره، واحتراما لاحتمال حياة لم تُكتشف بعد.

"جونو" ليست مجرد مركبة، إنها رسالة تقول إن الإنسان، مهما بدا صغيرا، يستطيع أن يرسل سؤالا عبر مليارات الكيلومترات، وينتظر الجواب بصبر ودهشة.

المصدر: مواقع إلكترونية

إعلان