أثر دقيق يهز قصة البداية.. نافذة جديدة على الكون في أول ثانية

Illustration of a quark zooming through a quark-gluon plasma, which filled the universe in the first milliseconds after the Big Bang. Physicsists have proven that such interactions left a clear “wake” behind, proving this primordial plasma was a soupy substance. @(Image credit: Jose-Luis Olivares, MIT)
رسم توضيحي لكوارك يمر عبر بلازما كوارك-غلوون التي ملأت الكون بعيد الانفجار العظيم (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا)

نجح علماء تجربة "مجس الميون المضغوط" في "مصادم الهادرونات الكبير" في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) في رصد إشارة دقيقة جدا تشبه أثرا مائيا يتكون خلف جسم يتحرك بسرعة داخل سائل.

لكن بدل السائل العادي، كان الوسط المعني هو بلازما شديدة السخونة تسمى "بلازما الكواركات والغلوونات"، وهي حالة من المادة يعتقد أنها كانت تملأ الكون في اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

الدراسة، المنشورة في دورية "فيزكس ليترز بي" (Physics Letters B) تقدم أول دليل واضح على أن إنتاج الجسيمات يقل قليلا خلف الكوارك عالي الطاقة أثناء عبوره هذه البلازما.

بمعنى آخر، الكوارك وهو يندفع داخل هذا "الحساء" البدائي يترك وراءه منطقة أشبه بظل أو أثر ضعيف، مما يشير إلى أنه يتفاعل مع الوسط ويؤثر فيه، تماما كما يترك قارب سريع أثرا خلفه على سطح الماء.

Geneva, Genève, SWITZERLAND : A woman stands on March 22, 2007 behind a layers of the world's largest superconducting solenoid magnet (CMS), one of the experiments preparing to take data at European Organization for Nuclear research (CERN)'s Large Hadron Collider (LHC) particule accelerator near Geneva. US-based physicists reported on July 3, 2012 finding strong hints of the Higgs boson, the elusive "God particle" believed to give objects mass, but said European data is needed to confirm any potential discovery.If physicists can confirm the existence of the Higgs boson, the last missing piece in the standard model of physics, the announcement would rank among the most important scientific breakthroughs of the last century. The final findings from Fermi National Accelerator Laboratory (Fermilab) in the midwestern US state of Illinois will be followed by the announcement of more definitive results from a potent European atom-smasher on July 4. AFP PHOTO / FABRICE COFFRINI
أكبر مغناطيس لولبي فائق التوصيل بالعالم في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن" (الفرنسية)

بلازما بدائية.. تتصرف مثل سائل

عندما تصطدم نوى ذرية ثقيلة بسرعات تقارب سرعة الضوء داخل المصادم، تنصهر مكوناتها لتتشكل قطيرة مجهرية من بلازما الكواركات-الغلوونات، بدرجات حرارة تصل إلى تريليونات الدرجات.

في هذه البيئة القصوى، لا تعود البروتونات والنيوترونات محافظة على بنيتها المعتادة، بل تتحرر الكواركات و(غلوونات) -حوامل القوة النووية الشديدة- وتتحرك بحرية نسبية.

ورغم أن حجم هذه القطيرة أصغر من الذرة بعشرة آلاف مرة، وتختفي في زمن بالغ القصر، فإن سلوك مكوناتها يشبه سائلا فائق السخونة أكثر من كونه غازا بسيطا من الجسيمات.

تنبأت النماذج النظرية بأن الكوارك السريع، أثناء عبوره هذا "الحساء الكوني" يجب أن يترك خلفه أثرا شبيها بالموجة التي يخلفها قارب في الماء، أي اندفاع أمامي يقابله انخفاض طفيف في الكثافة خلفه، غير أن عزل هذا الأثر تجريبيا كان تحديا كبيرا بسبب صِغر النظام وتعقيد الإشارات.

Discovered in 1983 by physicists at the Super Proton Synchrotron (SPS) at CERN, the Z boson is a neutral elementary particle. Like its electrically charged cousin, the W boson, the Z boson carries the weak force. @cms.cern
بوزون "زد" اكتشفه عام 1983 فيزيائيون في مسرّع البروتونات الفائق "سيرن" (سيرن)

بوزون "زد".. شاهد محايد على الحدث

للتغلب على هذا التحدي، استعان الفريق بجسيم مرافق هو بوزون "زد"، أحد حاملي القوة النوية الضعيفة. ففي بعض التصادمات، ينتج كواركا عالي الطاقة وبوزون "زد" في اتجاهين متعاكسين.

إعلان

وبما أن بوزون "زد" بالكاد يتفاعل مع البلازما، فإنه يغادر منطقة التصادم دون أن يتأثر، ليعمل "مؤشرا معايرا" يحدد اتجاه وطاقة الكوارك بدقة.

بهذه الطريقة تمكن الباحثون من دراسة الجسيمات المركبة "الهادرونات" المنبعثة في الاتجاه المعاكس لحركة الكوارك، بحثا عن الانخفاض المتوقع.

كانت النتيجة دقيقة للغاية، وهي تغير بنسبة أقل من 1% في كثافة الجسيمات خلف مسار الكوارك -لكنه يحمل دلالة فيزيائية عميقة.

An illustration of the aftermath of a high-energy collision that created a quark-gluon plasma at Brookhaven Lab's Relativistic Heavy Ion Collider. @(Image credit: Brookhaven National Laboratory)
رسم توضيحي لتصادم عالي الطاقة أنتج بلازما كوارك-غلوون في مصادم الأيونات الثقيلة (المختبر الوطني في بروكهيفن)

أثر صغير.. ودلالة كونية كبيرة

هذا "الانخفاض" الطفيف يؤكد أن الكوارك ينقل جزءا من طاقته وزخمه إلى البلازما، تاركا منطقة مستنزفة خلفه، ويقدم شكل هذا الأثر وعمقه معلومات عن خصائص البلازما نفسها مثل هل تتدفق بسهولة كالماء؟ أم تحتفظ بالاضطراب زمنا أطول؟

الأهمية لا تقتصر على فيزياء الجسيمات فحسب، بل تمتد إلى علم الكونيات. فالكون في لحظاته الأولى (لمدة 280 ألف سنة) كان معتما وغير قابل للرصد المباشر بالتلسكوبات. وتجارب التصادمات الثقيلة تفتح للعلماء نافذة فريدة على تلك المرحلة الغامضة، قبل أن تبرد البلازما وتتشكل البروتونات والنيوترونات ثم الذرات لاحقا.

ويؤكد الباحثون أن هذه النتيجة ليست سوى البداية، فمع تراكم المزيد من البيانات، سيكون بالإمكان قياس هذا الأثر بدقة أعلى، مما قد يكشف مزيدا من أسرار "الحساء الكوني"، الذي انبثق منه كل ما نراه اليوم في السماء.

المصدر: مواقع إلكترونية

إعلان