دراسة جديدة تكشف عن أوضح صورة للطاقة المظلمة وتعيد طرح الأسئلة الكبرى بشأن الكون

(Main) the colliding galaxy clusters that comprise the bullet cluster as seen by DECam(Inset) the Victor M. Blanco Telescope home of DECam. (Image credit: CTIO/NOIRLab/DOE/NSF/AURA/ Matsopoulos)
عنقود الرصاصة في كوكبة القاعدة، الهدق الرصدي لتلسكوب فيكتور بلانكو في تشيلي (نويرلاب)

بعد سنوات من الرصد والتحليل أعلن فريق تعاون مسح الطاقة المظلمة (Dark Energy Survey Collaboration – DES)، وهو تحالف علمي دولي واسع يضم مئات العلماء والباحثين من أكثر من 25 مؤسسة بحثية وجامعة حول العالم، أنهم حصلوا على أوضح تصور حتى الآن لما يعرف بـ"الكون المظلم".

ويعيد هذا الإنجاز إحياء الأسئلة الأساسية حول تمدد الكون وبدايته ومستقبله ومكان الإنسان داخله.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ما الطاقة المظلمة ولماذا تقلق العلماء؟

الطاقة المظلمة اسم أطلقه العلماء على قوة غير مرئية يعتقد أنها السبب الرئيسي في تسارع تمدد الكون. فبدلا من الاعتقاد الذي كان سائدا في الأوساط العلمية بأن تمدد الكون يتباطأ بفعل الجاذبية، اكتُشف في أواخر التسعينيات من القرن العشرين أنه يتمدد بسرعة متزايدة، وكأن هناك قوة خفية تدفع المجرات بعيدا عن بعضها.

The Víctor M. Blanco 4-meter Telescope perched at Cerro Tololo Inter-American Observatory (CTIO), a Program of NSF NOIRLab. (Image Source: NOIRLab | Photo by CTIO/NOIRLab/NSF/AURA/T. Matsopoulos)
تلسكوب فيكتور بلانكو في تشيلي موطن كاميرا "ديكام" للطاقة المظلمة (نويرلاب)

ووفق الفهم العلمي الحالي، تشكل الطاقة المظلمة نحو 68% من محتوى الكون، مقابل نحو 27% للمادة المظلمة، وهي مادة غير مرئية أيضا لكنها تؤثر في الجاذبية وتساعد في تماسك المجرات، في حين لا تمثل المادة المرئية التي نعرفها -النجوم والكواكب والغازات وكل ما نراه- سوى نحو 5% من الكون، أي أن ما نراه ونلمسه لا يشكل إلا جزءا ضئيلا من كل شيء موجود.

مسح الطاقة المظلمة.. مشروع لرؤية ما لا يرى

الإنجاز الجديد جاء ثمرة لبرنامج مسح الطاقة المظلمة، وهو مشروع علمي دولي انطلق عام 2013 واستمر حتى 2019، بهدف رسم خريطة دقيقة لتوزيع المجرات في الكون.

وقد استخدم المشروع كاميرا متقدمة تعرف باسم "ديكام" (DECam)، أي كاميرا الطاقة المظلمة، وهي كاميرا رقمية فائقة الدقة قطرها أربعة أمتار ومثبتة على تلسكوب "فيكتور بلانكو" في تشيلي، التابع للمؤسسة الوطنية الأميركية للعلوم.

Two "fans" representing DESI observations above and below the plane of the Milky Way (Image credit: DESI Collaboration/DOE/KPNO/NOIRLab/NSF/AURA/R. Proctor/ Robert Lea (created with Canva))
رسم يظهر شكلين يمثلان مناطق الرصد التي غطاها مشروع "مسح الطاقة المظلمة" (وزارة الطاقة الأميركية/نويرلاب)

في ست سنوات رصد العلماء نحو 669 مليون مجرة تمتد عبر مليارات السنين الضوئية، مما أتاح لهم إعادة بناء صورة لكيفية توزيع المادة في الكون في آخر ستة مليارات سنة من تاريخه.

إعلان

وهذا العدد من المجرات رقم مهول لا يمكن إحصاؤه إلا بتلك الخوارزميات المقعدة المعدة لمثل هذه الأرصاد، التي لا يمكن قراءتها إلا بالحواسيب فوق العملاقة.

هل تؤكد النتائج نظرية الطاقة المظلمة؟

ما يميز هذه الدراسة أنها جمعت لأول مرة أربع طرق علمية مختلفة لدراسة الكون في تحليل واحد، شملت رصد المستعرات العظمى البعيدة، والعدسات الجاذبية الضعيفة، وتجمع المجرات واهتزازات الباريونات الصوتية، وهي بصمات في بنية الكون تعود إلى مراحله الأولى بعد الانفجار العظيم.

وقد عززت النتائج مكانة النظرية السائدة التي تفترض أن الطاقة المظلمة ثابتة عبر الزمن، لكنها في الوقت نفسه كشفت اختلافا مقلقا بين ما تتنبأ به النماذج النظرية وبين الطريقة الفعلية التي تتجمع بها المجرات اليوم.

The Bullet Cluster is made up of two galaxy clusters that are colliding billions of light-years away in the constellation Carina. (Cover Image Source: NOIRLab | Photo by CTIO/NOIRLab/DOE/NSF/AURA)
عنقودان مجريان يتصادمان على بُعد مليارات السنين الضوئية في كوكبة القاعدة كما رصدتها كاميرا ديكام (نوير لاب)

وهذا لا يعني أن نظرية الطاقة المظلمة خاطئة، بل إن هذه القياسات تضيف قيمة علمية جديدة عبر تضييق نطاق الاحتمالات، ودفع العلماء إلى تحسين نماذجهم بدل الاكتفاء بالمسلمات.

لماذا كل هذا الجهد؟ وما الذي يبحث عنه العلماء حقا؟

يسعى العلماء عبر هذه التلسكوبات والقياسات إلى فهم كيف نشأ الكون وكيف تطور وإلى أين يتجه. هذا الفهم يحدد القوانين الأساسية التي تحكم الوجود نفسه، ويمنح البشرية وعيا أعمق بمكانها في كون شاسع تحكمه قوى لا نراها.

****داخلية**** The correlations used by DES scientists to map the distribution of matter in the Universe. (Image Source: NOIRLab | Photo by Jessie Muir, DES Collaboration)
الترابطات التي استخدمها علماء برنامج مسح الطاقة المظلمة (DES) لرسم خريطة توزيع المادة في الكون (نويرلاب)

في النهاية علم الكونيات ليس بحثا عن الإنسان فقط، بل عن القصة الكبرى للوجود، حيث تلتقي الفيزياء بالفلسفة، ويصبح السؤال العلمي مدخلا لفهم علاقتنا بهذا الكون المتسع بلا توقف.

وكلما ظن العلماء أنهم اقتربوا من الإجابة، كشف الكون عن لغز جديد، وربما لا تكمن أهمية هذه الاكتشافات في ما تجيب عنه، بل في الأسئلة التي تجبرنا على طرحها من جديد.

المصدر: مواقع إلكترونية

إعلان