التداخل الشمسي.. ظاهرة طبيعية تؤثر على اتصالات الأقمار الصناعية في الاعتدالين

مع تزايد اعتماد العالم على الاتصالات الفضائية للبث التلفزيوني، والإنترنت، والاتصال الهاتفي، والملاحة، تبرز ظواهر طبيعية، قد تسبب انقطاعا مؤقتا في هذه الخدمات، ومن تلك الظواهر التداخل الشمسي.

عبور الشمس خط الاستواء وقت الاعتدالين الربيعي والخريفي يسبب أحيانا ظاهرة التداخل الشمسي

ومع أن هذه الظاهرة لا تستمر إلا دقائق معدودة في السنة، فإن أثرها على الخدمات قد يكون ملحوظا، لا سيما في البث المباشر والاتصالات الحساسة.

هذه المقالة تسعى إلى تقديم شرح تفصيلي مبسط للتداخل الشمسي؛ أسبابه، وأنواعه، وكيفية تأثر الأقمار الصناعية به، ودور موقع الأرض وخط العرض، وطبيعة الإشعاعات الشمسية التي تسبب هذا التداخل.

ما هو التداخل الشمسي؟

التداخل الشمسي (Solar Outage) هو انقطاع أو تشويش مؤقت على إشارات الاتصالات الفضائية، ويحدث حين تصطف الشمس والقمر الصناعي والمحطة الأرضية على خط واحد تقريبا.

في هذه الحالة، تكون الشمس خلف القمر الصناعي مباشرة من حيث المستقبِل الأرضي، فتغمر إشعاعاتها الكهرومغناطيسية القوية مستقبِل المحطة الأرضية، فتزيد الضوضاء في الإشارة، إلى حد قد يصل لفقدان الخدمة بالكامل وقتا وجيزا.

يمكن تشبيه هذه الظاهرة بأن تحاول يائسا سماع صوت امرئ يتحدث بجانبك، ومن خلفه مكبر صوت ضخم يصدر ضوضاء عالية، فالقمر الصناعي هو المتحدث، والمحطة الأرضية هي أذنك، والشمس هي مكبر الصوت الذي يغمر كل شيء بضوضائه.

أسباب التداخل الشمسي

السبب الرئيس هو الإشعاع الكهرومغناطيسي الشديد الصادر عن الشمس، لا سيما في النطاقات المستخدمة للاتصالات الفضائية "نطاق كيه أيه" (Ka-band)، و"نطاق سي" (C-band)، و"نطاق كيه يو" (Ku-band).

وعندما تكون الشمس خلف القمر الصناعي، تصبح إشعاعاتها مصدرا قويا للضوضاء (التشويش) في مستقبِلات المحطات الأرضية، فتتدهور نسبة الإشارة إلى الضوضاء، وهو ما يسمى (S/N ratio)، فتفقد جودة الخدمة أو تتوقف مؤقتا.

إعلان

يحدث التداخل دوريا مرتين في السنة، تقريبا حول الاعتدالين الربيعي والخريفي (مارس/ آذار وسبتمبر/ أكتوبر في نصف الكرة الشمالي). وسبب ذلك أن مسار الشمس الظاهري في السماء (البروج)، يتقاطع مع خط الاستواء السماوي في هذين التاريخين، فيكون الاصطفاف بين الأرض والقمر الصناعي والشمس أكثر احتمالا.

والطيف الكهرومغناطيسي هو مجموعة كل الموجات الكهرومغناطيسية، التي تنتقل في الفضاء بسرعة الضوء، وتشمل تلك الموجات موجات الإذاعة، والتلفزيون، والموجات الدقيقة (الميكروويف)، والأشعة تحت الحمراء، والضوء المرئي، والأشعة فوق البنفسجية، وحتى أشعة "أكس" و"غاما".

كل موجة كهرومغناطيسية يمكن وصفها بأمرين:

  • التردد: عدد المرات التي تهتز فيها الموجة في الثانية، ويقاس بالهيرتز.
  • الطول الموجي: المسافة بين قمتين متتاليتين للموجة، ويقاس بالمتر أو أجزاء منه.

وبينهما علاقة معروفة هي:

الطول الموجي = سرعة الضوء / التردد

وكلما زاد التردد قل الطول الموجي، والعكس صحيح.

فالطيف الكهرومغناطيسي يشبه سُلَّما من الموجات، كل درجة فيه لها تردد مختلف وطول موجي مختلف، وكل نطاق له استخداماته.

فأما وحدة الهيرتز، فتقيس عدد الذبذبات في الثانية. وأما الترددات المنخفضة (kHz – MHz)، فتستخدم في البث الإذاعي والتلفزيوني الأرضي، وأما الترددات العالية (GHz)، فتستخدم في الأقمار الصناعية، والإنترنت، والموجات الدقيقة.

إن فهم هذا الطيف يساعد القارئ على استيعاب سبب تأثير الشمس على الصحون اللاقطة، وحدوث التداخل الشمسي.

أنواع الأقمار الصناعية المتأثرة

ليست كل الأقمار الصناعية تتأثر بنفس الدرجة، وإنما يكون التأثير الأكبر على:

تقع الأقمار الصناعية الثابتة (المتزامنة) فوق خط الاستواء، وتدور حول الأرض مرة كل 24 ساعة

الأقمار الصناعية الجغرافية الثابتة

هي أقمار تدور حول الأرض على ارتفاع يقارب 35,786 كيلومترا فوق خط الاستواء، ووظيفتها تقديم خدمات الاتصالات، والبث التلفزيوني، والإنترنت، والنقل الفضائي للمعلومات بشكل مستمر لنقطة ثابتة على الأرض.

هذه الأقمار هي الأكثر تعرضا للتداخل الشمسي، لأن مواقعها ثابتة بالنسبة للأرض، لذلك فإن المحطة الأرضية تنظر دائما في اتجاه واحد، فيصبح اصطفاف الشمس خلفها أمرا حتميا في أوقات محددة كل عام.

الأقمار الصناعية ذات المدارات المتوسطة والمنخفضة

تعمل أقمار المدار المنخفض على ارتفاعات تتراوح بين 2,000 إلى 20,000 كيلومتر، وتستخدم عادة في أنظمة الملاحة مثل "جي بي أس"، و"غاليليو"، والتصوير الفضائي، والاتصالات العسكرية، ومراقبة المناخ.

تغطي أقمار الملاحة الأرض بعدد لا يقل عن 12 قمرا لكل شبكة

وأما أقمار الارتفاعات المتوسطة، فتعمل على ارتفاعات تترواح بين 160 إلى 2,000 كيلومتر، وتستخدم في خدمات الإنترنت الفضائي الحديثة مثل "ستارلينك"، أو في الاستشعار الأرضي.

تتحرك هذه الأقمار بسرعة بالنسبة للأرض، لذا فإن تأثير التداخل الشمسي عليها أقل انتظاما، لكنه ممكن، لا سيما عند عبورها خلف الشمس، بالنسبة لمستقبِلات معينة.

الإشعاعات الكهرومغناطيسية الصادرة عن الشمس

تصدر الشمس إشعاعات عبر كامل الطيف الكهرومغناطيسي، بدءا من موجات الإذاعة حتى أشعة "غاما"، لكن ما يهمنا في سياق التداخل الشمسي، إنما هو الإشعاع في نطاق الموجات الدقيقة (Microwave)، لأن هذا هو النطاق المستخدم للاتصالات بالأقمار الصناعية. ويتكون من ثلاثة نطاقات:

  • نطاق "سي" (4-8 غيغا هيرتز): يستخدم بكثرة في البث التلفزيوني الدولي والاتصالات بعيدة المدى.
  • نطاق "كيه إيه" (8- 12 غيغا هيرتز): يستخدم في خدمات التلفزيون الفضائي المنزلية، مثل الصحون اللاقطة.
  • نطاق "كيه يو" (26,5- 40 غيغا هيرتز): يستخدم في الإنترنت الفضائي عالي السرعة.
إعلان

وكلما ارتفع التردد (وقل الطول الموجي)، زادت حساسية الإشارة للضوضاء والتداخل، ولذلك يكون تأثير التداخل الشمسي أكثر وضوحا على نطاقات "كيه يو"، و"كيه أيه"، مقارنة بنطاق "سي".

الأطوال الموجية للبث التلفزيوني وتأثيرها على الصحون اللاقطة

يعتمد البث التلفزيوني الفضائي المنزلي غالبا على نطاق "كيه يو"، أي ترددات بين 10.7 و12.75 غيغاهيرتز تقريبا، وهي تعادل أطوالا موجية بين 2.8 إلى 2.3 سم تقريبا.

وفي أوقات التداخل الشمسي، تصبح الصحون اللاقطة معرضة لاستقبال ضوضاء شديدة من الشمس في نفس النطاق، فتتقطع الصورة، أو يتوقف البث بضع دقائق.

صحن لاقط ضخم في محطة أرضية يستقبل الموجات الراديوية المرسلة من الأقمار الصناعية

وكلما كان الهوائي أكبر وأدق توجيها، زاد احتمال التأثر، لأن حزمة الاستقبال أضيق، فتلتقط التداخل التقاطا أكثر تركيزا.

كيف يُشوَّش على الإشارات؟

ليس التشويش هنا متعمدا بل طبيعيا، فمستقبِل المحطة الأرضية أو الصحن اللاقط يلتقط إشارتين في وقت واحد؛ هما الإشارة الضعيفة من القمر الصناعي، وإشعاع الشمس القوي في نفس النطاق الترددي.

وبسبب قوة الإشعاع الشمسي مقارنة بإشارة القمر الصناعي، يرتفع مستوى الضوضاء ارتفاعا حادا، فتنخفض كثيرا نسبة الإشارة إلى الضوضاء (S/N)، إلى درجة يعجز فيها جهاز الاستقبال عن فك التضمين وفهم الإشارة.

لماذا في أيام الربيع والخريف فقط؟

يعود ذلك إلى حركة الشمس الظاهرية في السماء، ففي الاعتدالين الربيعي والخريفي، تعبر الشمس خط الاستواء السماوي شمالا أو جنوبا، كأنها واقعة خلف الأقمار الصناعية الثابتة بالنسبة للمحطة الأرضية، فهذه الأقمار الصناعية لا تكون ثابتة المدار إلا فوق خط الاستواء أو حوله، على ارتفاع معلوم ومحسوب (36 ألف كيلومتر).

أما في غير زمن الاعتدالين، فتكون الشمس إما شمالا أو جنوبا أكثر، فلا تقع على خط رؤية القمر الصناعي.

دور خط العرض في التداخل الشمسي

لخط العرض (بُعد المكان عن خط الاستواء شمالا أو جنوبا) دور في تحديد توقيت حدوث التداخل، ومدى شدته. فالمحطات الأرضية الواقعة على خطوط عرض قريبة من خط الاستواء، يصيبها تداخل شمسي أكثر انتظاما وأطول مدة.

ذلك لأن زاوية النظر إلى الأقمار الصناعية تكون أقرب إلى الوضع المثالي للاصطفاف مع الشمس، أما في خطوط العرض العليا، فقد تكون زاوية النظر مختلفة، وتؤدي إلى تداخل أقصر أو أقل شدة.

تتعامد الشمس فوق خط الاستواء يومي الاعتدال الربيعي والاعتدال الخريفي

إجراءات التخفيف والتعويض

التداخل الشمسي طبيعي لا يمكن منعه، لكن لتخفيف أثره وسائل، منها:

  • زيادة القدرة المرسلة: لتعويض ارتفاع الضوضاء في المستقبل.
  • تغيير مخطط التضمين: لاختيار أشكال تضمين أكثر تحملا للضوضاء.
  • استخدام هوامش ربط إضافية: تصميم النظام مع هامش أمان، للتعامل مع الظروف غير المثالية.
  • التحويل إلى أقمار أخرى أو مسارات بديلة: في الشبكات متعددة الأقمار.

ختاما، فالتداخل الشمسي ظاهرة طبيعية ناتجة عن الاصطفاف الدوري بين الشمس والقمر الصناعي والمحطة الأرضية، تؤدي إلى انقطاع مؤقت في الاتصالات الفضائية والبث التلفزيوني، لا سيما في نطاقات "كيه يو" و"كيه أيه".

ومع أنها لا تستمر إلا دقائق معدودة في السنة، فإن فهمها والتنبؤ بها بدقة مهم جدا لمشغلي الأقمار الصناعية ومستخدمي الخدمات الفضائية، ويمكن التنبؤ بأوقاتها بدقة عالية، باستخدام النماذج الحسابية الحديثة، ثم اتخاذ إجراءات للتقليل من أثره.

فمعرفة هذه الظاهرة تساعد المستخدمين العاديين على فهم سبب توقف القنوات، أو تقطّع الإشارة في أوقات معينة من السنة، كما تساعد الهيئات المشغلة على إدارة الشبكات بكفاءة أكبر، وطمأنة موظفيها وعملائها بأن الأمر مجرد ظاهرة طبيعية لا أكثر.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان