"سر لحظة الخلق الأولى".. هل بدأ الكون بانفجارين عظيمين؟

تمثل المادة المظلمة أربعة أخماس مادة الكون، لكن لا يمكن لنا أن نراها أو نرصدها بأي طريقة (ناسا)
المادة المظلمة تمثل 4 أخماس مادة الكون، لكن لا يمكننا أن نراها أو نرصدها بأي طريقة (ناسا)

مقدمة للترجمة

بنيت الصور الأولى من نظرية الانفجار العظيم قبل نحو قرن من الآن، ومع تطور علوم الرصد تمكن العلماء من تأكيدها، لكن مؤخرا ظهرت عدة فرضيات إضافية تقترح أن الانفجار العظيم لم يكن مجرد نقطة واحدة بدأ منها كل شيء، بل هناك حالة من التغير والتقلب التي اختبرها الكون خلال بداياته الأولى، والتي تسببت ربما في حدوث انفجار عظيم ثان بعد عدة أسابيع من الأول الذي نعرفه، لكنه انفجار ذو طابع مختلف، كان السبب في نشوء المادة المظلمة. في هذه المادة من نيو ساينتست، يشرح ستيوارت كلارك هذه الفرضية الجديدة ويحاور عددا من المتخصصين في علم الكونيات حول طبيعتها، وما تقدمه من تغيرات جذرية للنظرية الحديثة عن نشأة هذا الكون.

 

نص الترجمة

أحضِر غلاية وضعْ ماء بداخلها ثم اتركه يغلي، وبينما تجلس لتستمع من كثب إلى فقاعات بخار الماء وهي تتمدد وتتداعى وتتصادم مع بعضها بعضا، ستشهد تجربة تحاكي الانفجار العظيم (اللحظات الأولى من نشأة الكون)، وفي أثناء ذلك، ربما تهتدي أيضا إلى حل لغز كيفية حصول الكون على مادته المظلمة.

حسنا، ما تحدثنا عنه للتو يعَدّ صحيحا جزئيا، حيث يجد فريق من الفيزيائيين أن هناك فقاعات من الطاقة كانت تتصادم بنفس الطريق في بداية الكون، تعد سببا للتكهن بوجود أفكار جديدة حول كيفية نشوئه، إذ يعتقد هؤلاء أنه بعد الانفجار العظيم بعدة أسابيع، وقع انفجار عظيم آخر! ولعل تلك اللحظة الثانية أوجدت جسيمات تمادت في التوغل بقوة إلى الحد الذي بلغت فيه كتلتها ضعف كتلة الجزيئات المكوِّنة للمادة العادية بتريليونات المرات. ومن يعلم! فقد يكون لتلك الجسيمات دور في تفسير المادة المظلمة الغامضة والخفية التي يبدو أنها تشكِّل الروابط بين المجرات.

رغم أن فكرة "الانفجار العظيم المظلم" الثاني قد تتسم ببعض الغرابة، فإنها تتماشى على نطاق واسع مع الأفكار الجديدة التي ينطوي عليها علم الكونيات، إذ يعيد علماء الكون صياغة مفهومنا التقليدي عن الانفجار العظيم ليشمل عدة مراحل انتقالية متميزة، لكل منها بصمتها في الكون. وما يميز هذه الفكرة هو امتلاكنا في الوقت الحالي أدوات قد يعَوَّل عليها لاختبار هذه الفكرة والتعمق في لحظات الكون الأولى وتحليل التموجات الخافتة التي سببتها تلك التحولات الجوهرية. وإذا أشارت الأدلة في النهاية إلى حدوث "الانفجار العظيم المظلم"، فإن ذلك لن يعيد تشكيل نظرتنا إلى الكون في مراحله المبكِّرة فحسب، بل سينفض غبار الجمود عن نظرتنا للمادة المظلمة ويبعث فيها اليقظة من جديد بتقديم أدلة حول طبيعتها وكيف يمكننا في النهاية الكشف عن هويتها.

يلاحظ العلماء وجود المادة المظلمة بطريق غير مباشر، عن طريق رصد أثرها الجذبوي على المجرات وعناقيد المجرات (ناسا)
العلماء يلاحظون وجود المادة المظلمة بطريق غير مباشر، عن طريق رصد أثرها الجذبوي على المجرات وعناقيد المجرات (ناسا)

لماذا نعتقد وجود المادة المظلمة رغم أنها خفية؟

السبب الذي يجعلنا نعتقد وجود المادة المظلمة في الكون هو سلوكها الذي أدى إلى حل عديد من المشاكل الفلكية. فعلى سبيل المثال، تدور المجرات الموجودة في عناقيد مجرية حول بعضها على نحو أسرع من المتوقع، مما يشير إلى وجود مصدر آخر للجاذبية في الكون. وبالمثل، تتشكَّل المجرات الفردية قبل الأوان وتدور أجزاؤها الخارجية بسرعات غير متوقعة كان من المفترض أن تتفكك المجرات بسببها، وهو ما يفضي إلى وجود هالات ضخمة من مادة خفية تعمل جاذبيتها الإضافية على لصق المجرات، لكن رغم أن نسبة المادة المظلمة تصل إلى 5 أضعاف المادة العادية في الكون، فإننا مع ذلك لم نحدد بعد هوية الجسيمات التي تتألف منها.*

تعتَبر المادة المظلمة لغزا محيرا للعلماء، فهي تشكِّل جزءا كبيرا من كتلة الكون، لكننا لا نستطيع رؤيتها أو الشعور بها. وعلى مدار 40 عاما، واصل علماء الفيزياء سعيهم متلمسين طريقهم لكشف أسرارها من خلال بناء أجهزة استشعار متطورة، مستندين إلى فرضية أن الأرض، في أثناء دورانها حول مجرة درب التبانة، ستتقاطع بلا شك مع بعض جسيمات المادة المظلمة. وتركِّز بعض هذه الأبحاث على جسيمات تسمى "الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل"، وهي جسيمات افتراضية يعتقد أنها تتفاعل مع المادة العادية عبر القوة النووية الضعيفة، إحدى القوى الأساسية في الطبيعة.

يسعى العلماء إلى التقاط ومضات ضوئية تشير إلى اصطدام الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل بنواة الذرة، وذلك عن طريق مراقبة حاويات كبيرة من سوائل كثيفة على أمل رصد وملاحظة تأثير اصطدام جسيم مادة مظلمة مع إحدى هذه الأنوية، فيتجلى على هيئة وميض يدل على وجود المادة المظلمة. ورغم تنوع وتطور التجارب التي أجريتْ خلال الـ40 عاما الماضية، بجانب توسيع نطاق البحث ليشمل أنواعا جديدة محتملة من المادة المظلمة، لم يُكتشف أي دليل قاطع على وجود المادة المظلمة بعد.

لكن فشلنا في العثور على هذه الجسيمات حتى الآن قد يشير إلى حقيقة مفيدة، وإن كانت مقلقة بعض الشيء حول طبيعة المادة المظلمة، فوفقا لكاثرين فريز، عالمة الفيزياء الفلكية في جامعة تكساس في أوستن، فإن عدم اكتشاف هذه الجسيمات حتى الآن قد يدل على أن المادة المظلمة لا تتفاعل على الإطلاق، مما يعني أن الجاذبية ستكون القوة الوحيدة التي تربط المادة المظلمة بالمادة العادية، وهو ما يسمى "بسيناريو الكابوس"، لأن الجاذبية ضعيفة جدا على مستوى الجسيمات الفردية، مما يجعل اكتشافها شبه مستحيل. ومع ذلك، ترى فريز أن الفشل في العثور على المادة المظلمة قد يشكل فرصة لإعادة النظر في افتراضاتنا حول كيفية نشأتها، ومن جانبها تضيف فريزر قائلة: "يفترض الناس دائما أن كل شيء نشأ في الوقت نفسه خلال انفجار عظيم واحد، لكن لا أحد يدري حقا ما حدث في ذلك الوقت".

في فبراير/شباط العام الماضي، اقترحت كاثرين فريز وزميلها مارتن وينكلر أن انفجارا عظيما ثانيا قد حدث بعد أسابيع من الانفجار العظيم الأول. وأطلقا على هذا الانفجار اسم "الانفجار العظيم المظلم" على أساس احتمال أن يكون هو السبب في إنتاج المادة المظلمة خلال عملية مختلفة عن تلك التي أنتجت الجسيمات والقوى التي نعرفها.

 

ما الانفجار العظيم؟

قد يبدو هذا الأمر غريبا وعصيا على الفهم، إلا أن هناك أسبابا وجيهة للاعتقاد بأننا قد أسأنا فهم ما حدث في الكون في مراحله الأولى، بما في ذلك ما نعنيه حتى بالانفجار العظيم. عندما نتحدث عن مصطلح الانفجار العظيم، سنجد أن أول من صاغه كان فريد هويل عام 1949، وللمفارقة أنه كان من معارضي هذه النظرية. بيدَ أن هويل استخدم هذا المصطلح للسخرية من فكرة أن كل المادة والطاقة انبثقت إلى الكون في لحظة واحدة، غير أن مؤيدي النظرية يرون أنه في هذه اللحظة كان الكون عبارة عن نقطة شديدة الحرارة والكثافة توسعت تدريجيا لتغدو هذا الكون الشاسع والمتنوع الذي نراه اليوم.

ورغم أن هذه الفكرة بدت غير منطقية لهويل، فإنه في الستينيات توصل الفيزيائيون إلى أدلة حاسمة تؤيد نظرية الانفجار العظيم، فقد اكتشفوا بحرا من الإشعاع يعرَف بإشعاع الخلفية الكونية الميكروي، ولا يمكن تفسير هذا الإشعاع إلا بوجود كون يتوسع ويبرد.**

أزمة في علم الكونيات
(الجزيرة)

لكن نموذج الانفجار العظيم سرعان ما واجه مشاكل، تمثل إحداها في أن درجة حرارة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي موحدة ومتجانسة بدرجة مدهشة في جميع أنحاء الكون. ومثلما يستغرق الماء البارد وقتا ليتوزع في حمام ساخن، تحتاج الفوتونات أيضا (وهي جسيمات الضوء والمسؤولة عن القوة الكهرومغناطيسية) وقتا كافيا لتتوزع في جميع أنحاء الكون. ومع ذلك، لم يمر وقت كاف منذ الانفجار العظيم حتى يومنا هذا لتحقيق هذا التوازن الموجود حاليا. ولحل هذه المعضلة، أضاف الفيزيائيون فترة من التوسع الشديد بعد الانفجار العظيم، تسمى "التضخم الكوني"، لتسوية التفاوتات في درجات الحرارة.

يعدّ التضخم الكوني نوعا من التحول الطوري المشابه للتحول الذي يحدث عندما تعمل غلايتك على تحويل الماء السائل إلى بخار غازي. ومنذ ذلك الحين، أدرك الفيزيائيون أنه في أثناء التحولات الطورية في الكون المبكر، تجمعت طاقة الفراغ الزمكاني (الفضاء الذي يبدو فارغا، ولكنه يحتوي على طاقة كامنة) وشكَّلت الجسيمات الأساسية التي نعرفها اليوم، مثلما تتشكل قطرات الماء في الضباب الكثيف. لم تتسبب التحولات الطورية في إنتاج الجسيمات الأساسية من طاقة الفراغ الزمكاني فحسب، بل فصلتْ أيضا القوى الأربع الأساسية للطبيعة (الجاذبية، والقوة الكهرومغناطيسية، والقوة النووية القوية، والقوة النووية الضعيفة) من قوة واحدة موحدة كانت تسبقها.

 

تحولات زلزالية

في الوقت الحالي، لا تستحوذ الفكرة الغامضة المتمثلة في الانفجار العظيم على اهتمام العلماء كثيرا، وإنما يتجه جلّ اهتمامهم نحو التحولات الطورية أو المعروفة بالمراحل الانتقالية في بداية الكون. "الانفجار العظيم الساخن" هو المصطلح الشامل المستخدم الآن لسلسلة معقدة من تحولات الطاقة التي حدثت بعد فترة التضخم الكوني.

في السياق ذاته، يقول كاي شميتز من جامعة مونستر في ألمانيا: "حل محل المفهوم الخاص بالانفجار العظيم في علم الكونيات مصطلح آخر وهو علم كونيات التضخم (inflationary cosmology)، لكن تفاصيل هذه الفترة المتذبذبة والزاخرة بالتقلبات لا تزال غير محددة بصورة كاملة. ومع ذلك، لدى العلماء حاليا مرونة أكبر في كيفية تفسير وفهم الأحداث والتفاصيل التي جرت في الفترات المبكرة للكون".

يتمتع العلماء الآن بمساحة أكبر لإعادة تركيب وتفسير المكونات المختلفة للكون، وهو ما يجعل فرضية فريز ووينكلر بخصوص احتمالية وجود انفجار عظيم ثان فرضية مقبولة نسبيا، وليست لجة متقافزة من الأفكار التي يصعب تصديقها كما قد تبدو للوهلة الأولى. يتسم مفهوم "الانفجار العظيم المظلم" ببعض المنطقية لأن الجسيمات التي يولِّدها هذا الانفجار تؤثر على الكون المرئي لنا فقط من خلال الجاذبية.***

وعن ذلك، تقول فريزر: "لقد افترضنا أن هناك نوعين من (الانفجارات العظيمة) التي شكلَّت الكون، خلَّف النوع الأول وراءه الجسيمات العادية التي نعرفها ونفهمها، في حين أنتج الآخر المادة المظلمة التي تؤثر على الكون عبر الجاذبية فحسب". وفقا لفريزر، لكي يكون مفهوم الانفجار العظيم المظلم معقولا ومتسقا مع ما نعرفه عن تطور الكون، لا بد أن يحدث في وقت قريب جدا من الانفجار الأول، بمعنى أنه في غضون شهر، سيكون تأثيره على هيكل المجرات والتجمعات التي نراها اليوم ضئيلة للغاية، وتضيف فريزر قائلة إن "في خضم ذلك كله، يجب أن تتأكد من أن أي فرضية جديدة أو تعديل على النظريات الحالية لا يتعارض مع الفهم التقليدي والمقبول لعلم الكونيات".

وما إن يتعلَّق الأمر بأنواع المادة المظلمة التي سيخلِّفها الانفجار العظيم المظلم وراءه، حتى نجد أن حسابات فريز ووينكلر تشير إلى أن الانفجار العظيم المظلم يمكنه تشكّيل 3 أنواع مختلفة على الأقل من جسيمات المادة المظلمة، وجميعها غريبة، ولكن بعضها أغرب من غيرها، وعن ذلك تقول فريز: "إن أثقلها هو الأشد غرابة بينها". ولإنتاج جسيمات ضخمة من المادة المظلمة، لا بد أن تكون مرحلة الانتقال سريعة ومفاجئة، مما يخلق فقاعات تتوسع وتنقل النظام من حالة إلى أخرى، وبمجرد أن تصطدم هذه الفقاعات، حتى تطلِق طاقتها. يشبه هذا الصوت الهسيس الذي نسمعه عندما تبدأ الغلاية في الغليان وتتبدى آلاف الفقاعات الصغيرة على السطح. في هذا النوع من الانفجار المظلم، تكون الفقاعات نشطة لدرجة أنها يمكن أن تنتج جسيمات أكبر بمقدار 10 تريليونات مرة من كتلة البروتون. ولكي تعكس الحجم المرعب لهذه الجسيمات المظلمة، أطلقت عليها فريز اسم "داركزيلا" في إشارة إلى اسم الوحش الخيالي في إحدى المسرحيات اليابانية (غودزيلا).

على الجانب الآخر، يمكن أن تنتَج جسيمات مظلمة مختلفة تماما إذا حدث الانتقال الطوري تدريجيا، فذاك يعني أن الانفجار العظيم المظلم سيخلِّف وراءه جسيمات أخف، والنوع الأول من هذه الجسيمات من المفترض أنه يشبه الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل التي تبحث عنها التجارب التقليدية للمادة المظلمة، هذه الجسيمات المظلمة ستتفاعل مع نسخ مظلمة من قوى الطبيعة، مثل الكهرومغناطيسية المظلمة، التي يفترض أن تنتج فوتونات المظلمة. وفي حالة كانت هذه القوى المظلمة غير موجودة، فإن الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل لن تكون قادرة على موازنة طاقتها من خلال امتصاص وإصدار الفوتونات المظلمة. وبدلا من ذلك، ستنتهي بجسيمات أشبه بآكلي لحوم البشر، إنها جسيمات مروّعة تبتلع بعضها بعضا كلما تصادمت، وذلك بسبب عدم وجود أي قوى طبيعية للحفاظ على التوازن. ومن جانبها، تقول فريز: "هذا هو كل ما توصلنا إليه من احتمالات حتى الآن، ولعل هناك مزيد لم نتمكن من التوصل إليه بعد".

إن الفكرة التي تشير إلى وجود قطاع خفي من الجسيمات المظلمة ليست جديدة، فمنذ فترة طويلة، اقترح بعض العلماء وجود "الفوتونات مظلمة" و"النيوترينوات الخاملة" كمرشحين للمادة المظلمة التي تستجيب فقط لقوة الجاذبية. على الجانب الآخر، اقترح عديد من الباحثين فكرة إنتاج المادة المظلمة من خلال تصادم الفقاعات في التحولات الطورية، بينما استخدم آخرون التحولات الطورية لتفسير تكوين المادة المظلمة من الثقوب السوداء البدائية أو تفسير ظواهر غريبة مثل "شذرات الكوارك".

يوضح شميتز أن ما يميز اقتراح فريز ووينكلر هو أن قطاعهم المظلم معزول تماما عن القطاع المضيء (المرئي) من الكون، حيث لا توجد أي قوى تربط بين القطاعين سوى الجاذبية. لكن شميتز يضيف أنه على الرغم من ذلك فإن هذا الانفصال بين الانفجارين يثير تساؤلات في حد ذاته، لأنه ليس واضحا من أين تأتي الطاقة اللازمة لإشعال فتيل الانفجار العظيم المظلم، ووفقا لمبدأ "نصل أوكام" (وهو مبدأ فلسفي يستند إلى فكرة أنه كلما زادت الافتراضات اللازمة لتفسير لغز ما، انخفضت فعالية هذا التفسير، بمعنى أنه يعطي الأفضلية للنظرية الأبسط)، فإن شميتز يرى أيضا أنه لا جدوى من وجود انفجارين في حين أن أحدهما كاف.

في وقتنا الحالي، لا تزال الجسيمات الضخمة ضعيفة التفاعل هي المرشح الرئيسي للمادة المظلمة، وفقا لما يقوله تشامكور غاغ، أستاذ الفيزياء بكلية لندن الجامعية، الذي يرى أنه "من المحتمل أن يستغرق الأمر عقدا آخر من الزمان على الأقل قبل استبعاد هذه جسيمات بوصفها نظرية مفضلة لدى العلماء". ومع ذلك، يتمتع غاغ بعقلية متفتحة تجاه البدائل الأكثر غرابة مثل وجود انفجار عظيم ثان. ويضيف: "ظاهريا، لا يوجد ما هو خاطئ في الفرضية الجديدة، إلا أن التحدي يكمن في التحقق من صحتها وإمكانية اختبارها عمليا".

موجات الجاذبية هي تغيرات طفيفة في النسيج الكوني (ناسا)
موجات الجاذبية هي تغيرات طفيفة في النسيج الكوني (ناسا)

البحث عن داركزيلا (الجسيم المرعب)

تؤمن فريز بوجود انفجار عظيم مظلم مستندة إلى فرضية أن الفقاعات المتصادمة خلال المراحل الانتقالية المرتبطة بالانفجار العظيم المظلم ستترك آثارا ملموسة تظهر على شكل تموجات جاذبية في الزمكان، وهي ظواهر ربما رصدناها بالفعل. ففي عام 2016، أول اكتشاف لموجات الجاذبية أعلنه مرصد لَيغو، وهو مرصد للأمواج الثقالية بالولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، رصد العلماء أكثر من 100 موجة جاذبية أخرى، ويمكن إرجاع أصل كل واحدة منها إلى تصادم بين جسمين سماويين فائقي الكثافة، مثل الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية.

ومع ذلك، سنجد نوعا آخر من موجات الجاذبية يعرف باسم "الهمهمة الخلفية"، هذه الهمهمة تشبه إشعاع الخلفية الكونية الميكروي. وهناك فرضيتان رئيستان تفسران مصدر هذه الهمهمة، تشير الفرضية الأولى إلى أنها قد تكون ناتجة عن اصطدامات عديدة من الثقوب السوداء البعيدة التي لا يمكن رصدها بصورة منفصلة، في حين تشير الثانية إلى أنها ربما تكون ناتجة عن التحولات الطورية في الكون المبكر، مثل تلك التي أدت إلى فصل القوى الأساسية في الكون.

في يونيو/حزيران العام الماضي، اكتشف علماء الفلك من مرصد نانو هيرتز لموجات الجاذبية في أمريكا الشمالية همهمة خلفية لهذه الموجات. ورغم أن الإشارة لا تزال ضعيفة جدا لتحديد مصدرها بصورة مؤكدة، فإن احتمال أن تكون نتيجة اصطدام الثقوب السوداء هو الأقرب للصحة لأننا على الأقل نعلم بوجود هذه الثقوب. تقدِّم نظرية "الانفجار العظيم المظلم" تفسيرا بديلا أكثر إقناعا وفقا لفريز التي ترى أن مقاييس الطاقة لهذه الفكرة تتوافق مع الإشارات التي التقطها مرصد النانو هيرتز لموجات الجاذبية. في حين يؤكد شميتز على أن هناك فرصا كبيرة لفهم أعمق واكتشافات جديدة من خلال دراسة التغيرات الطورية التي حدثت في المراحل الأولى من عمر الكون، كما أن فكرة الانفجار العظيم المظلم لا يمكن استبعادها استنادا إلى البيانات الحالية.

يعمل مرصد النانو هيرتز لموجات الجاذبية على قياس التغيّرات الطفيفة في الإشارات المنتظمة للنجوم النابضة. ومن خلال تحليل دقيق لأوقات وصول هذه الإشارات، قد نستنتج خصائص موجات الجاذبية، مما يوفر أدلة حول أصلها. إذا ظهرت تباينات في هذه الخلفية، فذلك يعني أن تصادمات الثقوب السوداء هي المسؤولة عنها، وليس التحولات الطورية في الكون المبكر. وعن ذلك، يقول شميتز: "إذا كنا محظوظين كفاية، فقد يكون اكتشاف مثل هذه التباينات قريبا جدا، ربما في غضون بضع سنوات فحسب".

إذا بقيت همهمة الموجات الجاذبية موحدة، فمن المرجح أن تكون إشارة من التحولات الطورية في الكون المبكر. ومع ذلك، قد تكون هذه الإشارة مكونة من عديد من التحولات الطورية المتداخلة التي يجب فصلها أو فك اشتباكها. قد تشمل هذه التحولات التضخم الكوني أو التحولات الطورية التي شكلت القوى والجسيمات في النموذج القياسي.

فعلى سبيل المثال، حدثت إحدى هذه التحولات عندما تكثّف مجال هيغز، وهو مجال من الطاقة غير المرئية الذي يقال إنه موجود في كل مكان في الكون ويعطي كل الجسيمات كتلتها. ترى عالمة الكونيات كيارا كابريني من جامعة جنيف في سويسرا أن هناك احتمالية لوجود تحولات طورية أخرى لم تكتشف بعد، ربما لأنها قد تتطلب طاقات هائلة تتجاوز ما نستطيع إنتاجه أو ملاحظته بشكل مباشر في المختبرات الحديثة. ولفهم كل هذه الأفكار فهما أفضل، نحتاج إلى بيانات أدق عن موجات الجاذبية يمكن أن يعوَّل عليها. ترى فريز أن التلسكوبات الحديثة باتت قادرة الآن على رصد الإشارات المتوقعة من الانفجار العظيم المظلم، وكل ما علينا فعله هو مراقبة البيانات وتحليلها لاكتشاف إذا ما كانت مطابقة لافتراضها.

عندما تبدأ الصورة في الاتضاح حول خلفية موجات الجاذبية، سيكون لدى علماء الكونيات كثير من العمل. فثمة عديد من التحولات الطورية المحتملة التي يجب عليهم التحقق منها. بمعنى آخر، سيحتاج علماء الكونيات إلى تقديم تنبؤات دقيقة لتمييز التحولات الطورية المختلفة والتعرف على قصة أصلنا الأبعد والأشد حلكة. ورغم أنه يبدو عملا شاقا، فإنه يستحق المحاولة.

*لفهم فكرة المادة المظلمة تخيل أن أحدهم يضع تفاحة في كفة ميزان وكيلوغرام معدني في الكفة الأخرى، ولكن كفة التفاحة تظل أثقل، فيضيف صديقنا كيلوغراما معدنيا آخر، لكن كفة التفاحة تظل أثقل، فيضيف 5 كيلوغرامات لكن كفة التفاحة لا ترتفع، هنا سيقول أن هناك شيئا ما مع التفاحة يجعلها ثقيلة، لكننا لا نراه، العلماء كذلك يقيسون سرعات المجرات والنجوم داخلها، فيجدون أنها لا تتفق مع أشكال تلك المجرات في التلسكوبات، هناك شيء خفي يتسبب في هذه السرعات الغريبة، وهو شيء يؤثر جذبويا فقط كما يبدو على المجرات، لا نراه ولا نتمكن من رصده، ويعني ذلك أنه لا يشع أي شيء أو يتفاعل مع أي شيء.

**كل ما نراه اليوم كان قبل مليارات السنوات مضغوطا في مساحة أصغر بكثير، أي أننا لو عدنا إلى المراحل المبكرة من عمر الكون، سنكتشف أنه كان يتألف حينذاك من حالة بلازمية شديدة السخونة والكثافة، لكن بعد 380 ألف سنة من الانفجار العظيم، تمكنت فوتونات الضوء من السفر بحرية دون عائق، ولا يزال بإمكاننا رؤية أول الفوتونات التي انطلقت في تلك اللحظة، والتي تشكِّل أقدم ضوء في الكون، والمعروف باسم إشعاع الخلفية الكونية الميكرويّ.

***وهو ما يعني أن هذه الجسيمات لا تتفاعل مع المادة العادية عبر القوى الأخرى مثل القوة الكهرومغناطيسية أو القوة النووية الضعيفة، وإنما فقط عبر الجاذبية مما يجعل اكتشافها صعب المنال وتحديدها مهمة أقرب إلى المحال.

المصدر : الجزيرة