تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى بوليستر.. خطوة واعدة نحو مستقبل أكثر استدامة لصناعة النسيج

باستخدام هذه الطريقة الجديدة يمكن أن يصبح إنتاج البوليستر أكثر استدامة وصديقا للبيئة (شترستوك) Polyester Fabric colorful on background. shutterstock_1443383570
باستخدام هذه الطريقة الجديدة يمكن أن يصبح إنتاج البوليستر صديقا للبيئة وأكثر استدامة (شترستوك)

يواصل العلماء في جميع أنحاء العالم البحث عن طرق لمنع الانبعاثات الناتجة عن التغيرات المناخية من الهواء وتنقيتها، ولهذا طوّر فريق من المهندسين الكيميائيين في المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (Korea Advanced Institute of Science and Technology) طريقة قابلة للتطوير لاستخدام البكتيريا لتحويل ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء إلى بوليستر.

ووصف الباحثون الطريقة الجديدة بالتفصيل في دراستهم المنشورة في دورية "بروسيدنغ أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينس" (Proceedings of the National Academy of Sciences) في 27 مارس/آذار الماضي.

نهج جديد لاحتجاز الكربون

ووفقا للبيان الصحفي الذي نشر على موقع "فيز دوت أورغ" (Phys.org) في 31 مارس/آذار الماضي، اكتشف فريق من الباحثين طريقة لاستخدام البكتيريا لتحويل ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء إلى مادة بوليستر قابلة للتحلل.

تتضمن العملية تعديل سلالة من البكتيريا وراثيا لاستهلاك ثاني أكسيد الكربون ثم استخدامها لإنتاج سلاسل بوليمر يمكن استغلالها لإنشاء مجموعة متنوعة من المنتجات، بما في ذلك المنسوجات ومواد التعبئة والتغليف.

وتستخدم البكتيريا المهندسة إنزيما يسمى الأنهيدريز الكربوني لتحفيز تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى بيكربونات، ثم يتم استقلاب هذه البيكربونات بواسطة البكتيريا، وذلك يؤدي في النهاية إلى إنتاج البوليستر.

وأثبت الفريق أنه يمكن تنفيذ هذه العملية في بيئة خاضعة للرقابة، مثل المفاعل الحيوي، مع الحد الأدنى من مدخلات الطاقة والموارد. وهذا النهج الجديد لاحتجاز الكربون واستخدامه لديه القدرة على تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري مع إنشاء منتجات مستدامة.

بكتيريا محبة النحاس الفتاكة قادرة على نزع ثاني أكسيد الكربون من الهواء الجوي. (ويكيميديا) المصدر: Pontificia Universidad Católica de Chile
بكتيريا محبة النحاس الفتاكة قادرة على نزع ثاني أكسيد الكربون من الهواء الجوي (الجامعة البابوية الكاثوليكية في تشيلي)

حلول علمية وتقنية فريدة

أظهرت الأبحاث السابقة نوعا من البكتيريا يعرف باسم محبة النحاس الفتاكة (الاسم العلمي: Cupriavidus necator)، وهي بكتيريا قادرة على نزع ثاني أكسيد الكربون من الهواء الجوي واستخدامه لصنع أنواع معينة من البلاستيك القابل للتحلل.

وكانت البكتيريا تنجح عادة في نزع ثاني أكسيد الكربون من الهواء، ولكن لم يكن في إمكانها إجراء العملية إلا على دفعات بسبب الحاجة إلى الكهرباء لبدء العملية، ثم تتراكم المنتجات الثانوية السامة بداخلها، وتقتل البكتيريا، وكان هذا ما يمنع التوسع في إنتاج البوليستر عن طريق استخدام هذه الطريقة.

وفي البحث الجديد، ألقى الباحثون نظرة فاحصة على إمكانية استخدام هذا النوع من البكتيريا لصنع نوع من البوليستر، بعد أن تغلب فريق البحث الكوري على هذه المشكلة.

وتضمن الحل إضافة غشاء اصطناعي في بداية العملية التي تفصل البكتيريا عن المنتجات الثانوية السامة، وأدى هذا العمل إلى وجود جهة مناسبة على جانب الغشاء لإعداد التفاعلات الكيميائية لتخمير ثاني أكسيد الكربون، بينما احتفظت الجهة الأخرى على الجانب الآخر للغشاء بمكونات أخرى ضرورية.

ثم سمح الغشاء للمكونات بالتدفق ببطء إلى الجانب الآخر، واستخدمتها البكتيريا لصنع أجزاء من مادة "بولي هايدروكسي بيوتيريت" (Polyhydroxybutyrate)، وهي عبارة عن بوليمر ينتمي إلى فئة البوليستر ويصنف بين المواد البلاستيكية المشتقة حيويا والقابلة للتحلل الحيوي.

أجرى فريق البحث العملية التي تضمنت إزالة البكتيريا التي تحتفظ بمادة "البولي هايدروكسي بيوتيريت" بشكل دوري وإضافة عينات جديدة، لمدة 18 يوما. ووجدوا أنها تعمل كما هو مخطط لها وصنعت أيضا 11.5 ملغم من مادة "بولي هايدروكسي بيوتيريت" في الساعة.

ولاحظ الباحثون أن العملية أكثر كفاءة بكثير من الطرق الأخرى، وكانت تكلفة تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى بوليستر أرخص بكثير، كما لاحظوا أنه يمكن توسيع نطاق العملية بسهولة.

خلية بكتيرية تحتفظ بحبيبات البوليستر البيضاء بالداخل (دورية "بروسيدنغ أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس") المصدر: pnas
خلية بكتيرية تحتفظ بحبيبات البوليستر البيضاء بالداخل (دورية بروسيدنغ أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس)

آثار كبيرة في صناعة النسيج

هذا الاكتشاف له آثار كبيرة في صناعة النسيج التي تعد حاليا من أهم المصادر الرئيسة للتلوث والنفايات.

وباستخدام هذه الطريقة الجديدة، يمكن أن يصبح إنتاج البوليستر صديقا للبيئة وأكثر استدامة. وفضلا عن ذلك، يمكن أن تساعد هذه العملية في تقليل كمية ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ومن ثم الإسهام في الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ.

ولأن هذه التكنولوجيا لا تزال في مراحلها الأولى، هناك حاجة إلى مزيد من البحث والتطوير لتحسين كفاءة العملية وتوسيع نطاقها للاستخدام التجاري، وضمان صلاحيتها في الإنتاج على نطاق واسع.

ومع ذلك، فإن هذا الاختراق يمثل خطوة واعدة نحو مستقبل أكثر استدامة لصناعة النسيج بصفة خاصة، ولكوكب الأرض بصفة عامة.

المصدر : فيز دوت أورغ + مواقع إلكترونية