نظرة إلى الماضي.. التقاط إشارة راديوية من أقدم مجرة اكتشفت حتى الآن

هذا الإنجاز يسمح لعلماء الفلك بالتعمق في أسرار الكون المبكر بمساعدة التلسكوب الراديوي للموجة المترية العملاقة في الهند، وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اكتشاف هذا النوع من الإشارات اللاسلكية على هذه المسافة الكبيرة

أحد أطباق التلسكوب الراديوي ذو الموجة المترية العملاقة (GMRT) بالقرب من بيون، ماهاراشترا، الهند. (المركز الوطني للفيزياء الفلكية الراديوية)
أحد أطباق التلسكوب الراديوي ذي الموجة المترية العملاقة (GMRT) بالقرب من بيون ماهاراشترا في الهند (المركز الوطني للفيزياء الفلكية الراديوية)

في محاولتهم لفهم نشأة الكون وكيفية تشكل المجرات، عكف علماء الفلك منذ وقت طويل على تتبع ودراسة الإشارات التي تلتقطها التلسكوبات الأرضية من الفضاء، ولكن كلما ابتعدت المجرات عنا خفتت هذه الإشارات وأصبح التقاطها وتمييزها أكثر صعوبة.

إنجاز غير مسبوق

والآن، وفي إنجاز غير مسبوق، تمكن علماء من جامعة "ماكجيل" (McGill University) في مدينة مونتريال الكندية والهند من التقاط إشارة راديو من أبعد مجرة حتى الآن، بطول موجي محدد يعرف باسم خط 21 سنتيمترا، باستخدام التلسكوب الراديوي للموجة المترية العملاقة في الهند، وهي المرة الأولى التي يتم فيها اكتشاف هذا النوع من الإشارات اللاسلكية على هذه المسافة الكبيرة، وقد تم الإعلان عن هذا الإنجاز في بيان صحفي نشره موقع الجامعة في 16 يناير/كانون الثاني الجاري.

يقول أرناب تشاكرابورتي، باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة ماكجيل تحت إشراف البروفيسور مات دوبس "المجرة تصدر أنواعا مختلفة من إشارات الراديو. وحتى الآن، كان من الممكن التقاط هذه الإشارة من مجرة قريبة فقط، الأمر الذي كان يقصر معرفتنا على المجرات الأقرب إلى الأرض، ولكن بفضل مساعدة ظاهرة تحدث بشكل طبيعي تسمى المفعول العدسي التثاقلي، أمكننا التقاط إشارة خافتة من مسافة قياسية. وسوف يساعدنا هذا في فهم تكوين المجرات التي تقع على مسافات أكبر بكثير من الأرض".

رسم توضيحي يوضح اكتشاف إشارة من مجرة بعيدة. (سوادا بارديسي)
رسم توضيحي يوضح اكتشاف إشارة من مجرة بعيدة (سوادا بارديسي – مواقع إلكترونية)

عدسة الجاذبية

المفعول العدسي التثاقلي هو تأثير جاذبية المادة، الموجودة والمتوزعة بين مصدر الضوء البعيد وبين الشخص المراقب، هذا التوزع المادي قادر على ثني ضوء المصدر أثناء سفره نحو المراقب، ويشرح المؤلف المشارك نيروبام روي، الأستاذ المشارك في قسم الفيزياء بالمعهد الهندي للعلوم (Indian Institute of Science) هذه الظاهرة بالقول إن المفعول العدسي التثاقلي يضخم الإشارة القادمة من جسم بعيد لمساعدتنا على النظر إلى الكون المبكر.

وفي هذه الحالة المحددة، يضيف نيروبام روي، تنحني الإشارة بوجود جسم ضخم آخر، مجرة أخرى مثلا، بين الهدف والمراقب، ويؤدي هذا بشكل فعال إلى تضخيم الإشارة بمعامل 30، مما يسمح للتلسكوب بالتقاطها".

ويذكر البيان الصحفي أنه -ولأول مرة- تمكن الباحثون من اكتشاف إشارة بعيدة من مجرة تشكل النجوم تعرف باسم "SDSSJ0826 + 5630" وقياس تكوين غازها، وقد لاحظ الباحثون أن الكتلة الذرية لمحتوى الغاز في هذه المجرة بالذات هو ضعف كتلة النجوم المرئية لنا تقريبا، وقد تم نشر الدراسة في دورية "مانثلي نوتيسز أوف ذا رويال أسترونوميكال سوسيتي" (Monthly Notices of the Royal Astronomical Society).

صورة لإشارة الراديو من المجرة. (تشاكرابورتي وروي/ NCRA-TIFR/GMRT)
صورة لإشارة الراديو الملتقطة من المجرة (تشاكرابورتي وروي/ المركز الوطني للفيزياء الفلكية الراديوية)

نظرة إلى أعماق الماضي

ويقول البيان إن الإشارة التي اكتشفها الفريق قد انبعثت من هذه المجرة عندما كان عمر الكون 4.9 مليارات سنة فقط، مما قد يمكّن الباحثين من إلقاء نظرة على أسرار الكون المبكر، ويقول تشاكرابورتي الذي يدرس علم الكونيات بقسم الفيزياء في ماكجيل إن "هذا يعادل نظرة إلى 8.8 مليارات سنة في الماضي".

ووفقا للباحثين، تُظهر هذه النتائج جدوى مراقبة المجرات البعيدة في مواقف مماثلة باستخدام المفعول العدسي التثاقلي، كما أنه يفتح فرصا جديدة ومثيرة للتحقيق في التطور الكوني للنجوم والمجرات باستخدام التلسكوبات الراديوية منخفضة التردد الحالية.

جدير بالذكر أنه قد تم بناء التلسكوب الراديوي للموجة المترية العملاقة (The Giant Metrewave Radio Telescope) وتشغيله بواسطة المركز الوطني للفيزياء الفلكية الراديوية (NCRA-TIFR)، وتم تمويل البحث من قبل جامعة ماكجيل والمعهد الهندي للعلوم.

المصدر : مواقع إلكترونية