باحث جزائري يقود فريقا لتشخيص دور الجيولوجيا السطحية في تضخيم الاهتزازات الزلزالية على سطح القمر

يعمل فريق البحث، بعد نشر هذا الاكتشاف العلمي، على إعادة النظر في تسجيلات زلزالية أخرى من شأنها المساعدة على فهم دور الرمال القمرية في الاهتزازات ذات الترددات العالية.

Passive Seismic Experiment, the first seismometer to be placed on the Moon. The Apollo seismographs sent data back to Earth between 1969 and 1977, when transmission ceased. Image Credit: NASA
جهاز رصد الهزات الزلزالية على سطح القمر خلال رحلة أبولو 11، وقد اعتمدت معطيات الدكتور عمروش على البيانات من مختلف رحلات أبولو (ناسا)

تمكن الباحث الجزائري الدكتور محمد عمروش -بالتعاون مع باحثين من وكالة "ناسا" (NASA) وجامعات أميركية وألمانية- من تشخيص دور الجيولوجيا السطحية في تضخيم الاهتزازات الزلزالية على سطح القمر لأول مرة، وذلك في دراسة نشرت في السادس من سبتمبر/أيلول 2022 بدورية "إيه جي يو أدفانسينغ إيرث آند سبيس ساينس" (AGU Advancing Earth and space science).

واستعان فريق البحث بالتسجيلات الزلزالية لرحلات أبولو التي يعود تاريخها إلى أكثر من 50 عاما. وتعد هذه الدراسة هي الأولى من نوعها في اكتشاف وتشخيص دور الجيولوجيا السطحية في تضخيم الزلازل بأجسام فضائية أخرى غير الأرض؛ وبالتالي من شأنها فتح مجال بحث ودراسات أعمق لهذا الموضوع في المستقبل.

الدكتور محمد عمروش، قائد فريق البحث
عمروش: نتائج الدراسة تساعد على فهم أعمق للطرق المستخدمة في الهندسة الزلزالية هنا على الأرض (الجزيرة)

فهم أعمق للزلازل في المستقبل

ويؤكد قائد فريق البحث الدكتور عمروش -في حوار مع الجزيرة نت عبر وسائل التواصل الاجتماعي- أهمية هذه الدراسة العلمية، موضحا أن "نتائج هذا البحث وتطبيق تقنيات الجيوفيزياء الزلزالية على سطح القمر تساعد على فهم أعمق للطرق المستخدمة في الهندسة الزلزالية هنا في الأرض، كون القمر خاليا من أي ضوضاء ناتجة عن النشاط البشري أو اهتزازات الطبيعة الناتجة عن هبوب الرياح أو حركات الأمواج؛ وبالتالي، التشخيص أدق لدور الجيولوجيا السطحية في تضخيم الزلازل".

ويضيف الباحث -متحدثا للجزيرة نت- أن "هذا البحث يساعد كذلك على ضبط قواعد بناء مضادة للزلازل للمنشآت المستقبلية على سطح القمر، بعد فهم مدى تجاوب الهزات الزلزالية مع الجيولوجيا السطحية، وبالتالي اختيار الأماكن المناسبة للمنشآت على القمر. خاصة أن هذه الدراسة تتزامن مع استئناف البرنامج الأميركي للعودة للقمر عبر رحلات أرتميس (Artemis) وإطلاق أول رحلة هذه السنة".

وقد قرر فريق البحث -بالتعاون مع وكالة ناسا- جعل كل البيانات والنتائج المستعملة في هذه الدراسة مفتوحة للعامة، لمساعدة المختصين على البحث أكثر في هذا المجال.

الباحثة ريني ويبر من وكالة ناسا من فريق العمل، مواقع التواصل
الباحث تواصل مع الدكتورة ريني ويبر من وكالة ناسا، للحصول على التسجيلات الزلزالية لرحلات أبولو (مواقع التواصل)

فريق بحث دولي يقوده جزائري

وجاءت هذه الدراسة مبادرة شخصية من الدكتور عمروش، الذي طرحها على وكالة ناسا، ولاقت إعجاب الفريق المختص في الدراسات الجيوفيزيائة القمرية، بالتعاون مع مختصين في مجال الجيوفيزياء والجيولوجيا القمرية.

وعن فريق البحث، يتحدث عمروش للجزيرة نت "باعتباري صاحب الفكرة والمؤلف الرئيسي للبحث، تواصلت مع الدكتورة ريني ويبر من وكالة ناسا، للحصول على التسجيلات الزلزالية على القمر لمختلف رحلات أبولو، ثم قمت بدراسة جيوفيزيائية للتسجيلات بالتعاون مع البروفيسور نيكولاس شمير من جامعة ميريلاند الأميركية، الذي له خبرة كبيرة في الجيوفيزياء القمرية، كما قمنا بطلب مساعدة الدكتورة وجيهة إقبال من جامعة مونستر بألمانيا التي تشتغل على الطبيعة الجيولوجية المحيطة بمكان هبوط محطات أبولو على سطح القمر".

أول دراسة تهتم بدور الجيولوجيا السطحية في الاهتزازات

وفي الوقت الذي كانت فيه معظم الأبحاث تتطرق لدراسة الزلازل القمرية لفهم البنية الداخلية العميقة للقمر متجاهلة دور الجيولوجيا السطحية في التأثير على الاهتزازات، انطلقت هذه الدراسة من تساؤل عن مدى تأثير التضاريس القمرية في الزلازل، وهل يمكن تشخيص دور الجيولوجيا السطحية في تضخيم الاهتزازات الزلزالية على سطح القمر كما هي الحال في الأرض.

خريطة لوجه القمر توضح مواقع هبوط مختلف رحلات أبولو الموضوع فيها أجهزة رصد زلزالية.
خريطة لوجه القمر توضح مواقع هبوط مختلف رحلات أبولو الموضوع فيها أجهزة رصد زلزالية (الجزيرة)

وقد تطلب هذا البحث، حسب عمروش، التحليل وإعادة النظر في نحو 30 تسجيلا زلزاليا ناتجا عن سقوط نيازك مختلفة الأحجام على سطح القمر تم تسجيلها في محطات أبولو 12، و14، و15، و16، التي يعود تاريخها لما يقارب 50 سنة. وكانت هذه التسجيلات تحتوي على معلومات مهمة يمكن عن طريقها تحديد تضخيم الجيولوجيا السطحية للهزات الزلزالية في القمر التي لم يتم اكتشافها إلا من خلال هذه الدراسة.

ويوضح الباحث عمروش "قمنا بتطبيق تقنيات تحليلية حديثة ومحاكاة رقمية، مستخدمة في الجيوفيزياء الزلزالية لأول مرة على تسجيلات زلزالية من القمر، وتشخيص تضخيم الجيولوجيا السطحية. واستغرق هذا البحث بين تسلم المعطيات من وكالة ناسا إلى غاية النشر نحو سنتين من البحث والتدقيق في النتائج".

ويعمل فريق البحث، بعد نشر هذا الاكتشاف العلمي، على إعادة النظر في تسجيلات زلزالية أخرى من شأنها المساعدة في فهم دور الرمال القمرية في الاهتزازات ذات الترددات العالية. وذلك بانتظار نشر دراسة جديدة للدكتور عمروش، مع جامعة ووهان الصينية حول النمذجة الرقمية لأحد البراكين القمرية، مستعملا تقنيات المسح عن بعد لأقمار صناعية تحيط بالقمر من وكالة ناسا ووكالة جاكسا اليابانية.

ويختتم محمد عمروش حديثه -مع الجزيرة نت- بالتطلع إلى أن تتحول هذه الأبحاث إلى مصدر إلهام للشباب العربي في علوم الفضاء، فلطالما كان المسلمون من أكبر علماء الفلك وأكثرهم إلهاما بالفضاء. ويقول "مع وفرة البيانات المفتوحة المصدر عبر الإنترنت، يمكن لكل شخص خبير أن يعيد النظر فيها وتحليلها بطريقته، وربما اكتشاف أشياء جديدة ظلت مخبأة في تلك البيانات منذ سنوات طويلة".

يوضح تسجيل زلزالي بمحطة أبولو 12 لنيزك سقط على سطح القمر بتاريخ ١٨جويلية١٩٧٢على الساعة ٠٧:٥٠خاصية الهزات القمرية مقارنة بالهزات الأرضية هي مدى طول المدة التي يمكن أن تدوم ساعات كاملة من الاهتزاز وقد يعود ذلك لانخفاض نسبة التخامد مقارنة بالأرض وارتفاع نسبة الانشقاق بالجيولوجية السطحية
خاصية الهزات القمرية مقارنة بالهزات الأرضية ومدى طول المدة التي يمكن أن تدوم ساعات كاملة من الاهتزاز (الجزيرة)

بحوث علمية غزيرة في مجال الزلازل

يذكر أن محمد عمروش باحث جزائري يعمل خبيرا جيوفيزيائيا مع شركة "شلومبرجير" (schlumberger) للخدمات النفطية بالعاصمة اليابانية طوكيو مند سنة 2014. وتخرج في جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا بباب الزوار في الجزائر، حيث كان تخصص في جيولوجيا وعلوم الأرض عام 2008، ثم حصل على منحة دراسة مدعمة من الحكومة اليابانية، استأنف بعدها دراساته العليا في معهد طوكيو للتكنولوجيا الذي يعد من أرقى الجامعات اليابانية، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في تخصص الجيوفيزياء والهندسة الزلزالية.

وقد أجرى الدكتور الجزائري عدة دراسات في تطوير وتطبيق طرق المسح الجيوفيزيائية لاستكشاف الجيولوجيا تحت الأرض، بالتعاون مع جامعات ومراكز بحث عالمية، ومن هذه الأبحاث تطوير طريقة فحص ثنائية الأبعاد للجيولوجيا السطحية، وتشخيص اهتزازات الجيولوجيا السطحية لزلزال طوكيو الكبير الذي ضرب اليابان عام 2011، ونمذجة البنية التحتية للبراكين في كوكب المريخ.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية