ما حقيقة أجزاء "الخردة" في المادة الوراثية للبشر؟

يحتوي أحدث إصدار لقائمة أسماء الجينات البشرية على 43 ألفا و238 جينا، منها 19 ألفا و369 جينا مشفرا للبروتين، والباقي تقع في ما كان يسمى سابقا "المادة الوراثية الخردة".

مثلت اكتشافات العلماء في منتصف القرن الماضي بشأن المادة الوراثية للكائنات الحية نقطة تحول في فهمنا للبيولوجيا، إذ فتحت أفقا مختلفا تماما لدراسة وفهم النظم البيولوجية والمستوى الجزيئي أو البنيوي منه.

ويعد تحديد تركيب الحمض النووي منزوع الأكسجين -المعروف اختصارا بـ"دي إن إيه" (DNA)- أهم هذه الاكتشافات.

وتم ذلك على يد الكيميائية البريطانية روزاليند فرانكلين وعالم الأحياء الأميركي جيمس واطسون والفيزيائي البريطاني فرانسيس كريك؛ ونتج عن هذا الجهد ظهور النموذج الأكثر شهرة في مجال العلوم وهو نموذج تركيب "دي إن إيه".

يلحق بهذه الاكتشافات اكتشاف مهم آخر على يد عالمة الوراثة الخلوية الأميركية باربرا ماكلنتوك التي اكتشفت العوامل الوراثية المتنقلة، وهو اكتشاف لم يلق قبولا واسعا وقتها، قبل أن يستوعب المجتمع العلمي أهمية ما وجدته وتُمنح جائزة نوبل عنه عام 1983.

قادت الأبحاث إلى اكتشاف تركيب المادة الوراثية فاتحة مجالا جديدا لدراسة البيولوجية (غيتي)
دورية ساينس نشرت في عدد أبريل/نيسان 2022 النسخة الكاملة من الجينوم البشري للمرة الأولى (غيتي)

نتائج غير متوقعة

وتعد العلامة الفارقة الثانية في مجال البيولوجيا الجزيئية كانت مشروع الجينوم البشري الذي بدأ أواخر تسعينيات القرن الماضي مستهدفا إنتاج أول تسلسل كامل للجينوم البشري، وكامل المادة الوراثية للكائن الحي.

ونشر هذا المشروع أول مسودة للجينوم البشري عام 2003، وغطت نحو 90% منه، واستغرقت عدة سنوات بتكلفة تقدر بـ3 مليارات دولار.

واستغرق استكمال 10% الباقية من الجينوم نحو 20 عاما، ونشرت دورية "ساينس" (Science) في عدد أبريل/ نيسان 2022 النسخة الأقرب للاكتمال من الجينوم البشري للمرة الأولى.

وفتحت المسودة الأولى وما تلاها من تحسينات آفاقا غير مسبوقة لتحليل التركيب الوراثي للبشر، وأهم هذه التحليلات هو تحديد الجينات ووظائفها.

وكانت النتيجة المفاجئة أن نسبة قليلة جدا من الجينوم البشري أمكن التوصل إلى وظيفتها في الفترة التالية لنشر المسودة الأولى، في حين تبقي ما يزيد على 90% من تتابعات هذا الجينوم بلا وظيفة معروفة.

أما الجزء الذي تم التعرف على وظيفته فكان في أغلبه من الجينات المشفرة للبروتين؛ أي التي تحتوي على تعليمات إنتاج بروتينات.

واصطلح على اعتبار باقي الجينوم بمثابة تتابعات غير مشفرة للبروتين، وعُدّ حينها غير ذي وظيفة، أو غير معلوم الوظيفة.

وهنا عادت إلى الأذهان نظرية لعالم البيولوجيا التطورية الياباني الأميركي سوزومو أونو –التي نشرها عام 1972– والتي رأت أن التتابعات غير المشفرة للبروتين في جينومات الكائنات الحية هي من بقايا عملية التطور التي حدثت للكائنات الحية على مدار آلاف السنين؛ وبالتالي لا تعدو أن تكون مجرد "خردة"؛ حيث أبقت الخلايا على عمل الجزء المفيد (المنتج للبروتينات)، وبقيت تلك الأجزاء الأخرى مخلفات لعملية التطور. وأطلق عليها حينها مصطلح "المادة الوراثية الخردة".

Junk DNA
ظلت حقيقة اكتشاف أن تلك التتابعات تحتوي على أجزاء وظيفية تؤرق المجتمع العلمي (غيتي)

مشروعان عملاقان

وبقيت حقيقة اكتشاف أن تلك التتابعات تحتوي على أجزاء وظيفية (تؤدي وظائف تنظيمية) تؤرق المجتمع العلمي، وبدا أن "نظرية الخردة الوراثية" بسيطة ومباشرة أكثر من اللازم؛ لذلك بدأت جهود دراسة التتابعات غير المشفرة للبروتين، وبدأ تراكم الأدلة على وجود أجزاء منها تقوم بوظائف حيوية مهمة جدا في تنظيم إنتاج البروتينات داخل الخلايا.

وتجمعت هذه الجهود في مشروعين عملاقين: مشروع موسوعة عناصر الحمض النووي، ومشروع خارطة طريق ما فوق الجينوم.

المشروع الأول اهتم بدراسة التتابعات غير المشفرة من الناحية الوظيفية، ومحاولة معرفة وظائف وآليات عمل المادة الوراثية في هذه الأجزاء. ونشر المشروع نتائجه أول مرة بدورية نيتشر (Nature) عام 2012، كما خصصت الدورية موقعا مصغرا للأوراق البحثية الناتجة عن المشروع التي قاربت 50 ورقة حتى الآن.

واهتم المشروع الثاني بدراسة جميع التغيرات والتعديلات الكيميائية التي تطرأ علي أي جزء من الجينوم، وتقوم بتعديل وظيفته، خاصة في التتابعات غير المشفرة للبروتين. وظهرت نتائج هذا المشروع أيضًا ظهر في دورية نيتشر عام 2015 في موقع مصغر خاص به.

وجد العلماء علاقة بين السرطان وأكثر من 100 جين من الجينات غير المشفرة للبروتين (غيتي)
المشروعان استطاعا تحديد وظائف ما يقرب من 85% من الجينوم البشري (غيتي)

الخردة التي لم تعد كذلك

المفاجأة كانت أن المشروعين استطاعا تحديد وظائف ما يقرب من 85% من الجينوم البشري، بما فيها التتابعات غير المشفرة؛ مما أضعف من نظرية "الخردة الوراثية" وفكرة أن تلك التتابعات مجرد تراكم لمادة وراثية غير ضرورية حدث أثناء عملية التطور.

ووجد المشروعان أن أجزاء كبيرة من هذه التتابعات تقوم بوظائف تنظيمية؛ مثل تنشيط وتثبيط وبدء وإيقاف عمليات إنتاج البروتينات، كما وجدا أن هناك أجزاء من هذه التتابعات تنتقل من موضعها إلى داخل الجينات المشفرة للبروتين لتنقلها من حالة الكمون إلى حالة النشاط، وهي بالضبط العناصر الوراثية المتنقلة التي وصفتها للمرة الأولى ماكلينتوك في منتصف القرن الماضي، كما وجدا أيضا أجزاء من الجينوم يحدث بها نشاطن لكنهم لم يتوصلوا إلى وظيفتها أو سبب نشاطها بعد.

وعلى مدار السنوات التالية، استعان العلماء بنتائج المشروعين في تقديم فهم أفضل لوظائف ومكونات الجينوم البشري ودورها في الأمراض وتفاعلها مع الأدوية وغيرها من التطبيقات المهمة، منها ما قدمه مشروع تحليل جينومات الأورام السرطانية، الذي قدم تحليلا للطفرات المؤدية للسرطان في التتابعات غير المشفرة؛ في دراسة هي الأكبر من نوعها حتى الآن، إذ شملت ما يزيد على 2650 جينوما كاملا مأخوذا من خلايا سرطانية، ونشرت دورية "نيتشر" نتائج المشروع عام 2020.

ووجدت دراسة أخرى من المشروع نفسه علاقة قوية بين 122 من الجينات من نوع "إل إن سي آر إن إيه" (LncRNA) غير المشفر للبروتين والأورام السرطانية، ونشرت نتائجها في العام نفسه.

نتائج مشاريع الجينوم ساهمت في تقديم فهم افضل لوظائف مكونات الجينوم البشري (غيتي)
العلماء وجدوا علاقة بين السرطان وأكثر من 100 جين من الجينات غير المشفرة للبروتين (غيتي)

وعلى الجانب الآخر، رفض بعض علماء البيولوجيا التطورية نتائج المشروعين، معتبرين مجرد وجود نشاط في منطقة ما من الجينوم لا يعد دليلا كافيا على أنها تؤدي وظيفة ما.

ورغم ذلك، نجد أن مصطلح "المادة الوراثية الخردة" يتناقص استخدامه بشكل مستمر منذ عام 2014، إذ تشير قاعدة بيانات "بوب ميد" (PubMed) للأبحاث إلى أن المصطلح ذكر في 80 ألفا و691 ورقة بحثية في الفترة من 1972 وحتى اليوم، ووصلت للذروة عام 2013 بما يقرب من 4 آلاف ورقة، ثم تناقص ذكره في الأبحاث المنشورة سنويا، حتى وصل إلى 1272 ورقة في 2022.

ويحتوي أحدث إصدار لقائمة أسماء الجينات البشرية التي تصدرها لجنة تسمية الجينات بالمعهد الوطني لأبحاث الجينوم البشري بالولايات المتحدة على 43 ألفا و238 جينا، منها 19 ألفا و369 جينا مشفرا للبروتين، بينما الباقي (أكثر من 23 ألف جين) تقع في ما كان يسمى سابقا "المادة الوراثية الخردة".

المصدر : مواقع إلكترونية