دراسة حديثة: وديان العصر الجليدي القديمة تنبئ بمستقبل الصفائح الجليدية في غرينلاند

Water at Bottom of Crevasse of Glacier - stock photo
وديان العصر الجليدي تشكلت بسرعة كبيرة نسبة إلى الأزمنة الجيولوجية (غيتي)

كشفت دراسة بحثية حديثة -نشرت في دورية "كواترناري ساينس ريفيوز" (Quaternary Science Reviews) في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول الحالي- عن أن وديان العصر الجليدي استغرق تكوّنها مئات السنين، وذلك أثناء نقلها كميات كبيرة من المياه الذائبة تحت الجليد بعيدا إلى البحر، وتعرف باسم "وديان الأنفاق".

وتعد دراسة الوقت الذي استغرقه ذوبان الصفائح الجليدية الضخمة قبل 20 ألف عام أمرا مهما لفهم الآثار التي تترتب على الاحترار في يومنا هذا، ومدى تأثير ذلك على ذوبان الأنهار الجليدية.

وديان ضخمة

ووديان الأنفاق عبارة عن قنوات ضخمة يصل طولها أحيانا إلى 150 كيلومترا، وبعرض 6 كيلومترات، وعمق 500 متر، وتَصرف هذه الوديان المياه من تحت الصفائح الجليدية الذائبة، وهناك الآلاف من وديان الأنفاق المدفونة تحت قاع بحر الشمال، التي شهدت ذوبان صفائحها الجليدية التي كانت تغطي المملكة المتحدة وأوروبا الغربية على مدار مليوني سنة الماضية.

وطبقا للبيان الصحفي الذي نشرته هيئة المسح البريطانية للقطب الجنوبي، يقول المؤلف الرئيسي للدراسة من جامعة كامبريدج جيمس كيركهام "إنه اكتشاف مثير؛ نحن نعلم اليوم أن هذه الوديان الرائعة قد نُحِتت أثناء ذوبان الأغطية الجليدية".

ويضيف "لقد مكنتنا أحدث تقنيات تصوير ما تحت السطح ونماذج الحوسبة من معرفة أن وديان الأنفاق يمكنها أن تتشكل سريعا أسفل الصفائح الجليدية التي تعاني من ارتفاع درجات الحرارة".

High Angle View Of Frozen Waterfall - stock photo
وديان الأنفاق قنوات ضخمة يصل طولها أحيانا إلى 150 كيلومترا (غيتي)

تحليل المسح الزلزالي

قام الفريق بتحليل صور المسح الزلزالي التي توفر مسحا ثلاثي الأبعاد -ذا دقة تفصيلية مذهلة- لطبقات الأرض المدفونة، كما أجرى الفريق مجموعة من تجارب النمذجة الحاسوبية لمحاكاة تطور الوادي واختبار السرعة التي تشكل بها وذلك حتى انصهار آخر طبقة جليدية كانت تغطي المملكة المتحدة في نهاية العصر الجليدي الأخير، أي قبل 20 ألف سنة.

ويساعد ذوبان الجليد أودية الأنفاق العميقة على التكون في غضون مئات السنين، وهي عملية سريعة وفقا للمقاييس الزمنية الجيولوجية، ويؤدي تصريف المياه خلال هذه الأنفاق إلى تسريع وتيرة ذوبان المزيد من الجليد.

وتساعد عمليات تصريف المياه من تحت الصفائح الجليدية على إحداث توازن في سَيَلان الجليد؛ وهي عملية يمكنها أن تحمي الصفائح الجليدية الحديثة من الانهيار في ظل المناخ الدافئ.

غير أن العلماء عثروا أثناء فحص عينات المسح الزلزالية على إشارات تدل على حركتين متناقضتين؛ واحدة راكدة وأخرى سريعة للجليد داخل هذه الوديان؛ الأمر الذي يُعَقِّد فهم الكيفية التي ستؤثر بها هذه القنوات سريعة التشكل على سلوك الصفائح الجليدية في المستقبل.

A river cuts its way through the ice on the Athabasca Glacier - stock photo Lake Louise, AB , CAN - July , 19, 2021: A river cuts its way through the ice and travels down the desolate Athabasca Glacier in Jasper National Park on July 19th, 2021. After a strong heatwave that struck Western Canada early in the summer the ice is melting at seasonally abnormal rate leaving many mountain faces bare. (Photo by Alex Ratson via Getty Images)
الوديان العميقة تحت قاع بحر الشمال تساعد على فهم الكيفية التي تستجيب بها الصفائح الجليدية للاحترار (غيتي)

تشكل سريع وتأثير غامض

غير أن الأمر المؤكد يكمن في المعدل السريع الذي تتشكل به هذه الأنفاق، وهو ما يعني أن العلماء بحاجة إلى النظر في آثارها المستقبلية، من خلال تطوير نماذج حاسوبية تحاكي الكيفية التي تتطور بها الصفائح الجليدية في يومنا الحالي وخلال العقود والقرون القادمة.

ولا توجد اليوم أي نظائر حديثة لهذه العملية السريعة، غير أن هذه الوديان القديمة -المدفونة الآن على عمق مئات الأمتار تحت قاع بحر الشمال- تظهر آلية الكيفية التي تستجيب بها الصفائح الجليدية للاحترار الشديد.

غير أن النماذج الحاسوبية الحالية قاصرة عن فهم الكيفية التي تنساب بها المياه رويدا، وذلك رغم أن عمليات تصريف المياه بهذه الطريقة هي العنصر الأساسي المتحكم في معدلات فقدان الجليد في المستقبل، ومن ثم ارتفاع مستوى سطح البحر في نهاية المآل.

وفي هذا الصدد، تقول المؤلفة المشاركة في الدراسة كيلي هوجان إن "السرعة التي تتكون بها هذه القنوات العملاقة تعني أنها آلية مهمة، لكنها لا تحظى بالاهتمام المطلوب حاليا. علما بأنها آليةٌ تساعد على إحداث توازن في استقرار الصفائح الجليدية في عالم يزداد احترارا".

Scenic View Of Frozen Lake - stock photo
عملية تصريف المياه تزداد في ظل ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الصفائح الجليدية اليوم في غرينلاند (غيتي)

الحفاظ على توازن الجليد

وبالتالي، فإن دراسة وديان الأنفاق وتحري الكيفية التي تساعد بها هذه الوديان في تثبيت خسائر فقدان الجليد يعد من الأهمية بمكان، خاصة في ظل زيادة استمرار ذوبان الصفائح الجليدية اليوم، ومن ثم ارتفاع مستوى سطح البحر.

وتشير هوجان إلى أن الباحثين كانوا يراقبون "قنوات المياه الذائبة الضخمة تلك في مناطق تغطيها الصفائح الجليدية لأكثر من قرن مضى، لكننا لم نفهم الكيفية التي تشكلت بها هذه القنوات"، وتضيف أن "نتائجنا تظهر لأول مرة أن الآلية الأرجح في ذلك ترجع إلى ذوبان الجليد في الصيف، ومن ثم تشق المياه طريقها عبر الشقوق والقنوات متأثرة بضغط الغطاء الجليدي عليها حتى تنتهي بتكوين هذه القنوات الضخمة".

ويعد ذوبان الصفائح الجليدية اليوم في غرينلاند أمرا مهما، إذ تزداد عملية تصريف المياه في ظل ارتفاع درجات الحرارة. غير أن السؤال الجوهري اليوم هو: هل سيساعد هذا التدفق الإضافي للمياه الذائبة خلال القنوات بشكل أسرع أو أبطأ في زيادة ذوبان الصفائح الجليدية؛ ومن ثم فإن هذه الدراسة تسلط الضوء على آلية طال تجاهلها، وقد تساعد على زيادة وتيرة ذوبان الصفائح الجليدية.

المصدر : مواقع إلكترونية