فيلم "Spiderman: no way home".. هل يمكن حقا أن توجد عوالم أخرى مثل عالمنا؟

يبدأ الجزء الجديد من سلسلة أفلام "الرجل العنكبوت" (Spider Man) التابعة لعالم مارفل الهائل، الذي خرج لدور العرض منتصف ديسمبر/كانون الأول الحالي، يبدأ من اللحظة الأخيرة لسابقه، حيث يُقرِّر أحدهم أن يُفصِح عن حقيقة سبايدر مان وأنه بيتر باركر، فتنقلب الدنيا عليه وعلى أصدقائه وعائلته، ما يتسبَّب في كمٍّ كبير من المشكلات يضطر باركر إلى اللجوء إلى "دكتور سترينج" لكي يحاول مساعدته. لكن في أثناء محاولات الساحر الأكبر لبناء تعويذة خاصة بباركر تخرج الأمور عن السيطرة، فتُستحضر كيانات شريرة من أكوان موازية تعيث فسادا في كوننا، وهنا تتعقد الأحداث مع عدد من المفاجآت الممتعة في حين، والمحزنة في آخر، لمحبي السلسلة.
في السينما، الأكوان المتوازية هي حل لكل مشكلاتك، يمكنك من خلالها أن تجمع كل شيء في بوتقة واحدة، إذا تصرَّف البطل في فيلمين مختلفين بآليات مختلفة يمكن فقط أن تقول إن البطل في الفيلم الأول كان في أحد الأكوان وفي الفيلم الحالي كان في كون آخر، إذا تغير البطل أو أيٌّ من طاقم التمثيل فإن الحجة نفسها ستكون فعالة، هذا يحدث في السينما، لكن هل ذلك ممكن حقا على أرض الواقع؟

هل الأكوان المتوازية هي إحدى الشطحات الفلسفية الغاية في الغرابة؟ أم أن الفيزياء تمتلك نماذج مقبولة يمكن لها أن تتوقع وجود عوالم متعددة بهذا الشكل بالفعل؟ هل يمكن أن يوجد عالم آخر تكون فيه أكثر نجاحا؟ عالم، يشبه هذا العالم، مع الأشخاص أنفسهم، لكنك الآن فيه لست طالبا في جامعة متوسطة، أو موظفا جديدا في إحدى الشركات، بل لاعب كرة شهير في الدوري الإنجليزي؟ هل يمكن أن يوجد العالم نفسه لكنك لست موجودا به؟
قطة واحدة.. احتمالان
إجابة هذه الأسئلة، على عكس توقعات الكثيرين، هي "نعم، هذا مُحتمل"، يكتسب تفسير العوالم المتعددة لميكانيكا الكم الكثير من الزخم في الوسط العلمي. لكن لفهم ما يعنيه هذا التفسير، ولِمَ أصبح بالأساس ممكنا، دعنا نبدأ من أشهر تجربة فكرية في ميكانيكا الكم، إنها "قطة شرودنغر"(1).
حسنا، سنضع قطة في صندوق مغلق مع كمية صغيرة من مادة مشعة يُحتمل بمقدار 50% أن تتحلل ذرة منها خلال مدة محددة، إذا تحللت تلك الذرة فسوف تتسبب في عمل عداد غايغر الذي يقيس الإشعاع، هنا سوف يُفلت العداد المطرقة لتسقط على زجاجة السم فينتشر في المكان وتموت القطة. الآن نقف أنا وأنت أمام ذلك الصندوق قبل أن نفتحه لنسأل: هل القطة حية أم ميتة؟

في تلك النقطة يتدخل تفسير كوبنهاغن لميكانيكا الكم للإجابة بـ: "كلتا الحالتين معا، حية وميتة"؛ لأن هذه الذرة تكون في حالة تراكب كمّي، أي متحللة وغير متحللة في الوقت ذاته، أما حينما نفتح الصندوق فلن نجد أي مفاجآت، تكون القطة إما حية وإما ميتة، هذا هو ما يحدث حينما نحاول التدخل بعملية القياس أو الرصد في عالم الكوانتم، وذلك لأن الجسيم يفقد وضعه الكمومي لوضع ذاتي تُمثِّله حالة واحدة محددة.
بعبارة أخرى، يقوم "تفسير كوبنهاغن لميكانيكا الكم" على أن الجسيمات دون الذرية توجد بكل حالاتها الممكنة معا إذا كانت الصناديق مغلقة، يسمى ذلك بحالة "التراكب الكمي"(2) (Quantum Superposition)، وهذا -حسب رواد كوبنهاغن- هو التفسير الوحيد لدخول الإلكترون من شقَّيْ التجربة في الوقت نفسه خلال تجربة الشق المزدوج، الصورة التجريبية الحقيقية لتجربة قطة شرودنغر الفكرية.
الآن دعنا نرجع من جديد إلى صندوق شرودنغر، نقف أنا وأنت أمام الصندوق، وبالداخل قطة يمكن أن نُعبِّر عن حالتها عبر ما نسميه بـ "الدالة الموجية"، وهي معادلة رياضية تقول إن حالات القطة داخل الصندوق تساوي "نصف الحالات ميّتة" زائد "نصف الحالات حيّة". أما حينما نفتح الصندوق فإن احتمالا واحدا منهما هو فقط ما يتحقق، هنا يتبادر إلى أذهاننا سؤال آخر مهم: أين ذهب الاحتمال الآخر؟
الإجابة المختصرة: لا أحد يعرف. لا يمكن، إلى الآن، أن نضع تفسيرا مؤكدا لما يحدث في لحظة فتح الصندوق وانتقال القطة من حالة التراكب الكمومي (الحالة التي توجد فيها كل الاحتمالات معا) إلى الحالة الكلاسيكية (الحالة التي نراها في عالمنا، حالة تكون فيها القطّة إما حيّة وإما ميّتة)، هذا الانتقال بين عالمين يسمى بـ "مشكلة القياس3″ (Measurement Problem)".
ماذا لو كنت أنت القطة؟

لكن لو فكَّرت قليلا لوجدت أننا أيضا جزء من تلك المشكلة، فأجسامنا تتكون من ذرّات تخضع بدورها لقواعد ميكانيكا الكم، بينما نحن لا نشعر بذلك، لنفترض مثلا أن هناك صندوقين في هذه التجربة، صندوق شرودنغر وبه القطة، وصندوق كبير، بحجم حافلة على سبيل المثال، نقف نحن داخله أمام صندوق القطة، الصندوق الجديد هو الآخر مغلق تماما، وخارجه يقف مجموعة من علماء الكوانتم في انتظارنا، حينما نفتح صندوق القطة، أنا وأنت، سنرى القطة إما حية وإما ميتة، لكن ماذا عن تلك المجموعة من العلماء التي تقف خارج الصندوق الكبير؟
بالنسبة لهم، فإننا نوجد أيضا في حالة تراكب كمومي بها كل الاحتمالات معا، احتمال نكون فيه أنا وأنت معا ونرى القطة حيّة، وآخر نكون فيه أنا وأنت معا ونرى القطة ميّتة، في تلك الحالة نتشابك كموميا مع القطة، بمعنى أننا نتأثر بحالتها وتتأثر بحالتنا، لفهم ذلك دعنا نتساءل عن علاقة القطة بالعنصر المشع في الصندوق، لِمَ ترتبط القطة بهذا العنصر ما يجعلها حيّة وميتة معا بسببه؟
ببساطة لأنها ستموت أو تحيا بسبب احتمالات هذا العنصر، بالتالي فهي ترتبط به رغما عنها، وإذا كان العنصر المشع يخضع لقواعد عالم الكم فإن القطة ستفعل، لكن ماذا عن البيئة المحيطة بالقطّة في الصندوق؟ الهواء والضوء على سبيل المثال، كل ذلك سوف يوجد في حالة تراكب كمومي مع القطة أيضا لأنه يتأثر بها وتتأثر به، وبالتالي كونها في حالة تراكب كمومي يجعل البيئة المحيطة أيضا في حالة تراكب كمومي. إذن ما الذي يمنع أن نكون أنا وأنت في حالة تراكب كمومي مع القطة أيضا؟ نحن أيضا سنتأثر بسيناريو تكون القطة فيها ميّتة عن آخر تكون فيه حيّة.
يطرح ذلك بدوره تساؤلا أكبر، ماذا لو كان هناك صندوق أكبر يحوي العلماء الذين ينتظرون خارج صندوقنا؟ ماذا لو كان هناك صندوق أكبر من هذا؟ في تلك الحالة ستظل أفكارنا تتصاعد لتقول في آخر سؤال: ماذا لو كان الكون كله هو صندوق شرودنغر ونحن جميعا مكان القطة؟ هنا سيكون كل شيء في الكون متراكبا كموميا.
بمعنى أوضح، أنت ترى القطة حية أو تراها ميّتة، ثم تخرج للناس، فيرونك في إحدى الحالتين (مع القطة الحية أو الميّتة)، ثم تخرجون جميعا على التلفاز، فيراكم كل البشر مع القطة الحية أو الميّتة، في كل مرة يحدث التراكب الكمومي على مستوى أكبر، فنصبح في النهاية أمام كونين، في أحدهما ماتت القطة وتفاعل كل شيء في الكون مع تلك المعلومة، وفي كون آخر كانت القطة حيّة وتفاعل كل شيء في الكون مع تلك المعلومة.
عوالم متعددة
عند تلك النقطة يدخل هيو إيفريت(4) (Hugh Everett)، من جامعة برنستون في الخمسينيات من القرن الفائت، ليطرح تفسيرا آخر لميكانيكا الكم عبر رسالة الدكتوراه الخاصة به، إنه ما نعرفه الآن باسم "تفسير العوالم المتعددة"(5) (Many Worlds Interpretation) لميكانيكا الكم، الذي يقول إن فتح الصندوق لا يعني أي شيء، ذلك لأن الكون كله هو صندوق ضخم يتفرع مع كل عملية كمومية إلى كونين مختلفين في كلٍّ منهما يتحقق جزء من الاحتمالات، وبذلك تختفي مشكلة القياس.
حسب تفسير إيفريت، فإن القطة بالفعل حيّة "أو" ميّتة، لكنها تصبح كذلك في كونين منفصلين، بأحدهما تكون حيّة ويستكمل هذا الكون مستقبله بوجودها، وفي الآخر تكون ميّتة ويستمر هذا الكون الآخر من دونها. في تلك الحالة، فإن إيفريت لا يبتكر فيزياء جديدة، هو فقط يؤمن بالميكانيكا الكمومية أكثر من مؤسسيها، حيث يقول إنه لا يوجد عالم كمومي وعالم كلاسيكي وفاصل بينهما تظهر فيه مشكلة القياس، ولكن يوجد فقط عالم كمومي، وما يظهر أنه عالم كلاسيكي هو الاحتمال الذي نراه في هذا العالم، بينما الكون كله بالفعل هو صندوق شرودنغر كبير جدا توجد فيه كل الاحتمالات الممكنة معا، وفي كون آخر فإن أشياء أخرى تحدث بسبب الاحتمالات الأخرى الممكنة، هذه الأكوان الأخرى لا توجد بشكل مادي في فضاء ثلاثي البُعد، لكنها ربما توجد في فضاءات أعلى يسمح بها ما سُمي بـ "فضاء هيلبرت".
نكتشف هنا أن فرضية العوالم المتعددة ليست مجرد خيال رياضي جاء في دماغ مؤلفه بمرحلة قبل النوم في إحدى الليالي الشتوية الباردة، ولكنها محاولة رصينة تحظى بالكثير من الدعم الرياضي والفيزيائي وفق أساسات نظرية الكوانتم، النظرية الأكثر دقة في تاريخنا إلى الآن، وهي ببساطة تمد الخطوط على استقامتها لرؤية جميع النتائج الممكنة لاحتمال ما، كلٌّ منها في كون منفصل يتأثر بتلك النتيجة ويتفاعل معها.
هل يمكن أن يكون هناك عالم تتحقق فيه أمنيات نفتقدها الآن؟ هل يمكن أن يكون هناك عالم كعالمك لكنه من دونك؟! الجواب: نعمهذا ممكن على فانتازيته. بالطبع يواجه هذا التفسير لميكانيكا الكم الكثير من التحديات العلمية(6)، وهناك أسئلة كثيرة غير مُجابة بعد، وربما يكون الافتراض بأكمله خاطئا بالطبع، ولكن للتأكد من صحة تلك الفرضية يحتاج الأمر إلى كثير من الوقت والأدوات اللذين لا تملكهما البشرية الآن، وقد لا تملكهما على الإطلاق. حتى حينه، تظل الأكوان المتعددة مجرد احتمال تدعمه نظريات الفيزياء، لكنه احتمال يدعو للتأمل، للكثير من التأمل في الحقيقة.
___________________________________________________________________________
مصادر
2- SUPERPOSITION, INTERFERENCE AND DECOHERENCE
5- The Many Worlds Theory – Sean Carroll
