تنظيم جيني مميز يساعد الهيدرا على إعادة إنماء رؤوسها بعد أن تقطع

هناك عائلة مميزة من الجينات تعرف باسم "فوس" تشارك في عملية تجدد الرأس. وهذه العائلة ترى في عمليات التجدد في عدد من الأنواع الأخرى مثل الأسماك والسمندل والفئران

الهيدرا تمتلك قوى خارقة ومذهلة على الرغم من بساطة مظهرها (غيتي)

على الرغم من بساطة مظهرها، فإن مخلوقات الهيدرا (Hydra) المائية تمتلك قوى خارقة ومذهلة، فإذا قطعت رؤوس هذه المخلوقات، فإنها تملك القدرة على إعادة نموها مرة أخرى.

كائنات بسيطة ومذهلة

تنتمي الهيدرا إلى شعبة اللواسع (Cnidaria) والتي تضم قنديل البحر والشعاب المرجانية وشقائق النعمان البحرية. ويبلغ طول الهيدرا من 10 إلى 20 مليمترا. وتعتبر الهيدرا من اللافقاريات التي تعيش في المياه العذبة.

وتعد هذه المخلوقات أقرب الأمثلة للكائنات التي تحظى بالخلود، إذ تستطيع خلاياها الجذعية أن تتكاثر وتتجدد إلى أجل غير مسمى إن لم يلتهمها أي كائن مفترس أو لم تأكلها النيران.

أجسام الهيدرا الهلامية تمتلك لوامس (أذرعا) شبيهة بشقائق النعمان البحرية (غيتي)

وتستطيع الهيدرا إعادة تجديد وإنماء نفسها إذا تعرضت لأي خطر طالما كانت هناك على الأقل 5 من الخلايا المنظمة لنمو الرأس سليمة ولم تتعرض لأي تمزق، إذ تستطيع هذه الخلايا القليلة إعادة ترتيب المشهد وترميم أي فوضى لحقت بجسد الهيدرا حتى تنمو مرة أخرى إلى كائن مكتمل.

وتمتلك أجسام الهيدرا الهلامية الدودية لوامس (أذرعا) شبيهة بشقائق النعمان البحرية عند أحد أطرافها، كما أن لها قدما قاعدية قصيرة تفرز مواد لزجة لتثبتها على السطح.

وتتماثل أجسام الهيدرا شعاعيا كغيرها من الكائنات التي تنتمي إلى شعبة اللواسع، وهو ما يختلف عن التماثل الثنائي (bilateral symmetry) الخاص بأجسادنا نحن البشر، ويعني تطابق أجزاء الجسم الخارجي في الحيوان بطريقة منظمة.

الخلايا المنظمة

وتحتوي نهاية الرأس عند الهيدرا على تكوين يصبح بمثابة الفم، وذلك عندما تمزق نفسها حتى تتناول الطعام. وتلتحم هذه الخلايا مرة أخرى عندما لا تستخدم. وبداخل هذا التكوين الدقيق توجد عادة الخلايا المنظمة لنمو الرأس والتي يكون عددها من 50 إلى 300 خلية.

وتقوم هذه الخلايا بتوجيه الخلايا المجاورة لها لِتُكَون رأس الهيدرا، ويكون ذلك من خلال تحديد الإشارات الخلوية التي تدفع الخلايا المجاورة إما إلى تكوين التركيب فوق الفموي (Hypostome)، أو إلى تكوين الأذرع.

توجه الخلايا المنظمة الخلايا المجاورة لِتُكَون رأس الهيدرا أو تدفعها لتكوين الأذرع (يوريك ألرت – ديفيد بلاشزكي)
الخلايا المنظمة توجه الخلايا المجاورة لِتُكَون رأس الهيدرا أو تدفعها لتكوين الأذرع (يوريك ألرت-ديفيد بلاشزكي)

والجدير بالذكر أنه إذا مزقت الهيدرا إلى نصفين (عند أي موضع من ثلثها العلوي)، فإن الأجزاء المتبقية من الجسم تنمو مكونة العديد من الخلايا المنظمة، والتي ترتب بعد ذلك نمو رأس الحيوان مجددا. كما تظهر هذه الخلايا المنظمة أيضا على طول جسد الحيوان عندما يتبرعم ويتكاثر لا جنسيا.

ولطالما جذبت هذه السمات المذهلة انتباه العلماء، إذ إننا ما زلنا لا نعرف الكثير عن الكيفية التي تعمل بها هذه الخلايا. ولذا، فقد قامت عالمة الأحياء بجامعة كاليفورنيا (University of California) أيد ماسياس-مونيوز وفريقها بفحص جينات الهيدرا ودراسة الجينات التي يتم التعبير عنها (إنتاج نواتج لها) أثناء عملية تجدد الرأس والتبرعم.

تمايز جيني

وبحسب التقرير الذي نشره موقع "ساينس ألرت" (Science Alert) تعقيبا على الدراسة التي نشرت مؤخرا في دورية "جينوم بيولوجي آند إيفولوشن" (Genome Biology and Evolution) في 8 ديسمبر/كانون الأول الجاري، تقول ماسياس-مونيوز إن "أحد الاكتشافات المثيرة التي تعرفنا عليها تتمثل في أن برنامجي تجدد الرأس والتبرعم مختلفان تماما في الهيدرا".

وتضيف ماسياس-مونيوز أنه "على الرغم من أن النتيجة واحدة، رأس هيدرا جديدة، فإن التعبير الجيني كان أكثر تنوعا أثناء برنامج تجدد الرأس. كما صاحبت ذلك عملية إعادة تشكيل الكروماتين".

والكروماتين هو كتلة من المادة الوراثية تتكون من الحمض النووي والبروتينات التي تتكثف لتشكل صبغيات أثناء انقسام الخلية حقيقية النواة.

تمتلك أجسام الهيدرا الهلامية لوامس شبيهة بشقائق النعمان البحرية (ويكيبيديا – جياكومو ميركوليانو)
التعبير الجيني كان أكثر تنوعا أثناء عملية تجدد الرأس (ويكيبيديا – جياكومو ميركوليانو)

وقد تعرف العلماء على الكثير من مناطق الجينوم -البالغ عددها 2870 منطقة- كانت نشطة داخل الخلايا المنظمة لتجدد الرأس، إذ تساعد نواتج هذه الجينات في عمليات النمو الأخرى.

كما وجد الفريق أن هناك عائلة مميزة من الجينات تعرف باسم (Fos) كانت مشاركة هي الأخرى في عملية تجدد الرأس. والجدير بالذكر أن هذه العائلة ترى في عمليات التجدد في عدد من الأنواع الأخرى بما في ذلك الأسماك والسمندل والفئران.

كما أشار الباحثون إلى أن جينات الكائنات المجوفة كالهيدرا تشبه بشكل مدهش الجينات الخاصة بنا، مما يعني أن الاختلافات الشكلية التي تميزهم عنا يحتمل أنها كانت نتاجا للكيفية التي تُنظم بها هذه الجينات.

المصدر : ساينس ألرت + مواقع إلكترونية