هل تجلب الأبراج الجليدية المياه إلى أكثر الأماكن جفافا وبرودة على وجه الأرض؟

تعتمد الفكرة على الحفاظ على هذه الأبراج الجليدية أطول مدة ممكنة من العام، لأن ذوبانها يغذي الحقول حتى تبدأ المياه الجليدية الطبيعية بالتدفق.

The ice is formed by shooting fountains of water up in the air during freezing periods of the winter. University of Aberdeen, Author provided
تعمل درجات الحرارة المنخفضة على تجميد الماء بسرعة على شكل مخروطي (جامعة أبردين)

خلال موسم ذوبان الجليد في الصيف، يطلق جزء من سطح الأنهار الجليدية الجبلية المياه الضرورية للنظام البيئي في الوديان، حيث يوفر للمدن والصناعات الشاسعة في أماكن مثل أميركا الجنوبية والهند احتياجاتها من الماء.

مصدر للمياه في المناطق النائية

يشرح الدكتور ماتيو سبانيولو أستاذ الجغرافيا والبيئة في كلية علوم الأرض بجامعة أبردين، في مقال نشر على موقع "ذا كونفيرسيشن" (The Conversation) يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن هذه المياه الذائبة ضرورية أيضا لتوفير مياه الشرب وري المحاصيل للعديد من المجتمعات الريفية النائية.

ويشمل ذلك الذين يعيشون في وادي لاداك، وهو واد طوله 470 كلم يقع بين سلاسل جبال الهيمالايا وكاراكورام، ويقطنه 300 ألف شخص ويقع على ارتفاع 4 آلاف متر فوق مستوى سطح البحر.

تحتوي هذه المساحات على وفرة من الأنهار الجليدية، لكن مساحات كبيرة تقع داخل منطقة صحراء الظل المطري الموسمي -وهي منطقة قليلة الأمطار- مما يعني أنها قاحلة للغاية، لأن الجبال تحجب الأمطار.

ويعد وادي لاداك من أكثر المناطق الجبلية جفافاً وبرودةً في العالم، حيث نادرا ما تتجاوز الأمطار السنوية وتساقط الثلوج فيه 100 ملم، وهذا أكثر بقليل من الصحراء الكبرى، وتصل درجات الحرارة في شتائه إلى 30 درجة مئوية تحت الصفر.

اختفاء بمعدل مقلق

يعد النقص الحاد في المياه مشكلة أساسية للذين يعيشون في هذه الصحراء الباردة، فوجودهم يعتمد على نجاح محاصيلهم التي لا يمكن زراعتها إلا في بضعة أشهر من العام، وغالبا ما تُروى بمياه ذوبان الأنهار الجليدية، ومع ذلك فإن تغير المناخ على مدى العقود الماضية يعني أن الأنهار الجليدية في المنطقة كانت تتقلص أو تختفي تماما بمعدل مقلق، مما أدى إلى تقليص موسم الزراعة القصير أصلا.

الحل لهذه المشكلة هو بناء أبراج جليدية (Ice Stupas)، وهي أنهار جليدية صناعية مبنية لتخزين مياه الشتاء لاستخدامها في الأشهر القاحلة في أواخر الربيع وأوائل الصيف، عندما تكون المياه الذائبة نادرة.

وقد اخترع المهندس سونام وانجتشك الأنهار الاصطناعية عام 2013 في لاداك، وتعتمد فكرتها على الحفاظ على هذا البرج الجليدي لأطول مدة ممكنة من العام، وذلك لأن ذوبانها يغذي الحقول، حتى تبدأ المياه الجليدية الطبيعية في التدفق مرة أخرى في وقت لاحق من الصيف.

Sonam Wangchuk - المصدر: من حسابه الشخصي على تويتر
اخترع المهندس سونام وانجتشك الأبراج الجليدية عام 2013 في لاداك (مواقع التواصل)

تطلع إلى التعاون

وبالتعاون مع جامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي الهندية، قامت مجموعة أبحاث الغلاف الجليدي وتغير المناخ بدراسة 2200 نهر جليدي في منطقة لاداك، ووجدوا أن 86% منها قد شهدت زيادة في خط الثلج الدائم بحوالي 300 متر على مدى الـ42 عاما الماضية، وقد ارتفع هذا المعدل إلى 10 أمتار سنويا على مدى العقدين الماضيين.

وإلى جانب فصول الشتاء الجافة، أدى هذا الوضع إلى موجات جفاف متكررة، وهي تهدد الآن المحاصيل التي تعضد الحياة في المجتمعات الريفية، ومما لا يثير الدهشة أن قرى بأكملها قد هُجرت بالفعل أو ستتم هجرتها قريبا.

لا يمكن حل مثل هذه القضايا إلا من خلال عمل الحكومات والمجتمع معا، لذلك فإن الكثير من الآمال معلقة على النتائج الإيجابية من مؤتمر قمة المناخ "كوب 26" (COP26)، لكن أي حلول لزيادة المياه الذائبة المحدودة والمتناقصة الآن والمشتقة من الأنهار الجليدية يمكن أن تساعد في ضمان مستقبل مستدام لهذه المجتمعات.

Water is scarce in the dry Himalayan region of Ladakh and to tackle this problem the villagers have built an artificial glacier to solve this problem. ; Shutterstock ID 1296202951; purchase_order: ajnet; job: ; client: ; other:
الأبراج الجليدية هي طريقة جزئية لتعويض تأثير انكماش الأنهار الجليدية على المدى القصير (شترستوك)

حلول محلية

محليا، تقدم الأبراج الجليدية إجابة -أو على الأقل طريقة جزئية- لتعويض تأثير انكماش الأنهار الجليدية على المدى القصير، فباستخدام تقنيات أساسية وغير مكلفة يتم بناء هيكل مخروطي من الخشب والصلب، ثم عن طريق الجاذبية -بدلا من الكهرباء- تجلب المياه المحولة من مجارٍ قريبة خلال موسم الأمطار، ورشها في الهواء مثل النافورة.

تعمل درجات الحرارة المنخفضة على تجميد الماء بسرعة على شكل مخروطي، بحيث تبدأ كتلة الجليد بالنمو، ويشبه الشكل النهائي قبة المزارات البوذية، ومن هنا جاء الجزء "ستوبا" (Stupa) من الاسم، والذي يبطئ الذوبان اللاحق، لأن مساحة السطح المعرضة للشمس ودرجات الحرارة الدافئة قد تم تقليلها.

عندما يحل موسم الجفاف والطقس الأكثر دفئا، تجف مجاري المرتفعات المنخفضة بسرعة ويتبقى القليل من المياه حتى يونيو/حزيران عندما توفر الأنهار الجليدية المياه الذائبة، وفي هذه النقطة الحاسمة، تبدأ الأبراج الجليدية بالذوبان، مما يوفر مصدرا لا يقدر بثمن لمياه الري في وقت مبكر من موسم الزراعة، ويؤدي إلى تمديد موسم المحاصيل بضعة أسابيع، وهو ما يحدث فرقا كبيرا في هذه البيئة الزراعية القاسية.

Ice - Stupa (Artificial Glaciers) in the middle of cold desert of Ladakh in India.; Shutterstock ID 1141856114; purchase_order: ajnet; job: ; client: ; other:
يتم بناء هذه الأبراج الجليدية بالقرب من المكان الذي تشتد الحاجة فيه إلى المياه (شترستوك)

مزيد من التحسينات

إن إنشاء مخزون جليدي اصطناعي ليس بالأمر الجديد، ولكن في الماضي كانت تُبنى بأشكال أقل كفاءة وعلى ارتفاعات في الجبال، مما يجعل إدارتها صعبة. ولكن الآن تم بناء هذه الأبراج الجليدية بالقرب من المكان الذي تشتد الحاجة فيه إلى المياه على مشارف القرى وبالقرب من حقولها، وحجمها وشكلها يجعلها فعالة بشكل خاص وغير مكلفة وسهلة الصيانة، كما أنها قادرة على إنتاج ملايين اللترات من الماء كل عام.

ويأمل الباحثون الآن في استكشاف أفضل طريقة لاستخدام الأبراج للتعامل مع هذه المشكلة، إذ لا يزال المشروع في مراحله الأولى، وهناك حاجة إلى مزيد من العمل لتحسين بعض الجوانب الفنية، والتي تشمل العثور على مزيد من المواقع في كل من منطقة لاداك وأجزاء أخرى من العالم، وطرق لتجنب تجمد المياه في خطوط أنابيب الإمداد، وأفضل طريقة لتوزيع المياه على العديد من القرى والمستخدمين الآخرين، ومن خلال إنشاء تعاون طويل الأمد مع فرق جليد ستوبا المحلي والباحثين.

المصدر : ذا كونفرسيشن