زنابق البحر.. طافت بحار العالم الجوراسي على جذوع الأشجار

من خلال تحليل أحفورات زنبق البحر المتحجرة، حاول الباحثون تحديد المدة والمسافة التي كان من الممكن أن تقطعها في العصر الجوراسي، واكتشفوا أن الكائنات البحرية القديمة أمضت عقودا طويلة لعبور المحيط على طوافات عملاقة حملت معها أنظمة بيئية كاملة حول العالم.
وأفادت دراستهم المنشورة في دورية "رويال سوسيتي أوبن ساينس" (Royal Society Open Science) البريطانية بتاريخ 22 يوليو/تموز الماضي بأن هذه الكائنات قد تشبثت بجذوع الأشجار، مما خلق طوافات عائمة دعمت على الأرجح مجموعة من الكائنات الأخرى وسمحت بنقلها لمسافات طويلة عبر البحار الجوراسية.
أحافير حية
يعتبر زنبق البحر من أقدم الأحياء على الأرض، وظهر في العصر الأردوفيسي منذ نحو 485 مليون سنة في البحار الضحلة في وسط أوروبا، وانتشر بكثرة وتحجر وكوّن أحافير.
ينتمي زنبق البحر إلى قنفذ البحر ونجوم البحر من مملكة الحيوان، ويعيش على أعماق كبيرة جنوب خط الاستواء، وأغلب أنواعه لها ساق تمسك بأرضية البحر وتحمل من أعلى جسما رقيقا قمعي الشكل.
تأثرت الحياة خلال العصر الجوراسي تأثرا سلبيا بسبب قلة الأكسجين، فلم تستطع إلا زنابق البحر الحرة البقاء في أعماق البحار، وعاشت إما منفردة وإما في مستعمرات لتشكل "أحافير حية".

وفي ثلاثينيات القرن التاسع عشر، قام ويليام باكلاند، المعروف باكتشاف أول ديناصور، بجمع الأحافير مع عالمة الحفريات البريطانية الرائدة ماري آننغ من بلدة لايم ريجيس في جنوبي غربي إنجلترا، والتي تعد حاليا جزءا من موقع التراث العالمي للساحل الجوراسي.
تُعرف آننغ عالميا باكتشافاتها المهمة في الطبقات الأحفورية الجوراسية، وشملت اكتشافاتها أول هيكل عظمي للإكتيوصور، وأول هيكل عظمي للتيروصور.
كان أحد اكتشافاتهما الهامة هو بقايا أحافير زنبق البحر، التي يعود تاريخها إلى العصر الجوراسي، والتي تبدو مثل النحاس المصقول لأنها تحجرت بالبيريت، وهو معدن يشتهر باسم الذهب الكاذب لتشابهه مع الذهب في الشكل واللون.
نموذج الانتشار
لاحظ باكلاند أن هذه الحفريات كانت مرتبطة بقطع صغيرة من الأخشاب الطافية والتي تحولت إلى فحم، وافترض أن هذه الكائنات قد ارتبطت بالخشب الطافي أثناء وجودها على قيد الحياة.
كان يُنظر إلى فكرته في البداية على أنها خيالية إلى أن تم اكتشاف مجموعة مذهلة من الحفريات في الستينيات في قرية هولتسمادن التي تقع بين شتوتغارت وأولم بألمانيا.
في العصر الجوراسي، كانت قيعان البحر غير صالحة للسكن بسبب انخفاض مستويات الأكسجين، وكانت الكائنات الحية تتشبث بالأخشاب طوال حياتها.
وكان أحد الأسئلة الرئيسية المطروحة هو ما إذا كان يمكن لهذه الطوافات الخشبية البقاء على قيد الحياة لفترة كافية لنمو الكائنات حتى النضج، ولهذا قرر فريق من العلماء من المملكة المتحدة واليابان الإجابة عن هذه الأسئلة.

أظهر العلماء بقيادة آرون هنتر، وهو باحث زائر بعد الدكتوراه في قسم علوم الأرض بجامعة كامبريدج (University of Cambridge) بالمملكة المتحدة وزملائه، أن مثل هذه الطوافات يمكن أن تستمر لمدة تبلغ 15 عاما على الأقل وربما حتى 20 عاما قبل أن تبدأ في الغرق.
كشفت أبحاثهم أن زنابق البحر خفيفة الوزن للغاية، حتى في المستعمرات الكبيرة الناضجة، وتوصلوا إلى طريقة لحساب الوقت اللازم لتشبع جذوع الأشجار بالماء ومن ثم غرقها في البحر.
وذكر هنتر في مقاله المنشور على موقع "ذا كونفرزيشن" (The Conversation) أنهم نجحوا في حساب المدة التي يمكن أن تستمر فيها المستعمرة بعد تطوير "نموذج الانتشار"، واستعانوا بمعلومات خاصة بأشجار كانت موجودة في العصر الجوراسي مثل الصنوبريات والسيكاسيات.
زنابق البحر وأسلافها
كما استخدم الباحثون تقنية جديدة تُعرف باسم "تحليل النقطة المكانية" لرسم المسافات بين الأحافير، ومكنتهم هذه التقنية من الكشف أن زنابق البحر كانت معلقة بالفعل تحت الخشب الطافي، ولكنها تتجمع في الأطراف.
يتم الآن استخدام هذه التقنيات المثيرة من قبل فريق بحثي آخر لمقارنة تجمعات زنابق البحر التي تعيش في قاع البحر حاليا بأسلافها من العصر الجوراسي.
ويمكن أن تكشف الأبحاث كيف شكلت التغيرات السابقة في المناخ المجتمعات البحرية القديمة، وستساعد نتائجهم على فهم كيفية استجابة هذه المجتمعات للتحديات المستقبلية في عالم دائم التغير.