لماذا لا يصاب نقار الخشب بارتجاج في المخ؟

يستطيع نقار الخشب الطرق بمنقاره المدبب في جذوع الأشجار بسرعة تصل الي 20 ضربة في الثانية الواحدة (يوريك ألرت)
يستطيع نقار الخشب الطرق بمنقاره المدبب في جذوع الأشجار بسرعة تصل عشرين ضربة في الثانية الواحدة (يوريك ألرت)

لمياء أبو الخير

هل تساءلت إن كان مقدرا لجسم ما النجاة عند إلقائه من فوق مبني عال؟ تبعا لقواعد ديناميكا المواد بإمكانه أن ينجو من أثر السقوط الحر ولكنه لن ينجو بالطبع من الارتطام المفاجئ بسطح الأرض، فإذا كان ذلك صحيحا، فكيف لطائر نقار الخشب أن ينجو من أخطار ارتطام رأسه المتكرر بجذوع الأشجار لآلاف المرات في اليوم الواحد؟

أفضلية طائر
يملك نقار الخشب من السمات الطبيعية التي تجعله حصينا دون الإصابة بآلام الرأس والدوار، إذ يستطيع الطرق بمنقاره المدبب داخل جذوع الأشجار بسرعة تصل إلى عشرين ضربة في الثانية الواحدة، كي يحصل على بضع حشرات لتكون له مصدرا غذائيا ثمينا.

ولطالما تساءل الباحثون وممثلو الاتحادات الرياضية: هل بإمكاننا نمذجة بعض الأدوات لتنفيذ الأمر عينه في البشر، وكذا تقليل إصابات لاعبي كرة القدم بارتجاج المخ وآثاره الجسيمة؟ فما هي تلك التتابعات؟

قد يكون لاعبو الرياضات -التي تتضمن تدخلا جسديا عنيفا- الأكثر عرضة لتلك المخاطر، فهنا يزيد معدل إصابة اللاعبين بمرض الاعتلال الدماغي الرَضْخي والذي يحدث نتيجة لارتطام الرأس المتكرر بالحواجز، ويتسم ذلك الاعتلال بأعراض تضرر الدماغ مثل وهن الذاكرة وبعض الاضطرابات الذهنية التي قد تؤدي للاكتئاب وأحيانا الانتحار.

ووفقا لما صرح به اتحاد كرة القدم الدولي، فإن اللاعبين يتعرضون لإصابات ارتجاج المخ عند تعرض أدمغتهم للاصطدام المفاجئ بعدما تبلغ تسارعا يصل إلى ثمانين جي، في حين أن نقار الخشب يتمكن من الإفلات من احتمال الإصابة بعد تسارع يبلغ حوالي 1200 جي.

يُذكر أن قوة "جي" هي وحدة قياس تسارع الأجسام النسبي عند انتقالها من حالة الحركة إلى السكون والعكس، وعادة ما تقدر قوى التسارع للأجسام الساكنة بواحد جي، وتساوي قيمتها قوى الجذب الأرضي الواقعة على الأجسام.

تصميم استثنائي
بعد العديد من الدراسات التي استغرق إعدادها بضع سنوات من قبل فريق "سي بي ثري إم" بجامعة كاليفورنيا سان دييجو، أسهبت جوانا ميكتيرك أستاذة الهندسة الميكانيكية في سرد الإمكانات الجسدية التي تهيئ نقار الخشب لتجنب الإصابة بأمراض الدماغ الرضية.

حيث يتم ذلك من خلال تقليل آثار الصدمات المتكررة على منطقتي الرأس والرقبة، فترتد الرأس بمرونة لتعود إلى نقطة الانطلاق.

نشرت تلك التفسيرات بموقع "ذا كونزيرفاشن" بتاريخ الأول من فبراير/شباط، وفيها تفسر ميكتيرك بأن الطبقة السائلة المحيطة بالتركيب الهلامي للمخ تبلغ من السمك القليل فقط، وبالتالي فإن ذلك يساعد على تقليل تأرجح المخ داخل التجويف العظمي مقارنة بنماذج أخرى منها الدجاجة المنزلية.

كما أن ترتيب الطبقات العظمية في جمجمة الطائر والمكونة من لب داخلي قوي وغلاف خارجي أكثر خفة مما يسمح لها بإظهار سمات الصلابة. 

لكن ذلك ليس السبب الأوحد، فللوصول لأعلى مردود يعمل اللسان الذي يبلغ طوله ثلاثة أضعاف طول المنقار ويرتكز في منطقة ما بين العينين على امتصاص الذبذبات المرتدة داخل الرأس، كما أن عظام لسان نقار الخشب والقابع في قاعدته يساعد على أداء ذات المهام.

‪يبلغ طول اللسان ثلاثة أضعاف طول المنقار فيلتف داخل التجويف العظمي للرأس ويرتكز بمنطقة ما بين العينين‬ (ويكيميديا كومونز)
‪يبلغ طول اللسان ثلاثة أضعاف طول المنقار فيلتف داخل التجويف العظمي للرأس ويرتكز بمنطقة ما بين العينين‬ (ويكيميديا كومونز)

رأي آخر
وفي رواية أخرى، استهدف مؤلفوها متابعة المشهد المحتدم بالدماغ، وهل هناك إمكانية لتطوير ضرر عصبي بأدمغة الطائر بعد التعرض للكثير من الضربات، وجدوا على إثرها ترسبات من بروتين تاو، وهو مؤشر قوي على حدوث بعض التضررات الدماغية، في المادة البيضاء لأدمغة ثمانية من طيور نقار الخشب من أصل عشرة طيور.

في حين لم تظهر تلك الترسبات في أدمغة طائر الشحرور ذي الجناح الأحمر، وهو نموذج لا يستخدم آلية النقر بصورة اعتيادية.

ومع أننا اعتدنا رؤية طيور نقار الخشب وهي تستطيع الإفلات مما قد يلم بها من آثار الصداع والدوار، فإن الضربات القوية المتكررة قد تؤثر بالسلب على أدمغة الطائر على المدى الطويل.

المصدر : الجزيرة