بعد غياب طويل.. لماذا تجدد السباق على غزو القمر؟

HIGH WYCOMBE, - JANUARY 20: A full Moon rises over Southern England ahead of a total Lunar Eclipse and the possible sighting of a Blood Moon on January 20, 2019 in High Wycombe, United Kingdom. (Photo by Richard Heathcote/Getty Images)
رغم ما نعرفه عن القمر فإن ما نجهله عنه كثير (غيتي)
بعد خمسين سنة من هبوط نيل أرمسترونغ على سطح القمر لأول مرة في التاريخ، انخرطت الصين وأوروبا والهند وحتى الشركات الخاصة، في استكشاف القمر.
 
ويدعو هذا التسابق والسعي وراء غزو القمر إلى التساؤل عن الأسباب التي تحفز القوى العظمى والشركات الخاصة على خوض هذه التجربة.
 
وفي تقرير نشرته "جورنال دوديمونش" الفرنسية، أشارت الكاتبة جولييت ديمي إلى أن رئيس وكالة الفضاء الأوروبية يان فورنر دافع منذ أربع سنوات عن فكرة إنشاء "قرية قمرية" للروبوتات، ثم الإنسان. وفي ذلك الوقت، قوبلت هذه الفكرة بنوع من الاستغراب والتشكيك.

وأضافت الكاتبة أنه خلال العام 2019، أصبح هؤلاء المشككون ضعفاء، حيث عاد الإنسان إلى غزو القمر مرة أخرى. وبالتزامن مع الذكرى الخمسين لأول هبوط على سطح القمر، يشهد هذا الكوكب زيارة خمس بعثات على الأقل من المركبات الفضائية والروبوتات.

إحدى هذه البعثات تشرف عليها الصين وانطلقت بداية يناير/كانون الثاني الجاري، وأخرى بإشراف الهند وتنطلق خلال أبريل/نيسان المقبل. أما البعثات الثلاث المتبقية فستكون تحت إشراف شركات خاصة متمركزة في إسرائيل وألمانيا والولايات المتحدة. وفي ظل هذا الوضع، أعلنت أوروبا مؤخرا أنها تسعى للانضمام إلى مجموعة القوى القمرية المستقلة قبل حلول العام 2025. 

وتساءلت الكاتبة عن سبب هذا التسابق والحماس من أجل غزو القمر، في الوقت الذي باءت فيه محاولات غزو المريخ بالفشل، مشيرة إلى أن أسباب هذا التسابق يكمن في كون السفر إليه أقل خطرا وكلفة، بالإضافة إلى كون الوصول إلى القمر لا يستغرق سوى أربعة أيام.

كيفية تكوين القمر ما زالت مسألة يحاول العلماء معرفتها على وجه اليقين (رويترز)
كيفية تكوين القمر ما زالت مسألة يحاول العلماء معرفتها على وجه اليقين (رويترز)

وبشكل عام، يجذب القمر المختصين في مجال الفضاء وحتى المستحدثين، إذ رغم الكشف عن العديد من الحقائق حوله، فإن الكثير من الغموض ما زال يحوم حوله.

وفي هذا الصدد، أورد أخصائي علم الأجسام أثينا كوستيني الذي يرأس اللجنة الاستشارية المعنية بالاستكشاف البشري والآلي التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (إيسا)، أن "العالم اعتقد بعد بعثات أبولو أنه أصبح يعرف كل شيء عن القمر، لكن هذا الاعتقاد خاطئ".

وفي هذه المرحلة يجدر طرح أسئلة من قبيل: هل توجد مياه سائلة تحت القطبين؟ ولماذا تملك الأرض فقط قمرا بهذا الحجم يدور حولها؟ 
 
تكوين القمر
ونقلت الكاتبة أن أهم التساؤلات تتمحور حول كيفية تكوّن القمر، التي ما زالت غير مؤكدة إلى حد الآن.

وتقول الفرضية المفضلة إن القمر تكوّن إثر اصطدام الأرض بجرم سماوي كبير منذ أربعة مليارات سنة. وبهذا الشكل، تجمّع الحطام المتناثر حول الأرض في قرص يدور حولها وهو القمر، لكن السؤال حول كيفية تشكله ظل قائما إلى الآن.

وفي هذا السياق، أشار عالم الفيزياء الفلكية برنارد فوينغ إلى أن القمر يمكن اعتباره "ابن الأرض" وقارة ثامنة طردت إلى الفضاء، لذلك يجب استكشافه والتعرف على العديد من التفاصيل حوله، بدءا من نواته ووصولا إلى مكوناتها وتوزيع العناصر فيه.

المركبة الصينية الجوالة
المركبة الصينية الجوالة "يوتو2" بدأت استكشاف الجانب البعيد للقمر لأول مرة في التاريخ (الأوروبية)

وبينت الكاتبة أن استكشاف القمر يعني الغوص في التاريخ، لأنه -على عكس الكوكب الأزرق- لم تحجب الرياح أو التآكل تأثيرات الكويكبات على سطحه. وعند تحليل خصائصه، يمكن تحديد التفجيرات والتغييرات التي طرأت عليه، ويمكن أيضا العثور على بقايا النيازك، أو حتى الكواكب الأخرى أو الأرض الصغيرة جدا التي كانت ستنتهي على السطح نتيجة للتأثيرات العنيفة.

ونقلت الكاتبة عن فوينغ قوله إنه "يمكن العثور على بعد أمتار في العمق على عينات من الأرض أقدم من أقدم أثر للحياة الأرضية التي تبلغ من العمر 3.8 مليارات سنة. ويمكن أن تكون هذه التفاصيل هي الحلقة المفقودة من تاريخ الأرض".

وأشارت إلى أن القمر يمكن أن يكون بمثابة موقع متقدم في الفضاء. كما أن الجانب البعيد منه مخفي ومحمي من الضوضاء الأرضية، مما يجعله "بيئة كهرومغناطيسية هادئة".

وأضاف أخصائي علم الأجسام أنه في الوقت الذي ستوقف فيه محطة الفضاء الدولية كامل أنشطتها بحلول العام 2024، يمكن أن توحّد جميع الوكالات كامل أهدافها التي يمكن أن تكون بشكل "بناء محطة في مدار حول القمر، لمواصلة التجارب التي تجريها في محطة الفضاء الدولية، وإعداد تركيب قاعدة مأهولة على سطحه".

محطة الفضاء الدولية ستوقف كامل أنشطتها بحلول العام 2024 (رويترز)
محطة الفضاء الدولية ستوقف كامل أنشطتها بحلول العام 2024 (رويترز)

استغلال الموارد على القمر
وإلى جانب التعطش للمعرفة ورمزية اكتشاف هذا الكوكب، يختفي وراء غزو القمر أسباب أكثر واقعية، تكمن أساسا في استغلاله اقتصاديا.

وفي حقيقة الأمر، توجد في أتربة القمر مواد ومعادن صالحة لتشييد المباني أو غيرها. كما توجد معادن نادرة وخاصة احتياطيات كبيرة من "الهيليوم3″، وهو غاز شبه منعدم في الأرض يمكن أن يكون مصدرا للطاقة.

ويتمثل كنز القمر الأثمن من غيره في احتياطياته الهائلة من الماء المحتبس في قطبيه. ويمكن أن توفر هذه الموارد الهيدروجين والأكسجين، وهما الغازان الضروريان لتشغيل محركات الصواريخ. وبهذا الشكل، سيكون إطلاق صاروخ فضائي من القمر أقل تكلفة بمعدل 40 مرة من كلفة إطلاقه من الأرض.

ونقلت الكاتبة عن عالم الفضاء جون كريستوف هنو أنه "إذا نجحنا في استغلال الموارد على القمر للسماح بوجود إنساني، يمكن أن يتحول القمر إلى ميناء فضائي لاستكشاف كواكب أخرى".

وبالنسبة إلى فوينغ، "سيتطلب هذا الاستكشاف النظر في تقنيات مستدامة وذكية لنقلها إلى الأجيال القادمة".

المصدر : مواقع إلكترونية