البقعة الحمراء العظيمة في كوكب المشتري.. لم تعد عظيمة!

قبل أيام أتحفتنا كاميرا المركبة جونو(1) (Juno) -التي تتخذ مدارا الآن حول المشتري وقد اقتربت من إنهاء مهمتها التاريخية معه- بصورة جديدة يمكن أن توصف بأنها غاية في الروعة والدقة للبقعة الحمراء العظيمة (Great Red spot) الموجودة على سطح الكوكب وأحد أشهر ملامحه، ذلك الإعصار الأضخم والأقوى في المجموعة الشمسية بحجم أكبر من كرتنا الأرضية والذي يمكن لك -لضخامته- أن تلاحظه بتلسكوب صغير من على الأرض وتستمتع بتأمله، لكن جونو التقطت الصورة فقط على ارتفاع تسعة آلاف كيلومتر من الكوكب، لتكشف لنا عددا من التفاصيل الجديدة التي انتظرها الفلكيون طويلا لتحقيق فهم أفضل لتلك البقعة المحيّرة.

كانت جونو -وسمّيت نسبة إلى زوجة جوبيتر/المشتري ملك الآلهة في الميثيولوجيا القديمة- قد انطلقت في (أغسطس/آب) 2011 لتصل إلى المشتري في(2) 2016 وتتخذ مدارا قطبيا حول الكوكب، أي تمر بين قطبي الكوكب من الأعلى إلى الأسفل، ثم يُفترض أن تُنهي المركبة 37 دورة حول المشتري لتنتهي مهمتها الأساسية حول (أكتوبر/تشرين الأول) من العام الحالي، استطاعت جونو إلى الآن أن تعطينا صورا جديدة تماما للكوكب نراها لأول مرة في تاريخنا، ستغير تلك الصور تصورنا عن ذلك الكوكب، وسوف تغير كتب الفلك الخاصة بنا، وحتّى كتب الهواة والأطفال.



يعني ذلك أن تاريخ وجود تلك العاصفة مجنونة الضخامة التي تتم دورة كاملة كل ستة أيام أرضية ربما سابق للقرن السابع عشر، ويعتقد العلماء أنها تدور هناك منذ ما يقرب من 350 سنة، ويدعونا طول تلك المدة بالنسبة لإعصار واحد للتعجب في الحقيقة، فسطح الكوكب الضخم كما نرصده من على الأرض رغم ثبات نظام الرياح فيه على شكل أحزمة داكنة ومناطق فاتحة تدور باتجاهات معاكسة فإنه دائم التنوع والتغير على مدى فترات أقصر كثيرا من تلك، وربما ذلك هو أحد أهم الأسئلة التي تحاول جونو أن تجد إجابة لها هناك حول سطح ذلك العملاق الذي يسع لأكثر من ألف كرة بحجم الأرض، أحد الأسئلة أيضا حول ديناميكا حركتها هو عن عمق امتداد ذلك الإعصار في جوف المشتري، كذلك السؤال الأهم الذي حيّر الفلكيين لمدة طويلة عن شكل تلك البقعة، فهي -مع الزمن- تتطور من الشكل البيضاوي إلى الدائري، ويصغر حجمها بمعدلات من 0.14 درجة حتى منتصف القرن الفائت إلى 0.19 درجة سنويا خلال السنوات الأربعين الماضية، حتى وصلت الآن إلى أقل من نصف قطرها الذي عرضناه منذ قليل، فهل سوف تختفي البقعة الحمراء العظيمة قريبا؟

قبل محاولاتنا لفهم سبب ذلك الانكماش دعنا نتأمل الفارق الواضح بين حجم البقعة قبل بداية القرن الفائت وحجمها الآن، حيث تمكن الهاوي الفلكي داميان بيتش(4) قبل سنتين من صنع تصميم لكوكب المشتري بناه على صورة أصلية بالأبيض والأسود التقطها مرصد "ليك" سنة 1890، بيّنت الصورة حجم البقعة وقتها، وكانت ذات قطر يقدر بـ 36 ألف كم، أي يمكن لنا تقريبا وضع ثلاثة كرات أرضية بداخلها، لكن الآن أصبح قُطر البقعة حوالي 16 ألف كيلومتر، أي أنها يمكن أن تحمل ما مقداره 1.3 كرة أرضية فقط، كان الفلكيون قبل بداية القرن الفائت على علم بأن البقعة تتقلص بالفعل، وما زالت، فكما نرى، خلال السنوات العشرين السابقة تناقصت بوضوح كما ترى في الصور المرفقة.


في المقابل من ذلك، وبينما تنكمش البقعة الحمراء العظيمة، في أوائل الثلاثينيات بالقرن الفائت نشأ ما نسميه الآن "البقعة الحمراء الصغيرة" (Red Spot jr.) أو (Oval BA)، بدأت كثلاثة أعاصير بيضاء كبيرة صغرت في الحجم تدريجيا ثم اندمجت معا في سنة 2000 وبدأت في اتخاذ اللون الأحمر بوضوح(6)، في سنة 2005 لا نعرف الكثير بعد عنها لكن المؤكد هو أنها تزداد في الحجم بالتدريج، في المقابل يتوقع العلماء أن تستمر البقعة العظيمة في الانكماش، السؤال عن إن كانت سوف تفنى تماما ما زال مفتوحا على مصراعيه، لكن ما قد يحدث هو أن تستبدل الألقاب بالمستقبل، فتحل البقعة الجديدة محل القديمة وتتخذ هي اسم "البقعة الحمراء العظيمة"، الحياة ألقاب تتبدل كما ترى.

في كل الأحوال، فإن إحدى المهام الرئيسة للمركبة جونو هي دراسة ديناميكية نظام الرياح في المشتري وترسيمها عبر دراسة دقيقة للضغط الجوي وتحركات الرياح ودرجات الحرارة، سوف يساعدنا ذلك على وضع تصور أفضل عن مستقبل البقعة الحمراء العظيمة، بجانب ذلك سوف تهتم جونو باستكشاف نواة الكوكب وتكوينها، ودراسة المجال المغناطيسي له عبر إجراء قياسات دقيقة بمناطق متنوعة منه من أجل رسم خريطة ثلاثية الأبعاد لهذا المجال، وبالطبع تقدير نسب الهيدروجين مقابل الأكسجين لتحديد نسبة الماء على الكوكب، وكذلك الأمونيا والميثان، بحيث يساعد ذلك في إثبات صحة بعض النظريات المتعلقة بنشأة الكوكب في الأساس من عدمها، والتي سوف تساعد بدورها في كشف تكوين المجموعة الشمسية ككل، لهذه الأسباب تجهزت المركبة بمجموعة من الكواشف وأجهزة الاستشعار غاية في الدقة، والتي سوف تمكنها عبر طيف واسع من المجال الكهرومغناطيسي من سبر أغوار تلك الأغلفة الكثيفة من السحب التي تحيط به والنزول للأسفل بحثا عن إجابات.

ها نحن ذا نقترب من المشتري بشكل لم يحدث في تاريخ البشرية من قبل، ما بدأ قبل أربعة قرون بتلسكوبات بسيطة يصل اليوم إلى مرحلة لم يكن أبدا لفلكي هاو وقتها أن يتخيّل حتى إمكانية وجودها، لكنها عادة البحث العلمي أن يسبق حتّى أعتى خيالاتنا، تلك الصور المذهلة وذلك الكم المهول من البيانات التي ترسلها جونو لنا سوف تغير حتما طريقة رؤيتنا لهذا الكوكب، وبالتالي سوف تفتح الباب بشكل أفضل لعلماء الأرض أن يدرسوا تلك النطاقات -أنظمة الرياح، المجالات الكهرومغناطيسيىة مثلا- من وجهة نظر مختلفة وأكثر كثافة وتعقد تمكنّهم من عقد مقارنات وتحسين فهمنا للوضع هنا على الأرض، ربما يجنبنا ذلك يوما ما مشكلات خطيرة بطقس الأرض مثلا، وربما الهدف هو فقط سبر أغوار المجهول، يظل ذلك السؤال المهم مطروحا دائما: لماذا نفعل ذلك؟ لماذا نرسل بنيوهورايزون، كاسيني، جونو، بايونير، جاليليو، باركر، إلى الفضاء السحيق؟ هل سوف نصل لشيء؟ لأحد؟ هل سوف نفهم أصولنا يوما ما؟… لنر.
