شركة ناشئة تعمل في الاندماج النووي لإنهاء الاعتماد على النفط والغاز

بوب مامغارد الفيزيائي المتخصص في البلازما ورئيس شركة كومنولث لأنظمة الاندماج النووي (نيويورك تايمز)
بوب مامغارد الفيزيائي المتخصص في البلازما ورئيس شركة كومنولث لأنظمة الاندماج النووي (نيويورك تايمز)

قالت شركة ناشئة أسسها علماء في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا (MIT) إنها باتت قريبة من تحقيق طفرة تكنولوجية من الممكن أن تقرب العالم خطوة من الطاقة الاندماجية التي طالما أفلتت من أيدي العلماء لعقود.

وبدأ الباحثون في مركز بلازما للعلوم والاندماج (Plasma Science and Fusion Center)، التابع لمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا، والمهندسون في الشركة، تجربة مغناطيس فائق القوة لتوليد حرارة هائلة يمكن تحويلها بعد ذلك إلى كهرباء؛ وسيفتح ذلك الأبواب إلى ما يُعتقد أنه يكون مولدًا اندماجيًّا.

ولطالما اعتُبرت الطاقة الاندماجية واحدة من أهم التقنيات اللازمة لمكافحة آثار التغير المناخي، لأنها من الممكن أن تولد فائضًا كبيرا من الطاقة الرخيصة النظيفة.

لكن لم تكن هناك عوائد تجارية لأبحاث الاندماج، رغم الاستثمارات لعقود والوعود المفرطة في كثير من الأحيان. وبينما هناك تاريخ طويل من التجارب الدولية، فلم يتمكن العلماء من بناء أنظمة اندماج حتى الآن تولد طاقة أكبر مما تستهلك.

عينات في شركة كومنولث التي أسسها علماء بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لاختبار المغناطيسات شديدة القوة التي يمكنها توليد حرارة هائلة (نيويورك تايمز)

ومثل طاقة الانشطار النووي، التي تقسم الذرات، فإن طاقة الاندماج لن تستخدم الوقود الأحفوري، ولن تنتج الغازات المسببة للاحتباس الحراري، بل ستكون مرغوبة أكثر من الانشطار النووي، لأن وقودها عادة هو نظائر الهيدروجين، وهو متوافر بكثرة عن اليورانيوم المستخدم حاليا في المفاعلات النووية، كما أن المفاعلات الاندماجية ستنتج نفايات مشعة أقل عددا وأقل خطورة.

يقول بوب مامغارد "أنت تضيف كل التكلفة؛ تكلفة الأشياء العادية مثل الخرسانة والحديد، وستولد طاقة تماثل تلك الناجمة عن محطة غاز، لكن من دون دفع ثمن الغاز"

ورغم أن تحقيق تقدم في الطاقة الاندماجية يبقى أمرا صعب المنال، فإنها تعد واحدة من طرائق التكنولوجيا المتقدمة التي يمكن أن تنهي الاعتماد على الوقود الأحفوري. ويعتقد بعض الباحثين أن أبحاث الاندماج قد تأخذ أخيرا خطوة إلى الأمام في هذا العِقد.

وهناك أكثر من 20 شركة خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا والصين وأستراليا والتحالفات الممولة حكوميًّا تستثمر بقوة في جهود بناء مفاعل تجاري للاندماج. وتقارب قيمة الاستثمارات الإجمالية من أناس مثل بيل غيتس وجيف بيزوس نحو ملياري دولار.

وتنفق الحكومة الفدرالية أيضًا ما يقارب 600 مليون دولار كل عام على أبحاث الاندماج، وهناك تعديل مقترح لإضافة مليار دولار إلى مشروع إدارة (الرئيس الأميركي جو) بايدن للبنية التحتية، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي لجمعية صناعة الاندماج النووي أندرو هولاند.

وتبني بعض الشركات الناشئة والتحالفات أشعة ليزر قوية لتوليد تفاعلات اندماجية، في حين تستكشف شركات أخرى أنواعًا أخرى من الوقود، وتتبنى معظمها رؤية واحدة؛ أنه سيكون بإمكانها إثبات أن تقنياتها تستطيع توليد الكهرباء بأسعار تنافسية في هذا العِقد، وبناء مفاعلات تجارية لتغذية شبكات الطاقة بالكهرباء بعد عام 2030 بوقت قصير.

إن المغناطيس الجديد لشركة كومنولث  -الذي سيكون من بين الأقوى في العالم- سيكون عنصرًا حاسمًا في مفاعل الاندماج النووي المصغر، المعروف باسم توكاماك (Tokamak)، وهو تصميم يستخدم القوى المغناطيسية لضغط البلازما، حتى تكون أكثر حرارة من الشمس. ويبدو المفاعل كأنه جرة على شكل حلقة مفرغة محاطة بقطع المغناطيس. وكان علماء الفيزياء في الاتحاد السوفياتي تصوروا ذلك في الخمسينيات من القرن الماضي.

ويزعم مديرو شركة كومنولث للاندماج النووي أن المغناطيس قفزة تكنولوجية مهمة، ستجعل تصميم مفاعل توكاماك أمرًا قابلا للتطبيق على نطاق تجاري للمرة الأولى. ويقولون إنهم ليسوا مستعدين بعد لاختبار النموذج الأولي لمفاعلهم، لكن الباحثين عاكفون على الانتهاء من المغناطيس، ويأملون أن يكون قابلا للعمل بحلول عام 2025.

صورة داخلية من "يويو فيوجن" للجدار المعدني من البيريليوم والتونغستين في مركز كولهام لطاقة الاندماج في أبيندغون بإنجلترا (نيويورك تايمز)

ويأمل العلماء في ماساشوستس أن يعرضوا حقلا مغناطيسيًّا أقوى مرتين تقريبا من قطع المغناطيس المخطط لاستخدامها من التحالفات العالمية للاتحاد الأوروبي و6 دول أخرى تبني مفاعلاً في كاداراش (Cadarache) بفرنسا، ويأمل ذلك التحالف بدء توليد الكهرباء في الموقع عام 2035.

وقال بوب مامغارد، وهو فيزيائي متخصص في البلازما والرئيس التنفيذي لشركة كومنولث، "إذا خلقت حقلا مغناطيسيًّا أقوى بكثير فبإمكانك أن تصل إلى حجم أقل كثيرًا". وقال إنه إذا كان بالإمكان بناء جهاز أقل 50 مرة في الحجم من مفاعل فرنسا، الذي سيكون تقريبا بحجم ملعب كرة قدم، فسيكون قادرًا على توليد القدر نفسه من الطاقة تقريبا.

دانيال جاسبي: "قد يكون باستطاعتهم عمل شيء من هذا القبيل في النهاية، لكن ليس خلال الجدول الزمني الذي يتحدثون عنه"

وسيكون مغناطيس شركة كومنولث واحدًا من 20 سيتم استخدامها لبناء مركبة على شكل حلقة مفرغة في مساحة تقارب حجم ملعب تنس. وأسست شركة كومنولث هذا العام موقعًا في ديفينز بولاية ماساشوستس بمساحة 47 فدانًا، حيث ستبني النموذج الأولي لمفاعلها وكذلك مصنع قطع المغناطيس. ويتم تصنيع قطع المغناطيس عن طريق وضع فيلم رقيق من المواد الغريبة على مساند تشبه شريط الفيديو، ثم يتم لفه على زجاجة تستخدم لاحتواء تفاعل الاندماج.

وحصلت شركة كومنولث -التي جمعت أكثر من 250 مليون دولار حتى الآن وتوظف 150 شخصًا- على دعم كبير العام الماضي عندما نشر فيزيائيون بمركز بلازما للعلوم والاندماج التابع لمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا والشركة 7 أوراق تمت مراجعتها في مجلة فيزياء البلازما توضح أن المفاعل سيعمل كما هو مخطط له.

ما يتبقى إثباته هو إمكانية النموذج الأولي لمفاعل شركة كومنولث لتوليد طاقة أكثر مما يستهلكه، وهي قدرة يحددها الفيزيائيون علميا بقولهم إن قيمة "كيو" (Q) تكون أكبر من الواحد الصحيح. وتأمل الشركة أن ينتج مفاعلها -عند اكتماله- 10 مرات قدر الطاقة التي يستهلكها.

وكتب دانيال جاسبي، وهو فيزيائي بلازما متقاعد في جامعة برنستون (Princeton)، مقالات ناقدة حول الاستخدام التجاري للطاقة الاندماجية في مجلة العلماء النوويين وفي مجلة الفيزياء والمجتمع، كما وصف بعض الشركات الناشئة بأنها منخرطة في ما يعرف بـ"فودو فيوجن إنرجي" (voodoo fusion energy)؛ أي نوعًا من الشعوذة؛ فهناك عدد من الشركات لم تبرهن بعد أن تكنولوجياتها ستخلق تفاعلاً اندماجيًّا.

وهو يفصل شركة كومنولث عن هذه الفئة، لأن تصميمات "توكاماك" خلقت طاقة اندماجية، لكنه يرى أن تكنولوجيات الاندماج الجديدة لن تنتج على الأرجح طاقة كهربية رخيصة.

ماكينة اختبار تستخدم في بناء مغناطيس قوي تأمل شركة كومنولث من خلاله بناء مفاعل دمج نووي في كامبردج بولاية ماساشوستس (نيويورك تايمز)

وقال جاسبي -في مقابلة- إن "ادعاءاتهم غير مبررة"، وأضاف "قد يكون باستطاعتهم عمل شيء من هذا القبيل في النهاية، لكن ليس خلال الجدول الزمني الذي يتحدثون عنه".

وردًّا على ذلك، قال مامغارد إن جاسبي لم يضع في اعتباره قدرة التقنيات المتقدمة الجديدة التي ستحققها قريبًا شركته والباحثون في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا.

وقال إنه بخلاف مصادر الطاقة الأخرى، فسيولد الاندماج طاقة إلى حد كبير من دون وجود مصدر. وأردف مامغارد "أنت تضيف كل التكلفة، تكلفة الأشياء العادية مثل الخرسانة والحديد، وستولد طاقة تماثل تلك الناجمة عن محطة غاز، لكن من دون دفع ثمن الغاز".

© مؤسسة نيويورك تايمز 2021

نقلتها للعربية صفحة ريادة-الجزيرة

المصدر : نيويورك تايمز

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة