خبايا من "الصندوق الأسود" للمال والسلطة في الصين

صورة ترمز للعلاقة بين المال والسلطة في الصين(نيويورك تايمز)
صورة ترمز للعلاقة بين المال والسلطة في الصين (نيويورك تايمز)

من أجل بناء مركز لوجستي بجوار المطار الرئيسي في بكين، أمضى ديزموند شوم 3 سنوات في جمع 150 ختمًا رسميًا من البيروقراطية الصينية متعددة الطبقات.

وللحصول على أختام الموافقة هذه، تزلف بالخدمات للمسؤولين الحكوميين. فعلى سبيل المثال، طالبه رئيس مصلحة الجمارك في المطار ببناء مبنى جديد للمصلحة، يضم ملعبًا داخليا لكرة السلة وآخر لكرة الريشة، ومسرحًا به 200 مقعد وحانة كاريوكي.

وقال المسؤول لـ"شوم" بابتسامة كبيرة على العشاء، "إذا لم تعطنا ذلك، فلن نسمح لك بالبناء".

ويروي شوم المحادثة في مذكرات توضح كيف يحافظ الحزب الشيوعي على خضوع قطاع الأعمال، وماذا يحدث عندما يتجاوز رجال الأعمال الخط المرسوم لهم. يظهر كتاب "لعبة الروليت الحمراء" (Red Roulette) قصة مصدر مطلع على الثروة، والسلطة، والفساد، والانتقام في الصين الحالية. وتم إصداره هذا الشهر، ويبين كيف يستمر المسؤولون الحكوميون في الحفاظ على القواعد غامضة وعلى التهديد الدائم بالقمع، مما يحد من دورهم في تنمية البلاد.

"بالطبع، فإن الدمج بين المال والسياسة يولد الفساد

في جميع أنحاء العالم"

وقال شوم في مقابلة هاتفية من منزله في بريطانيا: "لو أردت تحقيق أي شيء في الصين، فعليك اقتحام المناطق الرمادية اللون"، وأضاف "كنا جميعًا نلعق الدماء بألسنتنا من على النصل".

ومعظم الأحداث التي صورها الكتاب لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل، لكن وجهة نظر شوم باعتباره مطلعا -من المقاعد الأمامية- على التفاعل بين المال والسياسة في الصين ليست محل شك.

تُظهر مذكرات "شوم " كيف يحافظ الحزب الشيوعي على الأعمال التجارية - وماذا يحدث عندما يقاوم رجال الأعمال؟ (نيويورك تايمز)تظهر مذكرات "شوم " كيف يحافظ الحزب الشيوعي على الأعمال التجارية – وماذا يحدث عندما يقاوم رجال الأعمال (نيويورك تايمز)

فكان الرجل متزوجًا ذات مرة من دوان ويهونغ، وهي التي كانت مقربة من عائلة وين جياباو، رئيس الوزراء الصيني السابق. وكانت دوان -المعروفة أيضًا باسم ويتني- شخصية محورية في تحقيق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" عام 2012 عن الثروة الخفية الهائلة التي يسيطر عليها أقارب وين.

وقد اختفت دوان في سبتمبر/أيلول عام 2017، رغم أن شوم كان قد قال إنها تواصلت معه قبيل إصدار الكتاب لإقناعه بالتوقف عن نشره.

وقد يجد بعض القراء صعوبة في التعاطف مع زوجين سابقين من عالم السلطة وقادة أعمال صينيين كبار مثلهما. غير أن الكتاب يصف الثروات التي جمعاها عن طريق المناورة والتحايل مع المسؤولين الحكوميين الأقوياء الذين استخدموا نفوذهم لعقد الصفقات. وبالطبع، فإن الدمج بين المال والسياسة يولد الفساد في جميع أنحاء العالم.

لكن كتاب شوم ظهر في الوقت الذي أصبح فيه مستقبل رواد الأعمال في الصين موضع شك. إذ قامت الحكومة بقمع أكثر الشركات الخاصة نجاحًا، بما في ذلك مجموعة "علي بابا" (Alibaba)، عملاق التجارة الإلكترونية، وشركة "ديدي" (Didi) لنقل الركاب. وحكمت على كبار رجال الأعمال الذين تجرأوا على انتقاد الحكومة بالسجن لفترات طويلة.

وقد حث الزعيم الصيني الأعلى، شي جين بينغ، رجال الأعمال على تقاسم ثرواتهم مع بقية البلاد في محاولة لتحقيق "الرخاء المشترك"، مما قاد إلى مخاوف من أن الدولة قد تخنق القطاع الخاص، وتعطي الحزب الشيوعي المزيد من الهيمنة على الحياة اليومية.

كتب شوم في الكتاب: "لدى الحزب غريزة شبه حيوانية تجاه القمع والسيطرة". وأضاف: "إنها إحدى المبادئ التأسيسية للنظام اللينيني. وفي أي وقت يستطيع الحزب فيه أن يتجه نحو القمع، سيفعل".

وردًا على طلب للتعليق، قالت وزارة الخارجية الصينية إن الكتاب مليء بالادعاءات التي لا أساس لها لتشويه سمعة الصين.

يعتقد شوم أن غالبية أصحاب الأعمال على دراية بالمشكلات الموجودة في النظام، لكن قليلا منهم فقط على استعداد للتحدث، لأن الكلفة مرتفعة للغاية.

وكان شوم ودوان يديران أعمالًا تجارية خلال ما يسمى "العصر المذهب" في الصين في التسعينيات والعقد الأول من الألفية الجديدة، عندما خفف الحزب سيطرته على المجتمع لتعزيز شرعيته وإبراز نيته الحسنة تجاه الاقتصاد، بعد حملة تيانانمن عام 1989 ضد المتظاهرين من مؤيدي الديمقراطية. حينها، حاول الحزب كثيرًا احتواء رجال الأعمال الكبار بدلًا من ليّ أذرعهم، وذلك لإبقاء الشركات تحت سيطرته، ومساعدته على نسب الفضل في معجزة الصين الاقتصادية إليه. وكان هذا يعني إقناعهم بأن يصبحوا أعضاء في الحزب، وأن ينضموا إلى صفوف المشرعين والمستشارين السياسيين في البلاد.

وقد نجح الأمر. حيث اعتقد العديد من رجال الأعمال أن بإمكانهم تشكيل صين أكثر انفتاحا. وسعوا إلى حماية الممتلكات، وإلى نظام قضائي مستقل، وعملية أكثر شفافية في اتخاذ القرارات الحكومية من أجل تقديم حماية أفضل للناس، من الأغنياء أو غيرهم، من سلطان الحزب. وأثار بعضهم قضايا خطيرة للحكومة خلال جلسات البرلمان. ودعم آخرون المنظمات غير الحكومية والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام الاستقصائية.

ديزموند شوم مع دوان ويهونغ في سويسرا في عام 2004. (نيويورك تايمز)ديزموند شوم مع دوان ويهونغ في سويسرا عام 2004 (نيويورك تايمز)

فترة لم تدم طويلًا

يعتقد شوم أن غالبية أصحاب الأعمال على دراية بالمشكلات الموجودة في النظام، لكن قليلا منهم فقط على استعداد للتحدث لأن الكلفة مرتفعة للغاية.

وقال إن العديد من رجال الأعمال تمكنوا من نقل جزء من أصولهم على الأقل إلى الخارج. وقلة فقط هم الذين يقومون باستثمارات طويلة الأجل لأنها تنطوي على مخاطرة صعبة وكبيرة. وقال إن "الحمقى فقط هم من يخططون على المدى الطويل".

وتتطابق ملاحظات شوم مع ما يقوله آخرون. فقد أخبرتني سيدة أعمال تقيم في بكين أن "لعبة الروليت الحمراء" قد أحدث فجوة في الصندوق الأسود لديناميكية الأعمال الحكومية في الصين. وأخبرني اثنان من أباطرة العقارات عن تجربتهما المخزية من الاضطرار للوقوف خارج مكتب أحد المسؤولين الحكوميين لساعات من أجل الحصول على الموافقات لمشاريعهم.

وللحصول على الضوء الأخضر لبناء مركز الخدمات اللوجستية بالمطار، تناول شوم العشاء كل يوم تقريبًا مع المسؤولين لعدة سنوات، حيث كان يدفع من أجل زجاجة من الخمر الصيني المشهور "موتاي" (Moutai) مع كل وجبة. وأحضر موظفوه الشاي الفاخر للمسؤولين، وقاموا بمشاوير نيابة عنهم، وتولوا أمر احتياجات زوجاتهم وأطفالهم.

وكتب شوم أن أحد موظفيه بلغ به أن رافق عددًا كبيرًا من الأشخاص في رحلات الساونا العديدة إلى حد أن بشرته بدأت تتقشر.

وخلال فترة المشروع، تم تغيير كبار مسؤولي المطارات والبلدية 3 مرات. وفي كل مرة، كان على فريق شوم إعادة بدء عملية تملقهم.

وفي إشارة إلى عائلة رئيس الوزراء السابق، قال إن "كثيرًا من الناس افترضوا أنه مع حماية عائلة وين، سنقوم بتجميع الأموال من دون الحاجة إلى الاستيقاظ في الصباح للعمل. لكن الحقيقة هي أن الأمر كان مرهقا للغاية."

© مؤسسة نيويورك تايمز 2021

نقلتها للعربية صفحة ريادة الجزيرة

المصدر : نيويورك تايمز

حول هذه القصة

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة