مجمع غوغل المستقبلي يضم آليين للخصوصية وخياما للاجتماعات وحائطك البالوني الخاص

تصور للمكتب في معمل غوغل للبحث والتطوير في مقر الشركة بماونتن فيو في ولاية كاليفورنيا (نيويورك تايمز)
تصور للمكتب في معمل غوغل للبحث والتطوير في مقر الشركة بماونتن فيو في ولاية كاليفورنيا (نيويورك تايمز)

ماونتن فيو-كاليفورنيا – كان المقر الأول لشركة غوغل عبارة عن مرأب سيارات فوضوي في وادي السيليكون مكدس بالمكاتب المثبتة على قوائم خشبية.

وفي عام 2003، وبعد 5 سنوات من تأسيسها، انتقلت الشركة إلى مجمع مترامي الأطراف يُسمى "غوغل بلكس" (Googleplex). ووضعت المكاتب المفتوحة جيدة التهوية والمساحات المشتركة الإبداعية مستوى جديدا في كيفية ظهور مواقع العمل الإبداعية. وعلى مر السنين، تزايدت وسائل الخدمات بها، فالطعام كان مجانيا وكذلك حافلات النقل من وإلى العمل. لقد كان الدخول إلى المكتب والبقاء فيه طيلة اليوم أمرا سهلا.

والآن، فالشركة التي أعادت تعريف كيف يجب أن يعامل صاحب العمل موظفيه، تحاول إعادة تعريف مكتب العمل نفسه. فغوغل تؤسس حاليا موقع عمل لما بعد الجائحة سيناسب الموظفين الذين اعتادوا العمل من المنزل العام الماضي ولا يرغبون في العمل من المكتب معظم الوقت مرة أخرى.

وستعمل الشركة على تشجيع الموظفين -دون فرض- على أن يتلقوا المصل عند العودة إلى المكتب، ربما في سبتمبر/أيلول. في البداية، قد لا يبدو المقر من الداخل مختلفا تماما، ولكن على مدار العام المقبل، ستجرب الشركة تصميمات جديدة للمكاتب على مساحة ملايين الأقدام المربعة أو ما يعادل 10% من مساحة مكاتبها عالميا.

بالون قابل للنفخ في معمل البحث والتطوير التابع لغوغل حيث يتم وضعه في المكتب إذا كانت هناك حاجة للمزيد من الخصوصية (نيويورك تايمز)

وتعتمد الخطط تلك على أعمال كانت قد بدأت قبل أن تجبر أزمة كورونا الموظفين على العمل من المنزل، عندما قامت الشركة بسؤال مجموعة متنوعة من المستشارين، بما في ذلك علماء اجتماع يدرسون "الجيل زد" (Generation Z) – وهو الجيل الذي يلي جيل الألفية وكيف يتعامل ويتعلم طلاب المدارس الثانوية، لتصور ماذا يريد الموظفون المستقبليون.

الإجابة تبدو كما لو أن شركة "آيكيا" (Ikea) تلتقي بشركة "ليغو" (Lego)، فعوضا عن صفوف المكاتب المتراصة إلى جانب قاعات الاجتماعات التقليدية، تعكف غوغل على تصميم "كبسولات للفرق"، كل كبسولة عبارة عن خيمة، حيث يمكن نقل المقاعد والمكاتب واللوحات البيضاء ووحدات التخزين ذات العجلات بترتيبات معينة، وفي بعض الحالات يمكن إعادة ترتيبها في غضون ساعات.

وللتعامل مع دمج متوقع بين موظفي المكاتب والعاملين من المنزل، تعمل الشركة على إعداد قاعة اجتماع جديدة تُدعى كامبفاير (Campfire)، حيث يجلس الحاضرون في القاعة في دائرة تتخللها شاشات عرض رأسية ضخمة لا يمكن تجاهلها. وتعرض هذه الشاشات وجوه الموظفين الحاضرين للاجتماع عبر تقنية الاتصال المرئي، حتى يكون المشاركون الافتراضيون على قدم المساواة مع هؤلاء الحاضرين فعليا.

وفي مواقع محدودة حول العالم، تبني غوغل مساحات عمل خارجية، استجابة لمخاوف انتشار فيروس كورونا بسهولة في المكاتب التقليدية. وفي مقرها الرئيسي في وادي السيليكون، حيث يكون الطقس ممتعا معظم أوقات السنة، حوّلت الشركة موقفا ومنطقة عشبية إلى ما يسمى بمعسكر تشارلستون (Camp Charleston) وهي مساحة مسورة عبارة عن مزيج من العشب والأرضيات الخشبية بحجم 4 ملاعب تنس مزودة بتقنية الشبكة اللاسلكية في أرجائها.

موقع بناء المقر الجديد لغوغل والذي يتم تشييده حاليا في ماونتن فيو بولاية كاليفورنيا (نيويورك تايمز)

وهناك كتل من الطاولات والمقاعد تحت الخيام المفتوحة. وفي خيام أكبر حجما تشبه خيام السكان الأصليين، هناك مساحات للاجتماعات مزينة كمنتجع للطبيعة في كاليفورنيا ومزودة بمعدات الاتصال المرئية الأكثر تقدما. ولكل خيمة اسمها الخاص مثل "كايندلنغ" (kindling) و"سموز" (s’mores) و"كانوو" (canoe). وقد افتُتح معسكر تشارلستون منذ مارس/آذار للفرق التي أرادت الالتقاء. وقالت غوغل إنها تبني مساحات عمل خارجية في لندن ولوس أنجلوس وميونخ ونيويورك وسيدني وربما في مناطق أخرى.

ويمكن للموظفين العودة إلى مكاتبهم الدائمة بحسب جدول تناوب، يُكلَّف بموجبه الموظفون بالعمل من المكتب في يوم معين للتأكد من عدم وجود شخص آخر يجلس بجانبه مباشرة في اليوم نفسه.

وبالرغم من الثقافة التحررية التي تعتمدها الشركة، فالقدوم إلى المكتب بانتظام كان أحد المبادئ القليلة الثابتة في غوغل.

وقالت أليسون أرييف، وهي معمارية وكاتبة عن التصميمات درست مقرات الشركات، إن هذا كان سببا كبيرا للامتيازات السخية التي تقدمها غوغل. وقالت أرييف التي كانت كاتبة مشاركة في قسم الرأي في نيويورك تايمز "هم يتمكنون من الحفاظ على الجميع داخل المقر لأطول فترة ممكنة، وهم بذلك يحتفظون بأفراد في العمل".

ولكن مع تخطي عدد العاملين في غوغل 100 ألف حول العالم، فالتعاون المباشر كان غالبا مستحيلا، فقد كان صعبا على الموظفين التركيز مع كل هذا التشتيت داخل المكاتب المفتوحة في غوغل، حيث توسعت الشركة بشكل أضخم من مقرها المعروف.

مساحات مخصصة للعمل بتركيز ضمن "كبسولات الفرق" في معمل البحث والتطوير التابع لغوغل (نيويورك تايمز)

وفي عام 2018، بدأت مجموعة غوغل العقارية التفكير فيما يمكن أن تفعله بشكل مختلف، ولجأت إلى فريق البحث والتطوير التابع للشركة "للبيئات المُشيدة". كانت مجموعة منتقاة من المعماريين والمصممين الصناعيين ومصممي الداخل والمهندسين الإنشائيين والبنائين والمختصين التقنيين، تقودهم ميشيل كوفمان التي عملت مع المعماري الشهير فرانك غيري قبل الانضمام إلى غوغل قبل عِقد من الزمن.

وقد ركزت غوغل على 3 توجهات هي: أن العمل يحدث في أي مكان وليس فقط داخل مكتب، وأن ما يحتاجه الموظفون في مقر العمل أمر يتغير باستمرار، وأن مقرات العمل يجب أن تكون أكثر من مجرد مكاتب وقاعات اجتماعات ووسائل خدمات.

وقالت كوفمان، "إن مستقبل العمل الذي كنا نعتقد أنه سيحدث بعد 10 سنوات، قد قربتنا جائحة كورونا من هذا المستقبل الآن".

وقال ديفيد رادكليف نائب رئيس غوغل للعقارات وخدمات مكاتب العمل في الأيام الأولى من الجائحة "بدا من المهيب نقل مؤسسة تضم أكثر من 100 ألف موظف إلى المجال الافتراضي، ولكن الآن أمر إعادتهم بشكل آمن يبدو أكثر مهابة".

وفي تشكيلات المكاتب الحالية، قالت غوغل إنها ستكون قادرة على استخدام مكتب واحد فقط من كل 3 مكاتب للمحافظة على مسافة تباعد بين الناس تبلغ 6 أقدام. وقال رادكليف إن مسافة الـ6 أقدام ستظل الحد الأدنى حال وقوع جائحة جديدة أو حتى الإنفلونزا السنوية.

وأضاف رادكليف، من الناحية النفسية، لن يرغب الموظفون في الجلوس في صفوف طويلة من المكاتب، وأيضا ربما ستحتاج غوغل لتقليل كثافة مكاتبها بالمساحة البيضاء مثل الأثاث أو النباتات، إذ إن الشركة تعمل بشكل جوهري على إزاحة سنوات من نظرية المكاتب المفتوحة التي راجت في وادي السيليكون والتي تقول إنه إذا جمعت موظفين أكثر في مساحات أصغر وسلبت خصوصيتهم فسوف يقود ذلك إلى تعاون أفضل.

هذا، ومن غير المتوقع أن تتغير المصاريف العقارية للشركة كثيرا، على الرغم من أنه سيكون هناك موظفون أقل في المكتب وسوف يحتاجون لمساحة أكبر.

شوكوفه دارباري وجوش بلوردي يختبران وضع المكاتب في معمل غوغل للبحث والتطوير (نيويورك تايمز)

وتحاول غوغل التعامل مع ردة فعل الموظفين على ما يُطلق عليه العمل الهجين، ففي شهر يوليو/تموز استفسرت الشركة من موظفين عن عدد أيام الأسبوع التي يحتاجونها للمجيء إلى المكتب كي يكونوا فعالين. وأفاد رادكليف بأن الإجابات انقسمت في نطاق بين صفر إلى 5 أيام في الأسبوع.

والغالبية من موظفي غوغل ليسوا في عجلة من أمرهم للعودة إلى المكاتب، ففي استطلاعها السنوي للموظفين الذي يُسمى "غوغلغيست" (Googlegeist)، قال نحو 70% من حوالي 110 آلاف موظف تم سؤالهم، إن لديهم رأيا تفضيليا تجاه العمل من المنزل بالمقارنة مع 15% لديهم رأي مخالف.

وكان لـ15% آخرين رأي "محايد"، طبقاً للنتائج التي رأتها نيويورك تايمز. وقد أُرسل المسح في فبراير/شباط، بينما أُعلنت النتائج أواخر مارس/آذار.

لقد اعتاد العديد من موظفي غوغل على الحياة دون الرحلات التي تستهلك الوقت مع قضاء المزيد من الوقت مع العائلة والحياة خارج المكتب. ويبدو أن الشركة باتت تدرك أن موظفيها قد لا يرغبون في العودة إلى حياتهم القديمة.

وقالت أرييف "إن التوازن بين الحياة والعمل لا يعني تناول 3 وجبات يومية في مكتبك والذهاب إلى الصالة الرياضية هناك وأداء جميع مهامك هناك. ففي نهاية المطاف، يرغب الناس في المرونة والاستقلالية. وكلما سلبتهم غوغل ذلك، كان الوضع أصعب".

 © مؤسسة نيويورك تايمز 2021

المصدر : نيويورك تايمز

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة