"نحن نعاني".. كيف قتل العمل عن بعد المحلات ذات الواجهات في مانهاتن

إنيسا زيلكسون في متجرها بمحطة نيويورك المركزية الكبرى (نيويورك تايمز)

نيويورك- التحول الكبير نحو العمل من المنزل يهدد المئات من المحلات ذات الواجهات المملوكة للسكان المحليين في مانهاتن، والتي كافحت من أجل البقاء على أمل أن تعود الحياة إلى الشوارع التي هجرت في وسط المدينة وفي حي المال.

وسيتوقف مصير هذه المتاجر -وبالتالي مصير أكبر مركزين تجاريين في البلاد- إلى حد كبير على المدة التي سيستمر فيها ملاك العقارات في تقديم عروضهم بخفض الإيجارات، وهو الأمر الذي حال بين العديد من تجار التجزئة وبين الغرق. ويتعرض الملاك أنفسهم لضغوط مالية متزايدة، مع ارتفاع الأماكن الشاغرة في المكاتب واستمرار ابتعاد المسافرين والزوار.

إن ثقافة البيع بالتجزئة الفريدة في مانهاتن معرضة للخطر، مثل تجار المجوهرات ومحلات الحلاقة وأماكن الفعاليات والحانات، وهي التي لطالما جلبت الحيوية والألفة إلى الشوارع التي تشبه الأخوار في أحياء المكاتب المليئة بناطحات السحاب.

وقالت جيلي فاتوري التي تدير "مجوهرات تورينو" (Torino Jewelers) في شارع ليكسينغتون: "في الوقت الحالي، نحن نعاني". وقالت إن مبيعاتها لا تزال ضعيفة للغاية لدرجة أنها لا تغطي جميع تكاليفها حتى مع اتفاقها على إيجار مخفض للغاية مع مالكة العقار "جي إف بي للعقارات" (GFP Real Estate)، والتي تمتلك العشرات من العقارات في مانهاتن ولديها أسهم معتبرة ضمن جزء الأقلية في مبنى "فلاتيرون" (Flatiron) البارز.

حتى مع عودة الاقتصاد القومي إلى الحركة، فإن مباني المكاتب الخالية في الغالب في مانهاتن تعني أن العديد من المحلات ذات الواجهات لم تشهد انتعاشا بعد. والمحلات هي مساهم أساسي في اقتصاد نيويورك وفي التوظيف. ففي حين أن المدينة هي مقر لبعض كبرى الشركات في العالم، فإن الشركات الصغيرة وظفت حوالي 900 ألف شخص، وشكلت 98% من جميع الأعمال قبل الوباء.

غير أن التوظيف في شركات صناعة الخدمات الصغيرة في أحياء مانهاتن التي بها الكثير من مباني المكاتب، قد انخفض بنسبة 20% عن مستويات ما قبل الوباء في بداية مارس/آذار، وفقا لغوستو (Gusto) التي توفر خدمات دفع الرواتب والفوائد. وفي النطاق الأوسع لمنطقة نيويورك الكبرى، انخفضت العمالة في مثل هذه الشركات بنسبة أقل بكثير هي 6%.

كين غيدون، مالك روثمانز، يساعد زبونًا في إيجاد بزة في متجره بنيويورك (نيويورك تايمز)

وقال لوك باردو الخبير الاقتصادي في غوستو: "في الوقت الحالي، تختفي وظائف الشركات الصغيرة من المدن، وقد لا تعود أبدا حتى بعد انتشار التطعيم وإعادة فتح الاقتصاد بالكامل".

أما مالك مبنى "إمباير ستيت" (Empire State Building)، فقد قال يوم الأربعاء 28 أبريل/نيسان إن 48.3% فقط من مساحات البيع بالتجزئة بالمبنى كانت مشغولة، وهو انخفاض حاد عن نهاية عام 2019، عندما كان هذا الرقم يقارب 70%.

وقال الرئيس التنفيذي المشارك في الشركة إريك غورال إن "جي إف بي"، مالكة عقار "فاتوري"، قد سمحت لأكثر من نصف المستأجرين في واجهات المحلات بدفع حوالي 10% من مبيعاتهم كإيجار حتى يتمكنوا من الاستمرار. غير أن الإيجار المتنازل عنه قد أضحى يشكل عبئا بشكل متزايد، حيث قال غورال إن أموال الظروف الاحتياطية التي تحتفظ بها "جي إف بي" لتغطية التكاليف غير المتوقعة في كل مبنى من مبانيها البالغ عددها 56 "استُنفدت ماديا"، مما يعني أنها قد لا تكون قادرة على تعويض نقص الإيجارات من المستأجرين الآخرين.

وقال: "كنا نقول دائما، كيف يمكن لها أن تمطر 56 مرة؟"، وتابع "وها هو ذا. هذا ما حدث. لقد أمطرت 56 مرة".

وقد تحمل بعض من ملاك العقارات الكثير من الديون قبل تفشي الوباء، معتقدين أن الإيجارات وقيم المباني سوف ترتفع وتتزايد، والآن لا يستطيع البعض تقديم تخفيضات إيجار ترويجية لفترة أطول من ذلك، أو نهائيا. إن المصارف والمستثمرين يتربصون بهم وقد ينفد صبرهم.

وقالت شركة الخدمات العقارية "سي بي آر إي" (CBRE) إن إيجارات واجهات المحلات في الطابق الأرضي قد انخفضت بأكثر من 20% في أحياء مثل تايمز سكوير ووسط المدينة الشرقي. وعبر ممرات البيع بالتجزئة في مانهاتن، انخفضت الإيجارات بأكثر من 13% منذ بداية الوباء، مما وضع الإيجارات عند أدنى مستوى لها منذ عقد.

وبعد ظهر يوم الجمعة 30 أبريل/نيسان، كان امتداد شارع ماديسون الذي كان مقرا علما لمتجر "بروكس براذرز" (Brooks Brothers)، كان هادئا كما لو أنه يوم أحد، على الرغم من أن "ون فانديربيت" (One Vanderbilt) -وهو برج إداري جديد ضخم- يهيمن عليه الآن. وكانت فروع للمصارف ومنافذ شركات الهواتف المحمولة وأحد فروع ستاربكس (Starbucks) مفتوحة، ولكن كان لديها عدد قليل من العملاء.

وفي "لانغفورد وين آند سبيريتس" (Langford Wine and Spirits) الواقع قبالة ماديسون، في شارع 43 الشرقي، لم يكن لدى سانديب تيرومالاسيتي أي عملاء تقريبا لتقديم الخدمة لهم.

وقال تيرومالاسيتي قبل الوباء، كانت أيام الجمعة مشغولة بشكل خاص لأن الشركات كانت تشتري صناديق من المشروبات الكحولية لأوقات التجمع المخفضة السعر التي كانت تقيمها المكاتب، وقال: "الآن، إنها ميتة تماما".

مشاة يمرون أمام متجر جيل ليندسي في نيويورك يوم 20 أبريل/نيسان 2021 (نيويورك تايمز)

وفي الخريف الماضي، مضى مارك ستراوسمان -وهو طاه مشهور- قدما في خططه لفتح مطعم جديد اسمه  "ماركس أوف ماديسون" (Mark’s Off Madison). وقد تمكن من فعل ذلك جزئيا، لأن الشركة المالكة للعقار "رودين مانجمنت" (Rudin Management) لا تطالبه بإيجار، باستثناء دفع الشهر الأول.

ومع ذلك، فإن المطعم يخسر المال، لكن ستراوسمان قال "لا أعتقد أنه بعد كل هذا، يريد الناس البقاء في المنزل والطبخ".

قال ويليام رودين الرئيس التنفيذي لشركة رودين، إنه يريد أن يظل المطعم مفتوحا جزئيا حتى يشعر الموظفون في المكاتب أعلاه بشعور أفضل تجاه العودة. وقال إنه يؤمن برؤية ستراوسمان لكنه لم يقرر كم من الوقت سيستمر في التنازل عن الإيجار. وقال رودين: "لحسن الحظ، هذه نسبة صغيرة من محفظتنا المالية، لذلك لم تؤثر علينا، ولكن بالنسبة للمالكين الصغار، فهذه قرارات صعب اتخاذها للغاية".

ولملء واجهات المحلات ومواجهة هيمنة سلاسل البيع بالتجزئة، سمح بعض الملاك لتجار التجزئة الصغار بالعمل خارج المباني المميزة بإيجارات منخفضة للغاية.

وقالت جيل لندسي إنه قبل الوباء، تحدثت مع "تيشمان شباير" (Tishman Speyer) حول فتح منفذ لمتجرها للملابس والأدوات المنزلية في مركز روكفلر (Rockefeller Center) في غضون بضع سنوات، عندما كان من المفترض أن تتاح مساحة بعينها. ولكن تيشمان شباير اتصلت بها في يوليو/تموز، وسألتها عما إذا كانت مهتمة بالانتقال في وقت أقرب إلى مساحة أخرى يتم تخصيصها "كحاضنة" لتجار التجزئة الصغار لإثبات أنفسهم. كان بائع تجزئة آخر قد غادر إحدى تلك المساحات بعد 5 أشهر فقط.

وقالت لندسي، التي افتتحت المتجر في نوفمبر/تشرين الثاني، إن إيجارها -ويمثل 15% من المبيعات- هو أقل بكثير مما ناقشته مع تيشمان شباير في عام 2019.

والمتجر، المسمى جيل لندسي، أدخل 8 آلاف دولار فقط في مارس/آذار. وقالت: "أشعر أن من الجيد أن أضحك على هذا، لأنني أعتقد فعلا أننا سنعود مرة أخرى وسنزدهر".

 © مؤسسة نيويورك تايمز 2021

المصدر : نيويورك تايمز

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة