الجائحة تعيد تعريف آراء الأميركيين تجاه المال والثروة

جايسون نورتن، يدير أكثر من 220 مليون دولار لعملائه. لقد اختلفت تصوراته عن معنى الثراء بسبب جائحة كورونا (نيويورك تايمز)
جايسون نورتن، يدير أكثر من 220 مليون دولار لعملائه. لقد اختلفت تصوراته عن معنى الثراء بسبب جائحة كورونا (نيويورك تايمز)

في الأيام الأولى للجائحة، كان جيسون نورتون يستمتع بالحياة الرغيدة التي بناها لنفسه. فهو أب لأولاد ثلاثة، ويدير نحو 220 مليون دولار للعملاء في مجتمعه في كارولتون بولاية جورجيا التي تبعد حوالي الساعة عن غرب أتلانتا.

ولكن على مدى العام الفائت، شاهد موظفين يعانون مالياً وعاطفياً، وعملاء يتساءلون عما كانوا يفعلون، وعمّاً مقربا له قضى بسبب كوفيد-19. وحينها بدأت آراؤه عن الثروة تتغير.

وقال نورتون المؤسس والرئيس التنفيذي لنورتون للمالية (Norton Financial)، وهي شركة استشارات مالية، "كنت أرى الثروة استقلالاً مالياً، للقيام بما ترغب في فعله، في الوقت الذي تريده. لقد تغيرت نظرتي للأمور. الآن، أعتبر الثروة مجرد آداة".

ليس نورتون الوحيد في هذه الاتجاهات المتغيرة تجاه الثروة. لقد غيرت الجائحة كيفية نظر الأميركيين للثروة لأبعد مدى، بحسب أحدث استطلاعين للرأي.

وحتى بالنسبة للأغنى، تحدَّت جائحة كورونا مفهوم أن المال يمكنه شراء أي شيء. بالطبع يستطيع قلة من الناس استئجار طائرة خاصة لنقلهم إلى منزل خاص في مكان منعزل، ولكن من كان يستطيع الخروج إلى مطعمه المفضل أو حتى شراء أوراق مرحاض خلال أسوأ مراحل الجائحة؟

وقال نورتون البالغ من العمر 39 عاماً "اعتقدنا أن بإمكاننا دائماً فعل ما نريده، لكنك لم تستطع بسبب الإغلاق. اعتقدنا أن بإمكاننا شراء أي شيء نريده، لكنك لم تستطع لأنه لم يكن متاحاً".

ووجد استطلاع لـ400 مستثمر أن الناس ما زالوا يشعرون بالقلق إزاء الضرائب، ولا يحب أحد النفقات الكبيرة وغير المتوقعة، لكن هواجس الصحة -المرتبطة بشكل أساسي بكوفيد-19- تصاعدت كثيراً لتتصدر قائمة المخاوف. أُطلِق الاستطلاع المعنون "لماذا الثروة" الجمعة قبل الماضي من قبل شركة بوسطن برايفيت (Boston Private) لإدارة الثروة، كمتابعة لاستطلاع كانت قد أجرته عام 2018.

وقال نحو 60% من المشاركين في الاستطلاع إن الجائحة جعلتهم يعيدون تقييم تصورهم بشأن الثروة، ولكن هناك تباينا هائلا بين الأجيال: فنسبة 78% من جيل الألفية و73% من الجيل المسمى "الجيل إكس" (Generation X) (مواليد ما بين 1965-1980) الذين شاركوا في الاستطلاع، قالوا إن الجائحة غيرت من طريقة تخطيطهم لاستخدام ثروتهم في المستقبل، لكن 26% فقط من جيل الطفرة السكانية (مواليد ما بين 1946-1964) ونفس النسبة من الجيل الصامت (مواليد منتصف 1920 إلى منتصف 1940)، قالوا الشيء ذاته.

وقال جيرالد بيكر، رئيس مركز تخطيط الثروة المتميز في شركة نورتن برايفيت "لا يعرِّف المشاركون في استطلاعنا الثروة  بالضرورة على أنها تجميع للرصيد المالي. الأمر يتعلق بالنجاح فيما يقومون به. لقد جعلتهم جائحة كوفيد يعيدون تعريف التمتع بما يفعلونه وكذلك إعادة تعريف معنى النجاح".

لقد سقطت عدة معايير أساسية لتعريف الثروة في السنوات الثلاث الماضية. ففي عام 2018، قال 65% من المشاركين في الاستطلاع إنهم شعروا أن الثروة تعطيهم راحة البال، لكن هذا الرقم تراجع إلى 53% في هذا الخريف. ونصف المشاركين في الاستطلاع ساووا بين الثروة والسعادة، أي أقل بمقدار 4 نقاط مئوية عن 2018.

وفي تحول آخر، قال مزيد من الناس إن الثروة تعني النجاح في الحياة، كان هذا 50%، ارتفاعاً من  نسبة 40% في المرة الماضية.

وقال بيكر "إن جزءاً كبيراً من النجاح يظل اكتساب المال، ولكن الأمر لا يتعلق باكتساب المال من أجل زيادة رصيدك المالي"، وتابع:" بل بتحقيق شيء خلال هذه العملية لبناء أشياء أخرى، ولأخذ شيء من هذا الرصيد المالي، وضخه في شيء آخر".

وقال نورتون إن أولوياته تحولت إلى التركيز أكثر على الناس من حوله، لذلك قرر دفع نصف علاوة أعياد الميلاد -التي تأتي في ديسمبر/كانون الأول- لموظفي الشركة في مايو/أيار. وأضاف نورتون "فعلت ذلك لأتأكد أنهم بخير. لقد ركزت بشكل أقل على ربحي الصافي ودخلي، وبشكل أكثر على التأكد من أننا نقوم بالشيء الصواب لعملائنا، وللتأكد أيضاً من أن موظفيَّ وعائلتي بخير".

وبحسب استطلاع سنوي لشركة تشارلز شواب (Charles Schwab Corp)، فإن الأميركيين ذوي الدخول والمدخرات المتواضعة، كانوا متفائلين بشكل أكبر بشأن البلاد والاقتصاد ما بعد الجائحة. وكان ربع عدد ألف شخص شاركوا في الاستطلاع الذي نُشر في مارس/آذار قد خططوا للتبذير على مشتريات كبيرة.

لقد انخفض الحد الذي يبدأ عنده اعتبار شخص غنياً بمقدار 700 ألف دولار، فالمشاركون في الاستطلاع قالوا إن امتلاك 1.9 مليون دولار يجعلهم يشعرون بالغنى، مقارنة بـ2.6 مليون دولار قبل عام مضى.

وقفز عدد الناس الذين يوصفون بأنهم موفرين إلى 80% من 64% لنفس الفترة. وانخفض مقدار المال المطلوب "للسعادة المالية" إلى 1.1 مليون دولار من 1.75 مليون دولار، أما القيمة المطلوبة للشعور بالراحة المالية فقد تراجعت إلى 624 آلاف دولار من 934 آلاف دولار.

وقال روب ويليامز، نائب رئيس التخطيط المالي لدى تشارلز شواب، "إن ما استخلصناه من الاستطلاع هو أن مزيداً من الأميركيين يعيدون تركيز أولوياتهم على علاقاتهم وصحتهم"، وتابع "لقد انخفض مقدار ما نحتاجه للشعور بالراحة المالية، وهذا يرجع بشكل كبير إلى إعادة تركيز الأولويات على ما يستطيع أو لا يستطيع المال تحقيقه لك".

أما إليزابيث غالبوت، وهي مستثمرة في المخاطر، فقد استغلت وقتها للعمل من المنزل في نيويورك لإعادة تقييم أين يمكنها أن تعيش. لقد قررت الانتقال لمكان أقرب إلى والديها في نيبلس بولاية فلوريدا.

إليزابيث غالبوت استغلت عملها من المنزل لتفكر في محل إقامتها وتقرر الانتقال إلى جانب والديها في فلوريدا (نيويورك تايمز)

وقالت غالبوت "كان عليَّ التمهل، لكن ذلك سرّع من تحقيق أهدافي وقيمي الشخصية. كرائد أعمال، أنت تعمل كثيراً لدرجة أنك لا ترى نفسك. لقد انتقلت بالقرب من عائلتي لقضاء وقت ممتع أكثر معهم. بدأت ممارسة التمارين الرياضية كل يوم وبدأت رعاية نفسي بالطعام الجيد".

هذا التغيير في الأولويات ساعدها في التركيز على الاستثمار في الشركات التي تقودها السيدات. واستثمرت شركتها سوغال فينشرز (SoGal Ventures) أكثر في الرعاية الصحية وشركات الطب الوظيفي، وحققت نجاحات من استثمارات سابقة.

إن بعضاً من أكبر مجالات الاهتمام في استطلاع بوسطن برايفيت كانت حول الأطفال، فقد كان الآباء أكثر ميلاً لاستخدام ثروتهم في مساعدة أطفالهم الآن، بدلاً من الادخار لمستقبلهم بسبب الجائحة.

نقلتها للعربية صفحة ريادة-الجزيرة.نت

المصدر : نيويورك تايمز

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة