تحليل: الحرب على التكنولوجيا الصاعدة للذكاء الاصطناعي بلا مبرر

تفضل الصين توجيه استثماراتها في مجال تكنولوجيا المعلومات إلى الشركات المحلية (رويترز)
تفضل الصين توجيه استثماراتها في مجال تكنولوجيا المعلومات إلى الشركات المحلية (رويترز)

تتنافس الدول على الموارد والتقنيات، لكن يبدو من الصعب رؤية المنطق في التنافس على الذكاء الاصطناعي بين الدول والأمم، نظرا لأنه ليس موردا نادرا، ولا تقنية يتوجب الدفاع عنها باستماتة؛ مثل الأسلحة النووية. ومن الناحية النظرية، يمكن النظر إلى الذكاء الصناعي باعتباره موردا لا ينضب، بفضل الأبحاث المتاحة بوفرة في هذا المجال. كما أن المواد الخام الفعلية اللازمة لتطويره، مثل السيليكون، رخيصة ومتوفرة، وفي نهاية المطاف تتمثل العقبة الرئيسة الوحيدة أمام انتشاره في قدرة البشر على التعلم.

غير أن لغة الخطابة التي ترتكز على التنافس، الذي عادة ما ينشأ في هذا المجال بين الولايات المتحدة والصين، تتسم بالقوة، ويتم التعبير عنها بعبارات تكتسي بالأهمية البالغة. ويقول إيريك شميت، رئيس لجنة الأمن القومي الأميركية لشؤون الذكاء الاصطناعي، والذي كان مديرا تنفيذيا في شركة "غوغل" (Google) لخدمات الإنترنت، في تقريره النهائي، الذي قدمه للكونغرس الأميركي في وقت سابق هذا العام "لا بد أن ننتصر في التنافس في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يعزز التنافس الإستراتيجي مع الصين".

ويشير الكاتب الألماني ليونيد بيرشيدسكي في تقرير نشرته وكالة "بلومبيرغ" (Bloomberg) للأنباء إلى أن حجم سوق الذكاء الاصطناعي في الصين بلغ حسب التقديرات 71 مليار رينمينبي (10.8 مليارات دولار أميركي وفق سعر الصرف الحالي) عام 2020، وأن عدد الشركات الصينية المتخصصة في هذا القطاع يبلغ نحو 800 شركة، في حين أن استثمارات الكيانات الصينية في شركات تكنولوجيا المعلومات الأميركية خلال عام 2020 لم تتجاوز 1.9 مليار دولار، بما يمثل 2.4% من إجمالي استثماراتها، كما أن نسبة الاستثمارات الصينية في شركات تكنولوجيا المعلومات في أوروبا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وبريطانيا لم تتجاوز مطلقا 3%، وفق تقارير مركز الأمن والتكنولوجيات الناشئة التابع لجامعة جورج تاون الأميركية. علاوة على ذلك، أشارت التقارير أيضا إلى عدم وجود استثمارات صينية في مجال تكنولوجيا المعلومات في كثير من دول العالم.

ولا تعبّر هذه الأرقام بأي حال من الأحوال عن ضعف الموارد الصينية في مجال تكنولوجيا المعلومات بقدر ما تشير إلى أن الصين تفضل توجيه استثماراتها في هذا المجال إلى الشركات المحلية، بحيث يبدو كما لو كان هناك جدار خفي من السيليكون يفصل بين الولايات المتحدة والصين.

ووفق مؤشر "سي إس رانكينغز" (CSRankings) المتخصص في تصنيف الجامعات وفق عدد الأبحاث العلمية في مجال علوم الحاسوب، تأتي جامعة تسينجوا ببكين في صدارة الجامعات، التي نشرت أبحاثا في مجال الذكاء الاصطناعي خلال الفترة ما بين 2015 و2021، فيما جاءت "جامعة كارنيغي ميلون" (Carnegie Mellon University) الأميركية في المركز الثاني، وإن كانت الاقتباسات من الأبحاث الأميركية بشكل عام جاءت أعلى بنسبة 40% من المتوسط العالمي، وجاءت الأبحاث الأوروبية أعلى بنسبة 10%، وعلى العكس جاءت الاقتباسات في الأبحاث الصينية أقل بنسبة 20% من المتوسط العالمي.

وتتنافس الصين بقوة مع الولايات المتحدة في مجال تكنولوجيا المعلومات، وتتفوق على الاتحاد الأوروبي في هذا المجال، رغم أن عدد الشركات الصينية، التي حصلت على تمويل نقدي يتجاوز مليون دولار أو أكثر، يبلغ 398 شركة مقابل 890 شركة في الاتحاد الأوروبي و2130 شركة في الولايات المتحدة.

فالمال، بلا شك، يستطيع شراء أفضل العقول؛ لكن قد تكون هناك أسباب تجعل الباحث الصيني أو الألماني أو الفرنسي أو السنغافوري لا يريد أن يعيش في وادي السيليكون أو يعمل لصالح شركة أميركية كبرى.

وتشير تقارير مركز الأمن والتكنولوجيات الناشئة التابع لجامعة جورج تاون إلى أن عدد العاملين أصحاب المهارات في مجال الذكاء الاصطناعي في ألمانيا يمثل 0.7% من قاعدة مستخدمي برنامج "لينكد إن" (LinkedIn)، فيما يزيد عددهم في الولايات المتحدة عن 5 ملايين شخص، بما يمثل 2.9% من قاعدة مستخدمي برنامج لينكد إن؛ لكن الجدير بالذكر أن عدد مستخدمي هذا التطبيق في ألمانيا لا يزيد عن 13% من إجمالي تعداد الشعب، ونحو 53% من إجمالي الشعب الأميركي.

ومن المجالات الأخرى لقياس التنافس في مجال الذكاء الاصطناعي بين الدول حجم إنتاج المكونات الصلبة في مجال تكنولوجيا المعلومات، الذي يعتبر مؤشرا واضحا على القوة في هذا المجال.

فالولايات المتحدة تتصدر دول العالم في مجال تصميم الرقائق الإلكترونية، بحيث تستطيع ببساطة أن تمنع وصول الأجهزة التكنولوجية المتقدمة إلى الشركات الصينية؛ لكن هذه الميزة يمكن أن تتبدد بسهولة في فضاء الذكاء الاصطناعي، بالنظر إلى وجود دول أخرى مثل اليابان كانت تمثل 8% من حجم الأداء على مستوى العالم في هذا القطاع؛ لكن حجم أدائها ارتفع إلى نحو 24% في عام 2020، ويعبر هذا التغيير السريع عن صعوبة استمرار الاحتفاظ بهامش التفوق في هذا المجال. وإذا كان من الصعب الاحتفاظ بهذه الميزة، فما هي جدوى التنافس بين الدول بدلا من محاولة حل مشاكل العالم الحقيقي بواسطة الذكاء الاصطناعي.

وتعتبر مسألة التنافس بين الدول والأمم في مجال الذكاء الاصطناعي وسيلة قوية في يد رجال السياسة للترويج لأهمية الاستثمار الحكومي في هذا المجال، واستصدار تشريعات مؤيدة لهذه الصناعة. فالتهديد الصيني للريادة الأميركية في مجال تكنولوجيا المعلومات يتصدر تفكير مؤسسة السياسة في أميركا، وفي دول أخرى صناعية كبرى مثل ألمانيا وفرنسا، لا تريد أن تتأخر كثيرا في السباق بين الشركات الناشئة في الولايات المتحدة والصين.

ولكن في الحقيقة، فإن الذكاء الاصطناعي مثل أي تكنولوجيا أخرى تعتمد على قوة العقل والمعرفة بدلا من الموارد، التي يصعب الحصول عليها، سوف يخدم الأنظمة الديمقراطية والأوتوقراطية على حد سواء، وكذلك سوف يساعد سلاسل التجارة والجيوش والبنوك وشبكات التواصل الاجتماعي في أوروبا وكذلك في أميركا وآسيا، فهو جزء من تقدم العالم، وليس شيئا تستطيع أي دولة أن تستأثر به وتستخدمه لتحقيق السيادة، ففكرة التفوق على الآخر في هذا المجال تبدو سخيفة إلى حد ما، ومن الأجدر برجال السياسة التركيز على الكيفية، التي يمكن أن يساعد بها الذكاء الاصطناعي في تحقيق أهداف تكنولوجية أو اجتماعية معينة، بدلا من القلق بشأن المكاسب الجيوسياسية التي يمكن أن تحققها هذه التقنية.

المصدر : الألمانية

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة