تصاعد مطلب "السيادة الرقمية" في أوروبا بعد تفوق أميركا والصين

البحث عن السيادة الرقمية يمكن أن يرفع من كلفة المشاريع أو يؤدي لإلغائها، مثل ما قد يحدث مع شركة هواوي (رويترز)
البحث عن السيادة الرقمية يمكن أن يرفع من كلفة المشاريع أو يؤدي لإلغائها، مثل ما قد يحدث مع شركة هواوي (رويترز)

في مقال نشرته صحيفة "لوموند" (Le Monde) الفرنسية، قال الكاتب الفرنسي ألكسندر بيكار إن الجائحة كشفت مدى تبعية فرنسا وأوروبا للبلدان الأخرى، وهو تماما مثلما اعتمدت عليها في إنتاج اللقاحات أو الأقنعة، وإن قيود الإغلاق أسهمت في تسريع عملية رقمنة أنشطة الأفراد والشركات على حد سواء، وقد عزز هذا الوضع الاستثنائي الدعوات إلى ترسيخ ما يسمى بـ "السيادة الرقمية". وأضاف أن هذا الملف يعتبر محل اهتمام كل من رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ومفوض السوق الداخلية تيري بريتون.

ويأتي ذلك مع احتدام المنافسة بين الدول الكبرى في مجال دعم رواد الأعمال والشركات الناشئة في المجال الرقمي بشكل غير مسبوق. وفي أبريل/نيسان الحالي أفصح الاتحاد الأوروبي عن قواعد جديدة لدفع شركات أوروبا الناشئة ورواد الأعمال هناك إلى مواكبة التطور الهائل في هذا المضمار في الصين والولايات المتحدة، وتحقيق ما يسمى بالسيادة الأوروبية.

ولطالما دعا مؤسسو الشركات التقنية البازغة في أوروبا إلى إصلاحات لمساعدة الشركات الناشئة على الازدهار والمنافسة مع الولايات المتحدة والصين اللتين أخرجتا عمالقة الشركات الرقمية في العالم.

لكن وفق لوموند فإن هذا المفهوم -أي "السيادة الرقمية"- يحتمل تأويلات مختلفة -انطلاقا من مدى قدرة السلطات على وضع قواعد تنظيمية- تذهب إلى وجود جهات محلية يمكنها التصدي لهيمنة شركات التكنولوجيا العملاقة الأميركية مثل "غوغل" (Google) و"آبل" (Apple) و"فيسبوك" (Facebook‎‏) و"أمازون" (Amazon) و"مايكروسوفت" (Microsoft).

تفاعلات متبادلة

وبمقاله في لوموند أقرّ الكاتب بأن تحقيق السيادة الرقمية ليس بالمهمة السهلة؛ فعلى سبيل المثال، اقترحت جمعيات الشركات الناشئة -مثل "فرانس ديجيتال" (France Digitale)- قانون شراء التكنولوجيا الأوروبية الذي يقضي بالحفاظ على 50% من العقود العامة الرقمية للشركات الأوروبية.

في المقابل، لا تسمح النصوص القانونية الأوروبية بأن تتم المناقصات على أساس الجنسية، ويعتقد المؤيدون لهذا المقترح أنه من الممكن تغيير القوانين في ظل الظروف الصحية الوبائية التي يشهدها العالم. ويمكن لمبادرات السيادة أن تثير ردود فعل متبادلة؛ حيث هددت الولايات المتحدة من جهتها فرنسا بفرض عقوبات جمركية ردا على ضريبة "غافا" المفروضة على الخدمات الرقمية، وهي تضغط لتوسيع الإصلاح الضريبي العالمي ليشمل جميع القطاعات، وهو ما يضع مصالح فرنسا على المحك.

ومن شأن فرض قواعد ولوائح أن يكون الحل المناسب في هذا الإطار، وقد أُطلقت منصة "غايا-إكس" (Gaia-X) للحوسبة السحابية الأوروبية التي تفرض بشكل ملحوظ الشفافية على مزودي الاستضافة عبر الإنترنت، لكن هذه الخطوة لم تضع حدا لهيمنة عمالقة التكنولوجيا أمازون ومايكروسوفت وغوغل.

وأشار الكاتب إلى أن السعي وراء الاستقلالية يمكن أن يكون له تكلفة باهظة تشمل زعزعة قواعد عالم الإنترنت، كما قد يتطلب الاستثمار في الأبراج -أو أشباه المواصلات- الأقمارَ الصناعية. وإن البحث عن السيادة الرقمية يمكن أن يجعل المشاريع مكلفة أكثر أو حتى يؤدي لإلغائها. وهذا ينطبق على شبكة الجيل الخامس في أوروبا في حال الاستغناء عن خدمات شركة "هواوي" (Huawei) الصينية.

يذكر أنه في الصين -التي كانت لفترة قريبة متأخرة عن أوروبا في هذا المجال- تزدهر شركات مثل "علي بابا" (Alibaba)، و"تنسينت" (Tencent)، و"هواوي" (Huawei)، و"شاومي" (Xiaomi)، والعديد غيرها، وجميع هذه الشركات أضخم بكثير من أكبر شركات أوروبا التقنية.

قواعد المنافسة

وأوضح الكاتب أن البحث عن بدائل قد يؤدي إلى تشكيل اتحادات، في بعض الأحيان بين القطاعين العام والخاص، لكن الخطر الذي ينطوي على ذلك يكمن في التضارب مع اللوائح التنظيمية للمنافسين. ويجادل البعض بأنه ينبغي فرض المزيد من اللوائح التنظيمية على المنصات الرقمية تشبه البنية التحتية العامة للإنترنت، أو العمل بمنطق "المصلحة العامة"، أو حتى إجبار شركات مثل غوغل على مشاركة البيانات.

في المقابل، يرى آخرون -بما في ذلك فيسبوك- أن زيادة السيادة الرقمية يهدد حرية التعبير، أو يمكن أن يتسبب في تجزئة عالم الإنترنت نظرا لأن مبادئ السيادة غالبا ما تتعارض مع مبادئ العولمة.

المصدر : الجزيرة + لوموند

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة