من الفن المشفر إلى بطاقات التبادل.. هوس الاستثمار يفيض

تبدو كل "صرعة" في الأسواق أشد جنونا من سابقتها، لكن كلها تتشابه في نفس الجذور (نيويورك تايمز)
تبدو كل "صرعة" في الأسواق أشد جنونا من سابقتها، لكن كلها تتشابه في نفس الجذور (نيويورك تايمز)

في الأسبوع الأول من مارس/آذار الماضي، بيعت بطاقة تداول يظهر فيها صانع ألعاب كرة القدم الأميركية توم برادي بمبلغ قياسي بلغ 1.3 مليون دولار، وبلغت القيمة الإجمالية لعملات البتكوين الرقمية تريليون دولار، وباعت كريستيز (للمزادات) عملا فنيا رقميا لفنان يُعرف باسم "بيبل" مقابل 69.3 مليون دولار بعد أن افتتح المزاد بـ 100 دولار فقط.

كل هذه الأحداث التي بدت فردية كانت مرتبطة ببعضها البعض، كجزء من سلسلة من الهوس الذي سيطر على عالم المال؛ فعلى مدار أشهر رفع المستثمرون المحترفون والعاديون أسعار الأسهم والعقارات، وامتد الاهتياج الآن إلى الأصول الأكثر خطورة، وفي بعض الحالات الأكثر سخافة، بما في ذلك الوسائط والمواد الرقمية المتلاشية والعملات الرقمية المشفرة والمقتنيات، مثل بطاقات التبادل وحتى الأحذية الخفيفة.

دفعت هذه الزيادات الحادة حزمة فريدة من الظروف؛ فبينما تم تسريح الملايين في أثناء الوباء ازدهرت الحسابات المصرفية للعديد من الأشخاص متضخمة بسبب شيكات الإغاثة ومن ضخ الأموال الحكومية في الاقتصاد، لكن بينما كان الناس يجمعون المزيد والمزيد من الأموال، أصبحت الاستثمارات التقليدية -مثل الأسهم والسندات- أقل جاذبية.

لذلك أبدع الكثيرون، ولشعورهم الملل بسبب الوباء أقبلوا على المزيد من المخاطر، وفي كثير من الأحيان تم تحفيزهم من قبل مجتمعات عبر الإنترنت على "ريديت" (Reddit) و "ديسكورد" (Discord)، حيث كانت النقاشات الساخنة تدور حول الاستثمارات الكبيرة القادمة، كما انتقلوا إلى أدوات تقنية مثل تطبيق التداول "روبن هود" (Robinhood) ومنصة العملات الرقمية "كوين بيس" (Coinbase)، والتي سمحت لهم بشراء وتداول عناصر مختلفة بضغطة زر واحدة.

وقد أدى ذلك الآن إلى إنشاء فقاعات صغيرة عبر مجموعة واسعة من الفئات المغمورة، مما يجعل بعض الحروف الاختصارية التي كانت غامضة في البداية مثل "شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة" (SPACs)،و "إن إف تي" (NFTs) (الرموز غير القابلة للاستبدال) شائعة فعليا في كل مكان تماما مثل اختصار مؤشر S&P  ستاندرد اند بورز. وقد غذت أيضا طلبا شرسا على قوائم الاكتتاب العام في 1 مارس/آذار الماضي، مثل موقع الألعاب "روبلوكس" (Roblox) وشركة التجارة الإلكترونية الكورية الجنوبية "كوبانغ" (Coupang)، بالإضافة إلى أسهم شركة "غيم ستوب" (GameStop) لبيع ألعاب الفيديو بالتجزئة، وغيرها من الأسهم المسماة "أسهم الصور المركبة" أو اختصارا باسهم "الميمز".

وقال هوارد ليندزون -المستثمر ورائد الأعمال والمعلق الاقتصادي- "إنها مجرد دورة (مال) مكبوتة، حيث لا يوجد مكان تذهب إليه الأموال، لذلك تقوم بأشياء سخيفة".

أدخلت هذه النزوات -التي اندلعت في وقت يشهد ألما اقتصاديا عميقا- قدرا كبيرا من المخاطرة على العديد من المستثمرين؛ حيث تكبد بعض الأشخاص بالفعل خسائر فادحة على تطبيق "روبن هود" الذي اتُهم بتشجيع سلوك شبيه بالمقامرة، أما الأصول الأخرى مثل "بتكوين" فهي متقلبة، في حين إن الأحذية الخفيفة والرموز غير القابلة للاستبدال جديدة للغاية ومضخمة الدعاية، لدرجة أنه من الصعب معرفة ما ستكون قيمتها بمرور الوقت.

وفي الوقت الحالي، لا يبدو أن سلوك الفقاعة تلو الفقاعة هذا يشكل خطرا شاملا على النظام المالي الأوسع، لكن بعض المستثمرين قالوا إنهم غير مرتاحين.

حيث قالت جين ليونغ -وهي كبيرة مسؤولي الاستثمار في مصرف "إس في بي برايفت" (SVB Private Bank)- "يهلل لذلك معظم الناس، ولكنهم في نفس الوقت يهزون رؤوسهم ولسان حالهم يقول متى سيحل الإخفاق؟".

أحد الذين استثمروا في هذه الهوجة كان ماثيو شور (35 عاما)، وهو محامي في "تشيري هيل" (Cherry Hill) بولاية نيو جيرسي، حيث كان شور يرتقب لسنوات استثمارات مربحة، لكنه فقد الاهتمام بسوق الأسهم وتخلى عن "بتكوين" بعد أن سخر أصدقاؤه من العملات الرقمية باعتبارها "أموالا زائفة"، وإنه الآن يندم لأن قيمة العملة الواحدة من بتكوين ارتفعت إلى ما يفوق 57 ألف دولار، ما يعني أن عملات "بتكوين" الثمانية التي دفعها مقابل بيتزا من محل "دومينوز" (Domino’s) في عام 2011 بلغت قيمتها اليوم أكثر من 450 ألف دولار.

لم يرغب شور في تفويت أي فرصة أخرى؛ لذلك ابتداء من شهر يناير/كانون الثاني الماضي أنفق 5 آلاف دولار في شراء 351 مقطع فيديو من موقع "أفضل رميات الدوري الأميركي للمحترفين" (NBA Top Shot)، وهو موقع لتداول أبرز مقاطع فيديو كرة السلة، بعد أن رأى ثرثرات على وسائل التواصل الاجتماعي عن بيعها بعشرات الآلاف من الدولارات، وقد ارتفعت قيمة هذه المقاطع الآن إلى 67 ألف دولار، وفقا لموقع "مومنت رانكس" (Momentranks) الذي يتتبع تلك المبيعات.

هذه المقاطع هي نوع من الاستثمار المعروف باسم "إن إف تي" (NFT)، أو الرموز غير القابلة للاستبدال التي انطلقت في الموسيقى والفن والرياضة، وتَستخدم هذه الرموز الرقمية شبكات من أجهزة الحاسب لإثبات أصالة المحتوى الرقمي مثل مقطع فيديو أو صورة أو أغنية، مما يعطي المحتوى قيمة، على الأقل في نظر الشخص الذي يشتريه، ويشبّه البعض "الرموز غير القابلة للاستبدال" ببطاقات التبادل الرقمية، (وعادة ما يحتفظ منشئو هذه الأعمال بحقوق التأليف).

ويعتبر المشككون أن "إن إف تي" هي من بين أكثر الأصول إثارة للريبة، حيث يمكن نسخ صورة للرموز غير القابلة للاستبدال ومشاركتها الى ما لا نهاية؛ ومع ذلك هناك عدد كاف من الناس مقتنعون بقيمة توثيق تلك الرموز التي يربطونها بظاهرة أخرى تدفع السوق، وهي ظاهرة الخوف من ضياع الفرصة.

لقد بدأت معظم قوة الدفع الاستثمارية هذه في العام الماضي مع انتشار فيروس كورونا والسقوط الحر الذي شهده الاقتصاد العالمي؛ وردا على ذلك، خفضت الولايات المتحدة أسعار الفائدة، واشترت سندات حكومية وأقرت حزم الإغاثة، واتخذت ألمانيا والبرازيل واليابان ودول أخرى إجراءات مماثلة.

كان لهذه التحركات تأثير مزدوج يتمثل في زيادة حجم الأموال في النظام المالي العالمي، بينما يتم تشجيع الناس أيضا على الإنفاق، وقد بلغت الودائع في الحسابات المصرفية الأميركية 16.45 تريليون دولار في شهر فبراير/شباط الماضي، بزيادة أكثر من 3 تريليونات دولار عن مستواها في يناير/كانون الثاني 2020، وفقا لبيانات الاحتياطي الفيدرالي، وظل سعر الفائدة الذي حدده الاحتياطي الفيدرالي مقتربا من الصفر منذ مارس/آذار الماضي.

وقد قللت أسعار الفائدة المنخفضة من جاذبية الاستثمارات التقليدية مثل السندات، في حين أصبحت الأسهم التي ظلت ترتفع على مدى 10 سنوات أكثر غلاء من ذي قبل، وحينها بدأ المزيد من الناس في الاستثمار في الأصول غير التقليدية.

ومع الرموز غير القابلة للاستبدال تصاعد الهرع بسرعة؛ ففي فبراير/شباط الماضي بيعت صورة من الرموز غير القابلة للاستبدال لـ"قطّة نيان" (Nyan Cat) التي تظهر قطة متحركة بجسم حلوى من نوع "البوب تارت"، وذلك بحوالي 580 ألف دولار، وبدأ فنانون آخرون -من بينهم "غرايمز" (Grimes) و"ستيف أوكي" (Steve Aoki)- في جني ملايين الدولارات من أعمالهم الفنية الرقمية، وبعد ذلك باع "بيبل" -واسمه الحقيقي مايك وينكلمان- نسخة "إن إف تي" من فيلمه "كل الأيام — أول 5000 يوم" مقابل مبلغ هائل وهو 69.3 مليون دولار.

وانجذب المستثمرون أيضا إلى "شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة" (المعروفة اختصارا باسم "سباكس")، وقد رمى الكثيرون بالمال على هذه الأدوات المالية، والتي يتم تداولها في السوق العامة، على الرغم من أنها شركات ورقية بدون أي عمليات، ومنشئوها يعدون المساهمين بإيجاد شركة خاصة يندمجون معها، وهو ما يضع الشركة فعليا في الاكتتاب العام.

وكانت شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة تلك كثيرة جدا هذا العام لدرجة أنها فاقت عدد الشركات الحقيقية المدرجة حديثا بنسبة 4 إلى 1، وفقا لـ"رينيسانس كابيتال" (Renaissance Capital) التي تتبع عمليات الإدراج العامة. وقامت بعض الشركات الاستثمارية بطرح 3 أو 4 شركات استحواذ ذات أغراض خاصة في وقت واحد، في حين قام مشاهير ونجوم رياضة -مثل شاكيل أونيل، وسيرينا ويليامز، وكولين كايبرنيك، وسيرا- بتكوين شركاتهم الخاصة.

وفي كثير من الأحيان، تندمج شركات الاستحواذ مع الشركات التي لم تحقق حتى دولار واحد، حيث أعلنت شركتا الإيجار الجوي الكهربائي "جوبي للطيران" (Joby Aviation)، و"آرتشر للطيران" (Archer Aviation) -اللتان لا تتوقعان أي إيرادات لسنوات مقبلة- عن صفقات مع شركات استحواذ ذات أغراض خاصة في فبراير/شباط الماضي، وقد قُدرت الشركتان بنحو 6.6 مليارات دولار، و3.8 مليارات دولار على التوالي.

كما تدفقت عمليات إعادة بيع الأحذية الخفيفة؛ ففي "ستوك إكس" (StockX) -وهو سوق مشابه لـ"إي باي" (eBay) حيث يشتري الناس ويبيعون أحذية خفيفة ومقتنيات أخرى- تضاعفت مبيعات الأحذية في يناير/كانون الثاني الماضي عما كانت عليه قبل عام تقريبا، وذلك وفق قول الرئيس التنفيذي للشركة سكوت كاتلر، وقد ساعد هذا النمو في بيع طراز مشهور من أحذية "نايك دنكس" (Nike Dunks) -يُظهر رسوما لحمامة منسوبة لمدينة نيويورك- بمبلغ قياسي بلغ 33 ألفا و400 دولار في مارس/آذار الماضي.

سكوت كاتلر، الرئيس التنفيذي لموقع "ستوك إكس" (نيويورك تايمز)

وقال كاتلر إن الأجيال الشابة ترغب في الاستثمار بأشياء ذات صلة ثقافية ومفيدة ماليا، فالأحذية الرياضية "استثمار أكثر استقرارا بكثير في الواقع مما قد تعتقد".

كما ارتفعت مبيعات بطاقات التبادل أيضا، فقفز سعر البطاقات التي بحالة المطبعة على "ستوك إكس" لمتوسط 775 دولارا في يناير/كانون الثاني الماضي من 280 دولارا قبل عام. وفي الأسبوع الأول من مارس/آذار الماضي بيعت بطاقة برادي -وهي واحدة من 100 فقط من نوعها من موسم المبتدئين لكرة السلة- بمبلغ 1.3 مليون دولار، في أعقاب بيع أخرى مماثلة لها بمبلغ 555 ألفا و988 دولارا في يناير/كانون الثاني الماضي.

إن توقع متى أو كيف ستنتهي هذه الحفلة أمر لا يمكن لأحد تخمينه؛ حيث يتوقع البعض أن توزيع لقاح (كورونا) على نطاق واسع والعودة إلى الحياة الطبيعية بعد الجائحة سيؤديان إلى عصر صخب على غرار العشرينيات، فرغم أن ذلك العقد انتهى بانهيار مدمر فإن النشوة قد استمرت لسنوات.

وقالت لورا فلدكامب -أستاذة المالية بكلية الإدارة في جامعة كولومبيا- إن تلك الفترة كانت "جامحة للغاية"، وأدت إلى "تغير تكنولوجي سريع للغاية"، وتابعت "كما كان هناك الكثير من الأموال التي يمكن جنيها".

 © مؤسسة نيويورك تايمز 2021

المصدر : نيويورك تايمز

المزيد من ريادة
الأكثر قراءة